في هذا التحقيق نكشف من خلاله عن نمط ممنهج من إدارة المشاريع الخدمية في الديوانية، يقوم على التوسع في "أوامر الغيار والإضافات" كأداة قانونية يتم توظيفها لتضخيم كُلف المشاريع، وذلك بعيداً عن المنافسة الحقيقية والرقابة الفعالة.
ويُظهر التحقيق أيضاً كيف تحولت هذه الآلية من استثناء فني محدود إلى مدخل رئيسي لإعادة توزيع العقود بين شركات محددة، بعضها مرتبط بجهات سياسية نافذة، ما أدى إلى تضاعف كُلفة مشروع مجاري الديوانية لأكثر من خمسة أضعاف دون إنجاز فعلي. ما يفتح الباب أمام هدر واسع للمال العام على حساب الخدمات الأساسية للمواطنين.
في الديوانية، حيث تتعثر مشاريع البنى التحتية منذ أكثر من عقد، تتجسد مأساة يومية يدفع ثمنها المواطنون، ومنهم الطفل عباس، من ذوي الاحتياجات الخاصة، يقضي أيامه على كرسي متحرك تعثر وسقط أكثر من مرة حين كان والده يحاول إدخاله إلى المنزل عبر شارعهم المحفور في حي الصدر الثاني بمركز المحافظة.
قصة عباس ليست حالة فردية، بل مرآة لمعاناة أكثر من تسعة آلاف مواطن يسكنون مركز محافظة الديوانية، نتيجة تلكؤ وفشل مشروع المجاري الكبير الذي يُعد أضخم مشروع في تاريخ المحافظة.
مشروع مجاري الديوانية الكبير أُحيل عام 2011 إلى شركة الرافدين للمبازل والسدود الحكومية بكلفة بلغت 218 مليار دينار عراقي بصيغة "تسليم مفتاح"، لكنه لم يُنجز حتى اليوم. ومنذ ذلك الحين، تنقلت مسؤولية التنفيذ بين شركات عدة عبر (أوامر غيار وإضافات) رفعت الكُلفة إلى ما يقارب ترليون دينار، دون أن يكتمل. آخرها ما يُعرف بـ"الشركة الإسبانية" التي تسلمت أعمال إعادة تأهيل 42 حياً سكنياً في مركز المحافظة، فيما ظل الطريق أمام منزل عباس غير مكتمل منذ عامين.
"البنى التحتية معدومة... لماذا يا سيادة المحافظ لا تُصلحون لنا الطريق؟"
— الطفل عباسفي السنوات الأخيرة أصبح اسم الديوانية الأكثر تداولاً بين المحافظات على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب نقص الخدمات وتلكؤ العديد من المشاريع الخدمية وبعد فشل شركة الرافدين شهد المشروع تلكؤاً كبيراً وتوقفات عدة أثرت على تقديم الخدمات لعموم مناطق الديوانية مما اضطر الحكومة بإدخال شركة نور الأفق كشريك أساسي للمشروع بـ(أوامر غيار وإضافات) وبلغت قيمتها 361 مليار دينار عراقي.
لتعود حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بإضافة أوامر غيار بقيمة 332 مليار دينار عراقي إلى الشركة الإسبانية لتأهيل 42 حياً من الأحياء السكنية في مركز الديوانية التي أثيرت حولها الكثير من الشكوك.
جدول تطور كلفة مشروع مجاري الديوانية عبر السنوات والشركات
| المرحلة / الشركة | الكلفة (مليار دينار) | المبلغ المضاف | الملاحظات |
|---|---|---|---|
| الكلفة الأصلية (2011) – شركة الرافدين | 218 مليار | — | عقد "تسليم مفتاح" لم يُنجز |
| أوامر غيار – شركة نور الأفق | 579 مليار | + 361 | أُدخلت كشريك أساسي بعد فشل الرافدين |
| عقد تأهيل 42 حياً – الشركة الإسبانية | 907 مليار | + 328 | عقد أساسي لإعادة تأهيل 42 حياً سكنياً |
| أوامر غيار إضافية – 12 حياً للشركة الإسبانية | 1,037 مليار | + 130 | بعد تجزئة المشروع |
| أوامر غيار إضافية – 30 حياً لشركات أخرى | + 1 تريليون | + 98 | بعد التجزئة |
المشروع الذي بدأ بكلفة 218 مليار دينار تضخم إلى أكثر من ترليون دينار، أي بزيادة تفوق خمسة أضعاف الكلفة الأصلية، دون أن يكتمل حتى اليوم. هذا الرقم يعكس حجم الهدر المالي والفساد الإداري الذي رافق المشروع عبر تنقلاته بين الشركات وأوامر الغيار المتكررة بحسب مصادر صرحت أثناء إجراء التحقيق.
