مأساة الكفاءة: من هندسة الجسور إلى سحب العربات
إنها مفارقة مؤلمة تختصر أزمة بلد بأكمله: أحمد، الذي كان متفوقاً في البكالوريوس، وقُبل في دراسة الدكتوراه، لم يجد لنفسه مكاناً إلا خلف عربة في السوق. يداه، التي كانت تكتب أبحاثاً عن تطوير البنى التحتية، تسحب اليوم أكياساً ثقيلة من البضائع. يقول أحمد، الذي اضطر لترك دراسة الدكتوراه والتفرغ لعلاج والدته المريضة بعد وفاة والده، إن رحلة بحثه عن التعيين استمرت عشر سنوات دون جدوى. والردود الرسمية كانت واضحة ومكررة: "لا توجد درجات وظيفية".
بخطوات ثقيلة وحسرة لا تخفى، يضيف أحمد: "بعد كل هذا اليأس، أدركت أن الشهادة الحقيقية أصبحت عائقاً. لقد شاهدتُ بعيني زميلاً لي، كان كسلاناً في الدراسة حتى أيام الثانوية، سافر وعاد حاملاً شهادة مزورة؛ هو الآن يتولى منصباً حساساً في إحدى الوزارات". يرى أحمد أن قصته ليست حالة فردية، بل هي قاعدة تشمل آلاف الكفاءات: "سوق الشورجة مليء اليوم بالشهادات العليا والعباقرة والمفكرين، لأن الفرصة الحقيقية أصبحت حكراً على صاحب الحزب والفاسد".
إن مأساة أحمد، الذي تحوّل من مهندس ماجستير إلى حمّال، ليست مجرد قصة خسارة شخصية، بل هي النتيجة المباشرة لانتشار الشهادات المزورة، التي لم تسرق فقط الوظائف، بل سرقت أيضاً مستقبل الكفاءات وضمنت تولي الفاشلين للمناصب الحساسة.
الجذور التشريعية: قانون تعادل الشهادات وإشكالية الرصانة
انتشرت ملامح هذه الظاهرة — التي يمكن وصفها اليوم بأنها "ظاهرة فساد أكاديمي" — بالظهور بعد أزمة كورونا، حين اعترفت الدولة العراقية بنظام الدراسة "أونلاين" خلال فترة الإغلاق الصحي. ومن هنا بدأت عملية طمس الهوية العلمية وتشويه قيمة التعليم، إذ فُتحت الأبواب أمام تمرير آلاف الطلبة الفاشلين في المدارس الثانوية والجامعات والدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)، ومنحهم شهادات عليا غير حقيقية، بعضها تم الحصول عليه من خارج العراق بأسعار بخسة.
قانون أسس تعادل الشهادات (20) لسنة 2020 شكل هذا القانون إطاراً لتعادل الشهادات الأجنبية والعربية، لكن أبرز ما أثاره من جدل هو البند الذي أجاز معادلة واحتساب الشهادات للأغراض الوظيفية للموظفين الحاصلين عليها دون إجازة دراسية رسمية أو موافقة مسبقة من دوائرهم (قيد ما قبل نفاذ القانون)، مما وفّر غطاءً قانونياً للعديد من الشهادات المكتسبة بطرق لا تتوافق مع معايير الرصانة الأكاديمية وشرط الإقامة الفعلي.
وبحسب خبير قانوني رفض ذكر اسمه بسبب القيود النقابية: "إن أخطر ما تضمنه قانون رقم 20 لسنة 2020 ليس في الإجراءات الفنية، بل في البند المتعلق باحتساب الشهادات للموظفين الحاصلين عليها بدون إجازة دراسية، واحتسابها لأغراض العلاوة والترفيع والتقاعد، شريطة الحصول عليها قبل نفاذ القانون". وأشار إلى أن هذه الفقرة فتحت الباب لـ "تطهير" شهادات حصل عليها موظفون خلال سنوات عملهم دون تفرغ كامل، حيث كان الحل الأسهل هو اللجوء لبرامج دراسية لا تتطلب الإقامة أو الحضور الفعلي. وهكذا، تحولت هذه الفقرة إلى منفذ قانوني للشهادات غير النظامية قبل أن يتم إلغاؤها بقرار من المحكمة الاتحادية العليا، بعد أن كان الضرر قد وقع.
