الأب يملك القرار.. آلاف الأمهات العراقيات خارج المعادلة في معركة الأوراق الرسمية
تحقيق - بنين الياس
بين دهاليز القوانين العراقية، تعيش آلاف الأمهات معاناة صامتة تتحول إلى سجن مفتوح لهن وأطفالهن. فالقانون يحرم
المرأة من حقها في استخراج جواز سفر لأطفالها داخل العراق وخارجه، ليبقى مستقبل الصغار مرهوناً بتوقيع الأب، حتى
في حالات الطلاق أو غيابه أو رفضه. ومع إقرار التصويت على مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري، تزداد القيود
شدةً.
يكشف هذا التحقيق معاناة آلاف الأمهات العراقيات اللواتي يجدن أنفسهن محاصرات بقوانين تحرمهن من إصدار جوازات سفر
لأطفالهن، ويعرض شهادات ووثائق تكشف كيف تحوّل القانون إلى أداة ابتزاز واستغلال، تمتدّ آثارها النفسية
والاجتماعية إلى سنوات طويلة.
بين الحرمان والخذلان
"منذ خمس سنوات وأنا حبيسة المنزل، لا أدري متى سيُطلَق سراحي"
بهذه الكلمات بدأت مريم* (18 عامًا) حديثها، وهي تسترجع سنوات الحرمان والخذلان التي عاشتها في تركيا، بعد أن
تركها والدها هي وشقيقتها لمصير مجهول. مريم، التي حُرمت من أبسط حقوقها في التعليم والعلاج، تروي: "طيلة هذه
السنوات اعالج انتكاساتي بالأعشاب والتعليم باليوتيوب".
قصة مريم بدأت حين طلق والدها والدتها في العراق، ورغم أن والدتها رفعت دعوى حضانة، فإن قرار المحكمة جاء لصالح
الأب. تقول مريم: "كانت والدتي تحاول أن تصطحبني وشقيقتي للعيش معها، لكن والدي رفض وهددها إن ظهرت في حياتنا
مرة أخرى سوف ينشر صوراً خاصة بها كان يحتفظ بها أيام ما كانت زوجته، بل كان يجبرني على التلفظ ضدها بكلمات
نابية ليزرع بيننا العداوة".
ومع عودة الأم للمطالبة بالحضانة مرة أخرى، اتخذ الأب قرارًا مفاجئًا بالهجرة. حمل طفلتيه إلى تركيا، وأوكل أمر
رعايتهما لزميلة له بحجة أنه مسافر إلى بريطانيا لتهيئة مسكن جديد. ومنذ ذلك الحين، تُركت مريم وشقيقتها في
مواجهة الحياة وحدهما، بلا أوراق رسمية ولا مستقبل. ورغم محاولاتها المتكررة مع السفارة العراقية في تركيا،
فإنها لم تصل الى حل.
أم بالمشاعر لا بالقانون
تابعت معدّة التحقيق مع شيرين*، مربية مريم التي وجدت نفسها في رحلة تبنٍ غير شرعية في الغربة، لتكتشف حجم
المعاناة التي عاشتها. ما تصفه بـ"رحلة تبنٍ غير رسمي" مريرة، تشعر فيها أن "طوقاً من مسد يلتف حول رقبتها".
فالأب رفض تسليمها الأوراق الرسمية لطفلتيه، خشية إعادتهما لوالدتهما الغائبة، مما جعل وجود الطفلتين معها "غير
رسمي" ومصدر قلق وخوف دائمين.
على مدار سنوات، باءت محاولاتها بالفشل: فقد قصدت السفارتين العراقية والبريطانية، كون الأب يحمل جنسية مزدوجة
للحصول على وكالة، لكن "الأبواب كانت مغلقة". حتى عائلة الأب تنصلت بحجة أن القانون لا يسمح لهم بالتدخل. وتضيف
شيرين وهي تدمع، أن هذا الوضع تسبب في تدهور صحة الطفلتين وحالتهما النفسية لعدم ذهابهما للمدرسة، وتلخص المأساة
بأن أسئلة بنتيها المؤلمة لا جواب لها سوى أنهما عراقيتان في ظل "قانون ذكوري لا يعترف بحقوقنا كأمهات".