الشركة الإسبانية... تثير الجدل واتهامات بالفساد بعد إحالة المشاريع إليها
رئيس اللجنة المالية في مجلس محافظة الديوانية، خضير المياحي، يكشف في حديث خاص لتحقيقنا، عن تفاصيل مثيرة تتعلق بمشروع تأهيل 42 حياً سكنياً في المحافظة، والذي بلغت قيمته 328 مليار دينار عراقي. المياحي أوضح أن الشركة الإسبانية المنفذة للمشروع قدمت أعمالاً "رديئة وبطيئة، وغير مطابقة للمواصفات الفنية كما يقول"، ما أثارت موجة احتجاجات شعبية واسعة، إضافة إلى رفض جماعي من قبل المسؤولين المحليين في الديوانية، بمن فيهم أعضاء مجلس النواب والمحافظ.
تجزئة الإحالة... وأوامر غيار مثيرة للجدل
بعد الضغط الشعبي والتظاهرات التي عمت المحافظة قامت رئاسة الوزراء ووزارة البلديات والإسكان والإعمار في العام 2025 إلى تجزئة المشروع إلى قسمين: الأول 12 حياً سكنياً أُحيلت إلى الشركة الإسبانية نفسها، وهي الأحياء التي باشرت فيها العمل لكنها تركتها "مدمرة ومحفّرة" والـ30 حياً المتبقية أُحيلت إلى نحو 15 شركة أخرى.
"الشركة الإسبانية حصلت على أوامر غيار بقيمة 130 مليار دينار الخاصة بـ12 حياً فقط، رغم أن مختصين أكدوا أن الكلفة الحقيقية لا تتجاوز 50 ملياراً، ما يعني أرباحاً إضافية للشركة تصل إلى 80 مليار دينار. في المقابل، تمت إضافة غيار بقيمة 98 مليار دينار فقط للأحياء الثلاثين الأخرى، وهو ما اعتبره مفارقة تكشف عن علاقات خاصة تربط الشركة الإسبانية بجهات نافذة في بغداد"
— خضير المياحي، رئيس اللجنة الماليةرئيس اللجنة المالية أشار إلى أن "الشركات التي تحظى بعلاقات مع بغداد تحصل على المقاولات الكبرى، بينما الشركات الأخرى تُمنح مبالغ أقل بكثير، وأن بعض الأعمال سُحبت من شركة نور الأفق وأُعطيت للشركة الإسبانية، بما يشمل سبعة أحياء غير موجودة أصلاً ضمن المشروع الأصلي".
يرى المياحي أن "هذه المشاريع تعكس فساداً مالياً واضحاً، وأن المبالغ المخصصة مبالغٌ فيها بشكل كبير. لكنه أكد أن مجلس المحافظة والمحافظ لا يملكون أي صلاحية لمحاسبة الشركات أو إيقاف العمل، إذ إن القرار بيد الحكومة في بغداد وحدها. واعتبر أن ما يجري هو "سيطرة اقتصاديات الأحزاب على المشاريع"، حيث تُحال إلى شركات غير كفؤة لمجرد ارتباطها بجهات سياسية نافذة.
أسعار مبالغ فيها... من يتحمل المسؤولية؟
من الأمثلة التي أوردها المياحي، أن سعر "منهول" (غطاء صرف صحي) لا يتجاوز 500 ألف دينار في السوق، لكنه أُدرج في التندر بسعر 2 مليون دينار. هذه الفوارق الكبيرة، بحسبه، تؤكد أن بغداد هي المسؤولة عن الأسعار المبالغ فيها، بينما يبقى المواطن في الديوانية هو المتضرر المباشر.