"دكاكين" بيع الشهادات وأساليب التزوير الحديثة
تمركزت عمليات التزوير في دول مثل لبنان وتركيا وإيران، حيث انتشرت مكاتب ومكتبات صغيرة تحوّلت إلى ما يشبه "دكاكين الشهادات". يشرح الصحفي أمين ناصر، مدير مكتب العراقية في بيروت، كيف تتم عملية البيع؛ حيث يتواصل الطالب مع جهات "تقدم خدمات أكاديمية" لتسهيل حصوله على شهادة ثانوية أولاً، ثم جامعية، وصولاً إلى الماجستير أو الدكتوراه. هذه المكتبات تعيد استخدام رسائل قديمة لطلاب حقيقيين مع تغيير الأسماء فقط.
تتراوح أسعار هذه الشهادات بين 200 دولار إلى 5000 دولار بحسب التخصص والمستوى، وتشمل مجالات الطب والهندسة والقانون وغيرها. وسُجل في بعض الجامعات اللبنانية مناقشة أكثر من 4000 رسالة ماجستير في عام واحد في قسم القانون فقط، بينما طاقتها الاستيعابية لا تتجاوز 200 رسالة.
لبنان وتورط الشخصيات النافذة
أما في العراق، فالكثير من هؤلاء الطلبة لم يغادروا البلاد إطلاقاً، بل حصلوا على شهاداتهم "أونلاين" رغم أنهم موظفون رسميون لم يحصلوا على إجازات دراسية. وتكشف التحقيقات في لبنان أن بعض الجامعات منحت شهادات لـشخصيات عراقية نافذة كـ "مجاملة سياسية". وقد أُودع على إثر ذلك أكثر من 32 مديراً عاماً وموظفاً في السجن، من بينهم وكيل وزير ورئيسة دائرة الامتحانات سابقاً أمل شعبان.
وأشارت حيثيات الحكم القضائي في بيروت إلى أن المدير العام للتربية طالب الموظفين بتغيير هواتفهم تزامناً مع التحقيقات لطمس الأدلة. وأكدت سفارة العراق أن المستندات المضبوطة تحمل أختاماً وتواقيع غير صادرة عن الملحقية الثقافية العراقية. ويختتم الناصر بأن الكارثة الحقيقية تكمن في تولي هؤلاء لمناصب عليا، حيث وافق الوزير نعيم العبودي على اعتماد هذه الشهادات بعد أن كانت الوزارة السابقة قد رفضتها. ومن الجدير بالذكر أن العبودي حصل على شهاداته من الجامعة الإسلامية في لبنان، وهي الجامعة التي صدر قرار بتعليق الدراسة فيها عام 2021 لعدم التزامها بمعايير الرصانة.
شهادات من الداخل: "أستاذ كلك"
في دهاليز الجامعات، تروي أستاذة جامعية بخبرة عشرين عاماً بصوت تخنقه الغصة: "هناك شخوص يجلبون شهاداتهم من الخارج كسلعة رخيصة". وتضيف أن الطلاب أصبحوا يتداولون مصطلح "أستاذ كلك" (وهي كلمة تعني بالعامية الشيء الفارغ أو المزور)، لأن هذا الأستاذ لا يعرف شيئاً عن بحثه الأكاديمي. والأخطر أن هذه الشهادات "أصولية" من حيث الاعتراف والتصديق الرسمي.
الحضور الشكلي: دكتوراه في 15 يوماً
بعد تشديد الرقابة على "الأونلاين"، تحولت بعض الجامعات إلى أسلوب "الحضور الشكلي" لخداع الوزارة. يتحدث أحمد عن شقيقه الموظف الذي حصل على لقب "دكتور" في القانون من إيران وهو لا يفقه فيه شيئاً، حيث كان يذهب شهراً واحداً فقط في السنة لـ "تأشير الحضور"، بينما يذهب آخرون أسبوعاً واحداً كل ستة أشهر. وتتراوح تكلفة هذه الشهادة بين 5,000 إلى 10,000 دولار، مع شراء الأطروحة من مكاتب وسيطة.
أدى هذا التلاعب إلى إلغاء الاعتراف بـ 27 جامعة إيرانية. كما تواجه الجامعات الأهلية المحلية اتهامات بضعف الرصانة، حيث أصبح الهدف تجارياً بحتاً، مع التغاضي عن الغياب لضمان بقاء الطالب كمورد مالي.
الفساد السياسي والشهادة كـ "كارت ضغط"
انتقد المحلل السياسي علي حبيب الانهيار الناتج عن الشهادات المزورة، مؤكداً أن بعض السياسيين يحملون ألقاباً عليا لكنهم يعجزون عن القراءة الصحيحة للنصوص. وأشار إلى أن ملف التزوير تحول لساحة لتصفية الحسابات السياسية و"كارت ضغط" بين الخصوم. وقد كشفت تقارير رسمية عن تقديم سياسيين لشهادات إعدادية غير صحيحة أو شراء شهادات بمبالغ مالية لاستيفاء شروط الترشح للانتخابات.