المحادثات بين المربية والاب (اضغط للتكبير)
طفولة مسروقة وأمهات
نور*، أم عراقية، تعيش محاصرة مع طفلتها البالغة التاسعة، بعد أن هجرها زوجها خارج تركيا عقاباً لها لرفضها
البقاء في العراق لخدمة والدته. تفاقمت عزلتها برحيل عائلتها كلها إلى مصر بعد فشل اللجوء. لمدة عامين، تحاول
نور يائسة استخراج جواز سفر لطفلتها للالتحاق بأهلها. والأب، الذي يرفض منحها الإذن، يستخدم سلطته كأداة
للانتقام عن بعد.
تقول بلهجتها العراقية: "أنا وبنتي عايشين كأننا محبوسات... مالي حق استخرج وثيقة لبنتي؟". سؤال تطرحه نور: كيف
تحوّلت الولاية الأبوية الغائبة إلى زنزانة قانونية وأب لا يعرف شيء عن ابنته له الحق الكامل بالتحكم بحياتنا؟
الأب يملك القرار.. والأم خارج المعادلة
نقل بيان لإعلام القضاء عن القاضي علي نوري أبو رغيف قاضي محكمة الأحوال الشخصية، أوضح، أن القانون لم يمنح الأم
حق استخراج الجواز؛ وذلك لأن الأب هو الولي الجبري على أبنائه القاصرين، استناداً لأحكام المادة (27) من قانون
رعاية القاصرين رقم 78 لسنة 1980 التي تنص على أن ولي الصغير هو الأب ثم المحكمة، وعليه، لا يحق للأم مراجعة
دائرة الجوازات للإصدار إلا إذا قام الأب بتنظيم "وكالة خاصة" لها من خلال دائرة كاتب العدل ليخولها بإجراءات
استخراج جواز السفر.
وفي هذا السياق انتقد القاضي المتقاعد رحيم العكيلي، أداء الدولة ومؤسساتها التشريعية لغياب الاهتمام بشؤون
المجتمع، مؤكداً أن البرلمان لا يصدر قوانين تنظّم حق الأم في الوصاية والسفر بوضوح. وأوضح العكيلي أن القوانين
الحالية لا تنظّم القضايا الاجتماعية الحساسة، ما يسبب معاناة لآلاف المواطنين، خاصة الأمهات العراقيات المقيمات
في الخارج.
القاضي المتقاعد رحيم العكيلي
وأشار العكيلي إلى أن تعليمات السفارات تمنع إصدار جوازات سفر للأطفال دون موافقة الأب، ما يضع القاصرين وأمهاتهم
في مأزق قانوني خطير بالدول المستضيفة، وقد يعرضهم للسجن. وبيّن أن هذا الوضع يضطر الأمهات، خصوصاً المقيمات
خارج العراق، للجوء إلى طرق غير شرعية مثل التهريب أو التعرض للابتزاز المالي والجسدي. وأكد العكيلي أن هذا
الإجراء "غير منطقي" ويمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان.
أفرز هذا الفراغ التشريعي بيئة تابعة للنفوذ والعلاقات، حيث تحصل الأم ذات السلطة على تأييد السفر بسهولة، بينما
تُحرم منه أخرى مستحقة في حالة مماثلة.
القرارات القضائية المتضاربة
لوحظ وجود تناقض في المنهج المتبع، حيث صدرت قرارات قضائية تمنح الأم وثيقة سفر لأبنائها القاصرين بناءً على
قناعة المحكمة بتحقيق المصلحة الفضلى للطفل، بينما في حالات أخرى لم تنجح أم لديها ذات الظروف، بل حتى بموافقة
صريحة من الأب، في الحصول على هذا الحق، وقد ردّت المحكمة دعوتها.