غياب الرد المباشر من وزارة الإعمار والإسكان على هذه الاتهامات
رغم تواصل فريق التحقيق مع وزير الإعمار والإسكان والبلديات، بنكين ريكاني، عبر البريد الخاص بخصوص أوامر الغيار والإضافات في مشاريع الديوانية، لم يصل أي رد رسمي. إلا أن الوزير نشر لاحقاً عدة وثائق عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، تضمنت تفاصيل عن مشاريع في عدد من المحافظات العراقية، بينها الديوانية، مرتبطة بموضوع التحقيق.
محافظ الديوانية: الشركة الإسبانية... مشكلة كبيرة
وعن دور الحكومة المحلية في متابعة المشاريع كشف محافظ الديوانية، عباس الزاملي، في تصريح خاص خلال إجراء التحقيق حول أزمة "مشروع المجاري الكبير"، عن تفاصيل تلكؤ المشاريع ومنها مشروع مجاري الديوانية عند تسلمه المنصب مطلع عام 2024. حيث قال إنه "لم تتجاوز نسبة الإنجاز الإجمالية 15%، مع توقف تام للعمل في عدة مواقع حيوية وأن الشركة الإسبانية كانت متوقفة تماماً عن التنفيذ، مما استدعى تدخلاً إدارياً عاجلاً، ولإنقاذ الموقف، قررت المحافظة فصل أعمال 25 محطة رفع عن الشركة الإسبانية، وإحالة 21 محطة إلى شركة الاحتفال وإعادة 4 محطات إلى شركة نور الأفق. أقرّ المحافظ بأن هذه التداخلات الإدارية والفنية أدت إلى تعطيل عمل الشركات المحلية وزيادة حدة الأزمة الخدمية في المحافظة.
من الاحتكار إلى التفتيت
واجه تعثر الشركة الإسبانية في تنفيذ مشاريع 42 حياً ضغطاً شعبياً دفع المحافظة لتقديم مقترح إلى رئيس الوزراء وبدوره وافق عليه، يقضي بتقليص حصة الشركة الإسبانية إلى 12 حياً فقط. حيث تم سحب 30 حياً من الشركة الإسبانية وإحالتها إلى شركات محلية، لمنع احتكار الشركة الإسبانية للمشروع بالكامل وتم تقسيم الأعمال إلى 15 مشروعاً. وإشراك 20 شركة محلية في التنفيذ. واستحصل المحافظ تمويلاً عاجلاً بقيمة 20 مليار دينار (كدفعة أولى من أصل مخصصات تبلغ 168 ملياراً).
المحافظ: "أوامر الغيار" ضرورة وليست هدراً للمال العام
أكد الزاملي أن "تضخم كلفة المشروع من 218 ملياراً إلى أكثر من 600 مليار دينار لا يعود لشبهات فساد، بل لأسباب فنية ولوجستية تمثلت في أخطاء جوهرية قصور في الكشوفات الفنية الأصلية لشبكات المياه، الأمطار، والاتصالات إضافة إلى الاندثار وتضرر المنشآت السابقة نتيجة التوقف الطويل عن العمل، لذلك شمل إدراج أوامر غيار ضرورية لمعالجة جداول الكميات الخاطئة وضمان تشغيل البنى التحتية المتعطلة. وأن الزيادة المالية المليارية هي حاجة فعلية لتدارك أخطاء التخطيط الأولي، وليست هدراً عشوائياً للمال العام".
أطراف سياسية تحاول الابتزاز... لا وجود لملفات فساد
وفي سياق الرد على المشككين، صنّف المحافظ مصادر الانتقاد إلى فئتين: جهات ضاغطة تسعى للدخول كطرف في عقود المشاريع عبر ممارسة الابتزاز السياسي، وأخرى وصفها بالأطراف المنتخبة تروج لوجود فساد وغياب للشفافية تحت غطاء الدفاع عن حقوق المواطنين. واختتم المحافظ دفاعه بالتأكيد على غياب الأدلة الملموسة، مشيراً إلى أن "ملفات الفساد" المزعومة تتبخر عند المطالبة بتقديم وثائق حقيقية للقضاء والنزاهة، ما يجعلها مجرد ضجيج إعلامي يفتقر للواقعية.
