باسم الشرف

لماذا لا يزال ختان الإناث حيًا رغم تجريمه؟

بقلم: مريم عبد الواحد

رغم قوانين الحظر والتجريم، لا تزال شفرات الختان تخترق أجساد الفتيات في مصر والعراق وأماكن أخرى من المنطقة العربية. يُمارس في الخفاء، ويُبرَّر باسم الدين أو الشرف، بينما تكتفي القوانين بالحبر على الورق. في هذا التقرير، نكشف كيف يستمر هذا الانتهاك، ومن يساهم في إبقائه حيًا رغم كل التحذيرات والآلام.

الأم تقدّم ابنتها قربانًا

في قرية نائية بإقليم كردستان العراق، كانت الطفلة "ناز" (اسم مستعار، 9 أعوام) تظن أنها في زيارة عائلية، حتى اقتيدت إلى غرفة اصطفت فيها سبع فتيات أخريات بانتظار شفرة الختان. تصف ناز اللحظة بقولها:

"صرخت وبكيت وتوسلت من الألم، لكن والدتي كانت أول من قدمتني لها. شعرت أنني خُنت جسدي إلى الأبد."

ذكريات ناز المؤلمة عن الحادثة لا تقتصر على مواجهتها الشخصية، فهي لم تنسَ إحدى الفتيات اللاتي كنّ معها في الغرفة، والتي لفظت أنفاسها بعد ثلاثة أيام، نتيجة نزيف وتسمم بالدم، وفق إفادة طبية. متسائلة: كيف فعلت أمي بي ذلك رغم علمها أني قد أكون محل تلك البنت؟ رغم تجريم الختان في كردستان منذ عام 2011 ضمن قانون العنف الأسري، تستمر الممارسة في الخفاء. تقارير منظمات مثل "وادي" و"هيومن رايتس ووتش" تشير إلى أن نسبة الختان في مناطق مثل رانية ودهوك تتراوح بين 10% إلى 40%، في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة، وضعف إنفاذ القانون، وتواطؤ اجتماعي صامت يبحث عن الشرف عبر شفرة الختان أو قطعة قماش يوم الزواج.

شهادات من الألم: "سُلبت طفولتي بختان الثامنة

دعاء، (35 عامًا) من محافظة أسيوط – مصر، لم تستطع بعد أكثر من 25 عامًا نسيان لحظة تعرضها للختان، حيث تروي:

""خُتِنت في سن الثامنة، كانت أسوأ لحظة في حياتي. لم أكن أعرف ما سيحدث. شعرت برعب وألم، ولم أتجاوز آثارها حتى اليوم. بعد الزواج عانيت صحيًا ونفسيًا، حتى عرفت أن ما حدث لي كان جريمة، لا واجبًا شرعيًا." ما تعرضت له دعاء وآثاره المريرة جعلها اليوم من أبرز الأصوات النسائية الرافضة لختان الإناث، على أمل إيقاف عابري الشفرة الذين يقتطعون براءة الطفلات ويحرمهن من حياة طبيعية."

رأي الطب: ممارسة تعذيبية بلا فائدة

د. سوزان محمود

طبيبة نسائية، دهوك

"أرى ضحايا الختان يوميًا: اضطرابات زوجية، اكتئاب، قلق مزمن… كل ذلك بسبب شفرة غُرِزت في جسد طفلة دون وعيها."

د. أحمد العسال

أخصائي نساء وولادة، القاهرة

"لا فائدة طبية للختان إطلاقًا. إنه مخالف للمهنة وأخلاقياتها. مجرد تعذيب للأطفال."

منظمة الصحة العالمية

بيان رسمي

"تصنف ختان الإناث على أنه انتهاك لحقوق الطفلة وممارسة تعذيبية لا أساس لها طبيًا."

لماذا يستمر الختان؟

يضع مختصون ثلاث نقاط رئيسية تساهم في أسباب استمرار الختان حتى اليوم، رغم تطورات الحياة والقوانين التي تجرّمه:

في القرى، يُنظر للختان كـ"ضمان للشرف وضبط السلوك الجنسي".

تحقيق أرباح مادية من "الختان الطبي"، رغم أنه غير قانوني.

ضعف التبليغ، والخوف من الفضيحة، وغياب آليات رقابة فعالة.

أرقام صادمة عالميًا

230+
مليون فتاة وامرأة ضحية

لا تزال ظاهرة ختان الإناث تُشكّل أزمة إنسانية وصحية وحقوقية تمتد عبر أجيال، إذ تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن أكثر من 230 مليون فتاة وامرأة على قيد الحياة اليوم قد خضعن لهذه الممارسة في 31 دولة، تتركّز أغلبها في إفريقيا والشرق الأوسط. والمثير للقلق أن نصف هؤلاء الضحايا تقريبًا يوجدن في ثلاث دول فقط

تركيز الأزمة

مصر إثيوبيا نيجيريا

نصف ضحايا العالم تقريبًا يوجدن في هذه الدول الثلاث.

انتشار أوسع

العراق إندونيسيا ماليزيا اليمن الهند (بعض الطوائف)

تُنفّذ هذه الممارسة غالبًا في سن الطفولة، بين الولادة و15 عامًا، وفي بعض الحالات حتى قبل سن الخامسة. وعلى الرغم من انخفاض نسبي في معدلات الانتشار في بعض الدول، فإنها لا تزال قائمة على نحو محدود أو مجتمعي في العراق (لا سيما إقليم كردستان وجنوبه)، وإندونيسيا، وماليزيا، واليمن، وكذلك في الهند بين بعض طوائف البُهرة.

ختان الإناث ليس تقليدًا بريئًا، بل ممارسة قمعية تسرق من الفتيات براءتهن وتخلّف آثارًا تمتد طوال حياتهن. وتبقى المعركة الحقيقية لإنهاء هذه الممارسة معركة وعي مجتمعي، وإرادة راسخة لا تساوم على كرامة الطفولة ولا تتغاضى عن حقوقها.