قرار يمنح الموافقة
قرار يرفض الموافقة
السفارات بين النص القانوني والتطبيق المعقد
بحسب شهادات عدة امهات عراقيات في الخارج يواجهن معاناة مضاعفة عند مراجعة السفارات لاستخراج جوازات سفر لأطفالهن
حتى مع امتلاكهن وكالات قانونية من كاتب عدل ومصدقة من الخارجية العراقية. فإن السفارة العراقية تخاطب كاتب
العدل للتأكد من صحة الوكالة واصدارها، وقد يُطلب حضور الأب شخصيًا أمام الجوازات العامة. هذا الإجراء المعقد
يؤدي إلى تأخيرات قد تمتد لأشهر وربما لعام كامل.
وتذكر إحدى الأمهات في تركيا، منى*، التي تعيش منذ ثماني سنوات في صراع مشابه: "بطلوع الروح وافق زوجي ان يرسل لي
وكالة لإصدار جواز سفر لبنتي. سنة كاملة وأنا ألاحق هذا الموضوع. وأخيرًا، أصدر لي وكالة، لكنه كتب فيها فقط
إصدار جواز السفر، وبعد أن صدر الجواز، اكتشفت أني لا أستطيع استلامه إلا بوكالة جديدة مكتوب فيها إصدار
واستلام."
ابتزاز مالي وجنسي
تعيش حنين* البالغة من العمر 30 عاما في تركيا، مع ابنتها البالغة تسع سنوات، لكنها لم تتلقَ من والدها أي نفقة.
والأسوأ، بحسب ما تروي حنين، أن طليقها يستغل كل مراجعة السفارة لابتزازها ماديًا ونفسيًا. تضيف: "لكل معاملة
أحتاج وكالة منه، ولو أن الوكالة لا تكلف أكثر من 50 دولارًا، إلا أنني أُجبر على دفع ألف دولار أو أكثر. في كل
مرة يدخل وسطاء ويضع شروطًا تعجيزية، حتى أنني تنازلت عن ممتلكاتي الخاصة وحق نفقة الطفلة مقابل أن يمنحني وكالة
انجاز جواز السفر".
تعهد خطي بالتنازل عن النفقة مقابل الوكالةصورة تعهد خطي أبرمته امام المحامي
القانون العراقي يعتبر الأب هو الوصي الشرعي، حتى لو أعلن أمام القاضي أنه لا يريد ابنته. المحكمة رفضت طلب حنين
بالحصول على الوصاية الكاملة بالرغم من معرفة القاضي ان الطفلة لم تتلقى أي دعم من والدها لا مادي ولا ابوي.
تضيف حنين بأسى: "أنا أشعر أنني أسيرة لمدة 18 سنة حتى تبلغ ابنتي سن الرشد. أعيش مقيدة بالقانون وإجراءاته
المعقدة". فرغم الطلاق، يواصل الأب التحكم بحياتها وابتزازها. الابتزاز واضح وصريح كما يقول لها: "إذا تزوجتِ أو
حتى أحببتِ شخصًا لن أُصدر لك الوكالة".
تشترك ريما* (35 عاما) بنفس المعاناة فهي تسكن في تركيا بسبب علاج والدها، حيث استولى طليقها على منزلها داخل
العراق. توضح: "في كل مرة أحتاج وكالة سفر من أجل ابنتي يذكرني ان اقامته في منزلي مقابل أن اجدد له عقد ايجار
سنوي دون أي مبلغ الإيجار ولا ينفق على الطفلة".
وتكشف سيدة أخرى عن شكل أبشع من الاستغلال، حيث يشترط طليقها عليها تلبية رغباته الجنسية مقابل إصدار جوازات سفر
أطفالها. الابتزاز لا يقتصر على طلب "المشروب، الرقص، وقضاء ليلة كاملة"، بل وصل إلى محاولة إجبارها على إقناع
صديقتها لتنام معه. تقول السيدة إنها حتى بعد حصولها على الوكالة، تبقى "رهينة مزاجه".
غياب الأمان النفسي
تؤكد المستشارة النفسية الدكتورة اخلاص جبرين أنّ الاستغلال المادي والجنسي والنفسي الذي تتعرض له الأمهات
المطلقات يترك جروحًا عميقة في شخصياتهن وصحتهن النفسية.