المحافظ: هنالك شركات حزبية... ولكن؟
في رده على شبهات محاصصة المشاريع لجهات سياسية وحزبية أقرّ المحافظ بوجود شركات عاملة تتبع مكونات سياسية أسماها بالكردية والسنية والشيعية، معتبراً أن تبعية الشركات ليست خللاً بحد ذاتها، بل العبرة في الأداء الميداني، نافياً هيمنة الأحزاب على كامل المشاريع، مؤكداً أن 90% من الشركات التي نالت نحو 300 مشروع هي شركات مستقلة وغير مرتبطة بجهات سياسية. ووصف مسار العمل الإجمالي بـ"الصحيح"، رغم إقراره بوجود مشاكل وصفها بـ"الجسمية" في بعض المفاصل. وكشف المحافظ عن إجراءات عقابية وتحرك فعلي لرفع توصية إلى رئيس الوزراء لسحب العمل من شركتي (نور الأفق) و(مباني العاصمة - الإسبانية سابقاً)، وذلك بعد تشخيص عجزها عن التنفيذ وفق المواصفات المطلوبة.
تضارب في الرؤى الحكومية: "الفني" يفجر مفاجأة حول "أوامر الغيار"
في كشفٍ صريح يضع علامات استفهام حول كفاءة الإدارة الهندسية، فنّد معاون محافظ الديوانية للشؤون الفنية، المهندس الاستشاري حيدر فرحان، الرواية الرسمية حول مسببات "أوامر الغيار" في المشاريع الحيوية، موجهاً أصابع الاتهام مباشرة إلى آلية إعداد الكشوفات الفنية.
التخطيط "المكتبي" وتغييب الميدان
وشخّص فرحان خللاً بنيوياً في عمل اللجان الهندسية، مبيناً أن "إعداد الكشوفات يتم من خلف المكاتب وبالاعتماد الكلي على الخرائط النظرية دون إجراء كشوفات ميدانية حقيقية. واستشهد بنموذج صارخ لمشاريع الطرق، قائلاً إنه "قد يُدرج مشروع طريق بطول 500 متر في الكشوفات الرسمية، ليتفاجأ الجميع عند التنفيذ بوجود زيادة تصل إلى 250 متراً إضافية، فضلاً عن تباين نسب الحفر والمواد المطلوبة عن الواقع".
ثغرة الـ 7%.. "شرعنة" الخطأ؟
وأوضح المعاون الفني أن "الشركات المنفذة تصطدم بواقع مغاير تماماً لما ورد في الكشوفات للمشاريع، لكنها تستغل ثغرة قانونية تتيح إضافة أوامر غيار بنسبة 7% ابتداءً لكل مشروع. هذا الوضع يضع الدولة أمام أمر واقع يُجبرها على الموافقة لتجنب توقف العمل، مما يفتح الباب أمام استنزاف الميزانيات نتيجة أخطاء تقديرية كان يمكن تلافيها.
غياب المحاسبة
وتساءل فرحان عن عدم محاسبة المهندس المسؤول عن إعداد الكشوفات الخاطئة من المساءلة القانونية أو الفنية، رغم أن أخطاءه تُكبد خزينة الدولة مبالغ طائلة وتعرقل الجدول الزمني لإنجاز المشاريع.
وعود رئيس الوزراء... أرقام متباينة
من جانب آخر، أعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في وقت سابق خلال زيارته إلى محافظة الديوانية أثناء حملته الانتخابية في العام 2025 أنه خصص للمحافظة 5 تريليونات و942 مليار دينار لمشاريع متعددة في قطاعات خدمية مختلفة. لكن الحكومة المحلية في الديوانية أكدت أن المبالغ المخصصة للمشاريع الخدمية لم تتجاوز 2 ترليون دينار، ما يثير تساؤلات حول كيف تُدار هذه التخصيصات دون تقدم واضح في الخدمات.
فيما كشفت هيئة النزاهة في تقريرها السنوي لعام 2025 عن تحصين 837 مليار دينار و550 مليون دولار من الهدر، وشملت الملاحقات التحقيقية 39 وزيراً ومن بدرجتهم، و394 من أصحاب الدرجات الخاصة، مع تنفيذ 1555 عملية ضبط أطاحت بـ671 متلبساً. ووضعت الهيئة يدها على 116 مشروعاً معطلاً في 10 محافظات، وبلغت كلفة هذه المشاريع الضائعة 946 مليار دينار و721 مليون دولار، مما دفع لتحويل هذا الإخفاق التنموي إلى مسار جنائي بفتح 32 قضية جزائية.
أين ذهبت تريليونَي دينار خُصصت للمشاريع الخدمية في الديوانية؟
أثار ملف المشاريع الخدمية في محافظة الديوانية تساؤلات واسعة حول مصير الأموال المخصصة لها، والتي تجاوزت 2 تريليون دينار عراقي خلال الفترة بين 2023 – 2025.
غياب الشفافية في الوثائق
مدير تخطيط مشاريع المحافظة، الدكتور حسين حمادي، رفض تزويد فريق التحقيق بأي وثائق رسمية تخص المشاريع التي تشرف عليها الحكومة المحلية، رغم مطالبتنا بذلك عدة مرات. لكنه أكد أن "المبالغ المخصصة وُزعت على مشاريع وزارية، مثل مشاريع البنى التحتية التابعة لوزارة الإعمار والإسكان، إضافة إلى مشاريع المحافظة عبر صناديق التنمية الخاصة وصندوق إعمار المحافظات الأكثر فقراً. هذه المشاريع شملت قطاعات حيوية مثل الماء، الصحة، الكهرباء، البلديات والمجاري، إلى جانب مشاريع المنافع الاجتماعية".
مطالبة المواطنين بالصبر لعامين!
وطالب حمادي المواطنين التحلي بالصبر قائلاً إن "محافظة الديوانية تمر بأفضل حالاتها من حيث المشاريع التنموية وأن تنفيذ هذه المشاريع يحتاج إلى وقت وصبر من أبناء المحافظة"، إذ إنها مشاريع استراتيجية طويلة الأمد تتطلب فترة سنة أو سنتين. وأن مشروع تأهيل 42 حياً، الذي تبلغ قيمته أكثر من 320 مليار دينار، يُعد من أهم المشاريع الوزارية الجاري تنفيذها.
440 مليار دينار أين ذهبت؟
أما بخصوص المشاريع، فقد أوضح حمادي أن "المحافظة شُملت في عام 2023 بمبلغ 440 مليار دينار، موزعة على أكثر من 180 مشروعاً تمت المصادقة عليها من قبل مجلس الوزراء المدرجة في جدول (هـ). هذه المشاريع تضمنت تخصيصاً سنوياً بقيمة 220 مليار دينار، وشملت قطاعات الماء والكهرباء، والبنية التحتية والصحة والتربية"، مضيفاً "حصلت المحافظة على تمويل من صندوق إعمار المحافظات الأشد فقراً بلغ 150 مليار دينار في 2023، و120 مليار دينار في 2024، مع توقعات برصد 150 مليار دينار إضافية في 2025".
مليشيا مسلحة تستحوذ على أعمال الشركات في الديوانية؟
في تطور خطير داخل ملف مشاريع محافظة الديوانية، فجّر أحد أعضاء مجلس المحافظة مفاجأة خلال مؤتمر صحافي عُقد في بداية العام الماضي في مبنى المجلس بحضور المحافظ وجميع أعضاء المجلس ونواب المحافظة، إضافة إلى وسائل الإعلام. المؤتمر جاء على خلفية تلكؤ الشركة الإسبانية المنفذة لمشروع تأهيل 42 حياً سكنياً في مركز المحافظة، والذي تبلغ قيمته 328 مليار دينار عراقي.
سؤال مباشر... وإجابة صادمة
بعد انتهاء اجتماع الحكومة المحلية بشقيها التنفيذي والتشريعي، تناول فشل وتلكؤ الشركة الإسبانية بتنفيذ أعمال المشاريع وأشار إلى جهات سياسية لكن دون تسميتها، لكن طرحنا سؤالاً مباشراً على الحاضرين في المؤتمر حول الجهة التي تقف خلف الشركة الإسبانية المتلكئة في العمل. عندها اعتلى عضو مجلس المحافظة، طارق البرقعاوي، المنصة وهو في حالة انفعال شديد، وأعلن أمام الجميع "أنا أفصح عن الجهة التي تقف خلفها، حتى لو كلّفني ذلك حياتي... إنها مليشيا أنصار الله الأوفياء التابعة إلى حيدر الغراوي، وهو المسؤول عن دمار المدينة ويتحمل ذلك."