الدكتورة اخلاص جبرين
وعلى الصعيد الصحي أكدت الطبيبة اختصاص نسائية وتوليد، جوان ميرزا، أن "التوتر النفسي.. عدو خفيّ يهدد انتظام
الدورة الشهرية والصحة الإنجابية". وتشير الطبيبة إلى أن الضغط النفسي والقلق يؤثران مباشرة على عمل "الغدة تحت
المهاد"، والأخطر من ذلك هو "زيادة احتمالية ظهور الأورام وكبر حجمها".
تحمل قصة هدى* جانبًا مأساويًا مؤلمًا؛ فخلال أربع سنوات من معاناة التعامل مع طليقها ومماطلته وابتزازه الدائم،
تدهورت حالتها الصحية تدريجيًا. تقول بأسى: "الورم كان يكبر داخلي وأنا أؤجل العلاج، مشغولة بإرسال وساطات
لطليقي الذي كان يحظرني في أكثر أوقاتي حاجة إليه، حتى وصل حجم الورم إلى 15 سم واضطر الأطباء لاستئصاله، ما
أثّر على قدرتي الإنجابية."
التقرير الطبي
انتقادات حقوقية واسعة
تؤكد الناشطة البارزة هناء أدور، الخبيرة المعتمدة لدى المنظمة العالمية لمراقبة حقوق الإنسان، أن قضية الوصاية
على الأطفال في العراق تكشف حجم الانتهاكات التي تتعرض لها الأمهات. تشير أدور إلى أن القانون الحالي يمنح حق
الوصاية للآباء بشكل مطلق، حتى وإن كانوا غير مسؤولين. وتضيف أن هذا الوضع القانوني يشجع الكثير من الآباء على
التنصل من مسؤولياتهم المالية واستخدام الوصاية كوسيلة للانتقام.
وترى أدور أن التحديات قد تضاعفت بشكل كبير بعد إقرار قانون الأحوال الشخصية الجعفري، ما يجعل المرحلة المقبلة من
أصعب المراحل على الأمهات المطلقات. وتنتقد أدور أداء الدوائر الحكومية التي "تخضع للأمزجة"، مؤكدة أن الإجراءات
تميّز بوضوح بين الأم والأب، مستشهدة بموقف الأم في المطارات؛ فالأم، حتى لو امتلكت وكالة قانونية، تُوقَف
وتُحَقَّق معها مرارًا.
وتشير المدافعة عن حقوق الإنسان سارة جاسم، من جهتها، لمسألة الارتفاع المتزايد في نسب الطلاق، وتضيف أن غالبية
المطلقات يواجهن معركة مرهقة لاستخراج الوثائق الرسمية لأطفالهن. وبحسب رصد المدافعة، فإن أغلب الأمهات يعانين
من تعقيدات بيروقراطية تحول الوثائق من مجرد أوراق رسمية إلى عائق يحرم الطفل من هويته.
الناشطة سارة جاسم
إحصائيات الطلاق في العراق (2025)
كشف مجلس القضاء الأعلى العراقي عن تسجيل أرقام مرتفعة في حالات الطلاق خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025،
حيث بلغ المجموع الكلي 41,432 حالة طلاق في عموم البلاد.
المتاهة القانونية: صراع الصلاحيات
كشف مصدر في وزارة الداخلية أن جوازات السفر الصادرة من مديريات الجوازات ''سليمة من حيث الإجراءات''، لكنها تخضع
للقانون النافذ الذي يُلزم الجميع. وفي السياق نفسه، أكد مصدر في وزارة الخارجية أن السفارات العراقية تلتزم
بالدستور الذي يحصر حق إصدار جوازات الأطفال بالأب، لا سيما بعد إقرار القانون الجعفري الذي شدّد القيود في هذا
المجال.
في نهاية كل حكايه تظل أسئلة الأمهات، صرخة جامعة ترفض الصمت: "هل من المنصف أن يُحرم الأضعف من حقه في الحياة
والسفر بسبب أب متخلٍ وقانون مُعطِّل؟" سؤال يظل مُعلّقاً على جدران المحاكم والسفارات، ينتظر الإجابة على مدار
اعوام من الأسر؛ ليتوقف عقاب الطفولة البريئة التي وُلدت من أمّ بلا حق.