"أنا أفصح عن الجهة التي تقف خلفها، حتى لو كلّفني ذلك حياتي"
— طارق البرقعاوي، عضو مجلس محافظة الديوانيةهذا التصريح العلني أثار جدلاً واسعاً، إذ أشار إلى وجود نفوذ لجماعة مسلحة في ملف المشاريع الخدمية، وربطها مباشرة بالشركة الإسبانية التي فشلت في تنفيذ المشروع. الاتهام يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول طبيعة العقود الحكومية للمشاريع، والجهات التي تقف خلفها، ومدى تأثير الجماعات المسلحة على الاقتصاد المحلي ومصير المشاريع التنموية في المحافظة.
كم تخسر الدولة في إحالة المشاريع عبر الدعوات المباشرة للشركات؟
في تصريح خاص لتحقيقنا، كشف عضو مجلس النواب العراقي عن محافظة الديوانية باسم الغرابي عن ثغرات خطيرة في آلية إحالة المشاريع، مؤكداً أن استثناء بعض العقود من تعليمات العقود الحكومية فتح الباب أمام ما يُعرف بـ"الدعوات المباشرة" للشركات، وهو ما تسبب بخسائر مالية كبيرة للدولة.
آلية الدعوات المباشرة
الغرابي أوضح أن "الدعوات المباشرة تُستخدم عادة للمشاريع التي لا تتجاوز قيمتها 6 مليارات دينار، لكن في حالات كثيرة يتم تجاوز هذا السقف لتصبح عقوداً مباشرة تُوجه إلى ثلاث شركات فقط. وأشار إلى مثال مشروع في محافظة الديوانية بقيمة 30 مليار دينار، حيث خفض المقاول قيمة العطاء بمقدار 50 مليون دينار فقط. لو كانت المناقصة تنافسية بين عدة شركات لكان من الممكن أن تصل نسبة التخفيض إلى 20% من قيمة المشروع، أي نحو 6 مليارات دينار، وهو ما يعني أن الدولة خسرت هذا المبلغ في مشروع واحد فقط".
غياب المنافسة... ونسب مالية للأحزاب
عضو مجلس النواب العراقي أضاف أن "المنافسة على العطاءات معدومة اليوم"، وأن المحافظة خاطبت الجهات المعنية أكثر من مرة بضرورة اعتماد الشفافية والإعلان عن الفرص عبر المواقع الإلكترونية لضمان التنافس وتوفير مبالغ كبيرة لخزينة الدولة. لكن ما يجري حالياً هو توجيه دعوات مباشرة إلى شركات محددة ومعروفة، يتم أخذ نسب مالية منها عمولات، مؤكداً "لا توجد شركة تدخل دون أن تُؤخذ منها عمولة، هذا أصبح واقع حال اليوم ويطبق على أغلب المشاريع في المحافظات."
هدر المال العام
النائب شدد على أن "هذه الممارسات تمثل هدراً كبيراً للمال العام"، داعياً إلى العودة لتطبيق قانون المناقصات. وردًا على من يقول إن الإجراءات القانونية تعطل سير المشاريع، أوضح أن "الدعوات المباشرة لا توفر وقتاً كبيراً، إذ إن إرسال أوليات المشروع إلى وزارة التخطيط يستغرق شهرين، بينما الإجراءات الطبيعية تستغرق ثلاثة أشهر فقط، أي فارق شهر واحد". لكنه أشار إلى أن هذا الفارق الزمني البسيط يقابله خسارة تصل إلى 20% من قيمة المشاريع، أي مليارات الدنانير سنوياً في جميع المحافظات.
الإطار القانوني لأوامر الغيار
بموجب قرار لجنة الشؤون الاقتصادية في مجلس الوزراء (س.ل/535) الصادر في آب 2012، والذي عممته وزارة التخطيط بكتابها المرقم (19613) بذات العام تُحكم أوامر الغيار بمسارات سعرية محددة حيث تُنفذ الزيادات في الفقرات المتشابهة حتى نسبة 20% بالأسعار التعاقدية القديمة، بينما يُلزم القانون إخضاع ما زاد عن ذلك، والفقرات المستحدثة كلياً، لـ"تحليل سعري جديد"، مع ضمان استرداد مبالغ الفقرات الملغاة كوفورات مالية لخزينة الدولة.
مبررات التنفيذ وسقف التفويض
يُحصر اللجوء لأوامر الغيار في حالات الضرورة الفنية كالعوارض الجيوفيزيائية (الذرعات المخفية) أو لغرض تحسين الكفاءة وخفض الكلف، وضمن محددات قانونية تمنع تجاوز الصلاحيات، إذ يمتلك صاحب العمل سلطة المصادقة لغاية 10% من مبلغ الاحتياطي، بينما تُناط الصلاحية بالوزير المختص حصراً لما زاد عن ذلك وصولاً إلى 20%، لضمان الرقابة العليا على الفوارق المالية.
أوامر الغيار والتلاعب بالكشوفات... كيف تُدار المشاريع في الديوانية؟
عملية إحالة المشاريع تتطلب إعداد كشوفات تخمينية تضع الكلف المالية للمشاريع قبل الإحالة لكن المهندس الاستشاري ورجل الأعمال العراقي كامل لهمود له رأي آخر حيث يوضح آلية أوامر الغيار في المشاريع وفق العقود الحكومية حيث يقول إنه "بموجب العقد وفق الشروط الهندسية العامة تسمح بزيادة أو تقليل قيمة المشروع بنسبة لا تتجاوز 20% من السعر الأصلي، شريطة توفر التخصيص المالي من وزارتي التخطيط والمالية. وضرب مثالاً: إذا كان العقد لإنشاء طريق بطول 10 كم بقيمة 10 ملايين دولار، يمكن زيادته إلى 12 كم بنفس السعر، لكن بشرط ألا تتجاوز قيمة العقد الأصلية".
كيف يتم التلاعب بالكشف التخميني لإبعاد رجال الأعمال عن التقديم للمشاريع؟
ولمعرفة أساليب التلاعب التي تحصل في المشاريع بيّن لهمود أن "أساليب التلاعب التي تُمارس في بعض المشاريع، حيث يقوم المهندس المقيم أو معد الكشف التخميني برفع أسعار بعض الفقرات بشكل غير منطقي. على سبيل المثال، مادة قيمتها في السوق 2 مليون دينار تُدرج في الكشف التخميني بسعر 5 مليون دينار، ما يجعل المقاول يرى المشروع خاسراً ويمتنع عن التقديم. في هذه الحالة، يكون المهندس متفقاً مع طرف ثالث، ليضمن أن المشروع يُحال إلى جهة محددة. ومثال على ذلك مشروع مجاري في قضاء الحمزة الشرقي جنوبي الديوانية بقيمة 1.5 مليار دينار، حيث أُدرجت كميات وأسعار تجعل المشروع خاسراً، ولم يقدم على المشروع أي رجل أعمال أو مقاول ليُحال لاحقاً إلى الجهة المتفق معها".
مشاريع استثمارية لجهات سياسية... انسحب أو اخسر؟
تحدث المهندس الاستشاري ورجل الأعمال العراقي كامل لهمود عن تجربته الشخصية في التقديم على مشروع مجمع سكني في حي الجامعة بمساحة 30 دونم عام 2022، بعد إعلانه كفرصة استثمارية لإنشاء مجمع سكني على القطعة المرقمة 1/2327 مقاطعة 2 البو صالح. حيث طُلب منه الانسحاب بحجة أن المشروع "محجوز" لجهة معينة. ورغم إصراره على الاستمرار، فوجئ لاحقاً بتغيير مساحة المشروع من 30 دونم إلى 21 دونم بعد إعادة الإعلان الثاني، دون توضيح السبب الحقيقي.
تقليص المساحة المستقطعة للبلدية
لهمود أوضح أن "الإعلان الأول نص على استقطاع 10% من مساحة المشروع لصالح البلدية، أي ما يعادل دونمين، بينما في الإعلان الثاني تقلصت النسبة إلى 1% فقط. هذا التغيير المفاجئ أثار استغرابه، إذ قال: كيف يحدث ذلك دون أي مبرر واضح؟
ورغم أنه كان المتقدم الوحيد المستوفي للشروط، تم استبعاده لاحقاً بحجة أن المشروع مخصص لجهة سياسية نافذة، وهو ما اعتبره دليلاً على أن بعض المشاريع الاستثمارية في المحافظة تُدار وفق مصالح سياسية محددة، بعيداً عن مبادئ المنافسة والشفافية.
التوجه للقضاء... لكن بعد التأثيرات أُغلقت الدعوى
بعد استبعاده، قرر لهمود اللجوء إلى القضاء، حيث قدم شكوى لدى قاضي النزاهة الذي أمر بفتح تحقيق إداري من ديوان الرقابة المالية. التحقيق جاء لصالحه، لكن بعد تدخلات وضغوط من جهات مرتبطة بالمشروع، تم إغلاق الدعوى في الديوانية وحتى في بغداد، وبسبب الضغوطات قدم ثلاثة من أعضاء اللجان طلب إعفائهم.
أسعار وهمية... 350 دولار للمتر والواقع مختلف؟
لهمود أشار إلى أن الشخص الذي حصل على المشروع قدم عطاءً بقيمة 350 دولار للمتر المربع، بينما هو قدم 600 دولار، ما جعله يبدو أقل كلفة. لكن الواقع أن المتر المربع يُباع اليوم بعد حصول الجهة التي حُجز المشروع لصالحها بقيمة 950 دولار، دون أي متابعة أو رقابة من هيئة الاستثمار. هذا التلاعب، بحسبه، يكشف عن خلل كبير في آلية الإحالة، حيث تُدار المشاريع على الورق بشكل مختلف تماماً عن الواقع.
هل الشركات غير رصينة؟
في خضم الحديث عن المشاريع المتلكئة في محافظة الديوانية، يروي والد الطفل عباس معاناته اليومية، متسائلاً عن جدوى إنفاق مليارات الدنانير على مشاريع لم تحقق أي أثر ملموس. يقول "مناطق الصدور الأربعة وحي السلام، دخلتها شركات عدة لكن دون جدوى، تستلم العمل ثم تنسحب بعد أيام قليلة بحجة أن المقاول لم يعجبه المشروع. أين العقود؟ أين المحاسبة؟ هذه شركات غير رصينة، تأتي وتغادر بلا مساءلة."
دموع تختلط بفساد المشاريع
"أنا أب لطفل مشلول، أعاني كثيراً في إخراجه أو نقله إلى الطبيب، وأحياناً أستعين بالجيران. في إحدى المرات سقط مني على الأرض، كان مشهداً مؤلماً جداً لي وبكيت يومها بشدة"
— والد الطفل عباسهذه المعاناة الشخصية تكشف الوجه الإنساني لفشل المشاريع الخدمية في الديوانية، حيث غياب البنى التحتية يزيد من معاناة الفئات الأضعف في المجتمع.
مليارات مهدورة ومعاناة يومية
من خلال تتبع خيوط هذا التحقيق، يتضح أن مشاريع الديوانية ليست مجرد أرقام في الموازنات أو عقود على الورق، بل هي ملفات تحوم حولها ملفات فساد ممنهج كما ذكرت مصادر التحقيق، وشركات وصفت بغير الرصينة، وأسلوب توجيه الدعوات المباشرة لشركات خاصة بلا منافسة، والموافقة على "أوامر غيار" بمبالغ كبيرة، وتدخلات سياسية تحكم مسار الإحالات بحسب المصادر.
الأموال التي أعلنت الحكومات عن تخصيصها والتي تجاوزت تريليونات الدنانير، لم تجد الكثير منها طريقها إلى المواطن البسيط، بل ضاعت بين عقود مشبوهة وعمولات حزبية. فيما يبقى الكثير من المواطنين مثل الطفل عباس، يواجهون معاناة يومية في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات البنية التحتية، شاهداً حياً على تفشي الفساد في مشاريع الديوانية التي اختلطت بالدموع التي سقطت على الأرصفة المتهالكة.
وإذا لم تُفتح ملفات هذه المشاريع بشفافية ومتابعة دقيقة من قبل الجهات الرقابية ويُحاسب المتورطون، فإن مشاريع الديوانية ستظل نموذجاً صارخاً لهدر المال العام، ومرآة تعكس كيف تتحول التنمية إلى معاناة، وكيف تُترجم وعود الإصلاح إلى واقع من الخراب وهدر للمال العام.