الخميس، 22 أكتوبر 2026
صحافة لأجل الانسان
قدّم تحقيقك
في العمق السودان

“اغتصبني أمام أمي” .. معاناة النساء المغتصبات في السودان.. كيف يتعايش أبناؤهن مع أزمة الهوية؟ 

كانت “نهلة” (اسم مستعار)، في السابعة عشرة من عمرها عندما حاولت أسرتها الفرار من إحدى مناطق غرب السودان التي كانت خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، وفق شهادتها الموثقة في حديثها مع “عابر”، كانت الأسرة قد بقيت في المنطقة بعد اندلاع الحرب بسبب عدم امتلاكها المال الكافي لتغطية تكاليف النزوح إلى مناطق أكثر أمنًا.

“اغتصبني أمام أمي”

تقول نهلة “بعد سيطرة قوات الدعم السريع على منطقتنا، تدهورت الأوضاع الأمنية والإنسانية بصورة كبيرة، وانتشرت حالات السرقة والنهب والفوضى، لم تكن هناك كهرباء أو مياه، وكان الحصول على المياه يمثل معاناة يومية لنا ولغيرنا من الأسر، في بداية وجود القوات، تعرضنا لمحاولات اعتداء جنسي، لكننا نجونا منها في إحدى المرات عندما كنا في طريقنا صباحاً إلى بئر لجلب المياه، كان والدي يعيش في خوف دائم علينا، أنا وأخواتي، وكان يحاول بكل ما يستطيع حمايتنا”، ومع استمرار تدهور الوضع، قرر والدها محاولة الفرار مع الأسرة عبر طرق برية غير آمنة.

وتواصل نهلة سرد ما حدث لـ عابر: “أثناء رحلتنا، وبينما كنا نحاول الفرار من ويلات الحرب، أوقفنا عدد من عناصر الدعم السريع وجهوا السلاح نحو والدي، وطالبوه بتسليمي لهم بحجة أنهم يريدون تزويجي بالقوة. حاول والدي مقاومتهم، فضربوه بأحد الأسلحة وأصابوا ساقيه. كنت أرى الخوف في عيون شقيقاتي الأصغر مني، وكانت أمي تتوسل إليهم حتى يسمحوا لنا بالمرور لكنهم لم يستجيبوا، تعرضت أمي للصفع أمامنا، ثم قام اثنان منهم بتمزيق ملابسي واغتصابي أمام أمي”.

تركنا جثة والدي وواصلنا الطريق

وبحسب شهادتها، قتل والدها بعد ذلك بالرصاص، واضطرت الأسرة إلى مواصلة طريقها من دون جثمانه: “والدي، الذي كان قد أصيب قبل ذلك أثناء محاولته حمايتي، لم يحتمل ما حدث، أطلقوا عليه النار وقتلوه أمامنا وحتى بعد مقتله، لم يسمحوا لنا بأخذ جثمانه اضطررنا إلى مواصلة الرحلة وتركه خلفنا في الخلاء، بينما كانت أمي تحاول حماية بناتها ومواصلة الوصول بنا إلى مكان أكثر أمانًا. 

وصلت نهلة مع والدتها وشقيقاتها إلى إحدى مناطق النزوح، ثم بدأت تعاني آلامًا جسدية وإعياء شديدًا، كشفت الفحوصات الطبية أنها حامل. تقول: “كان الخبر صدمة كبيرة بالنسبة لي ولأسرتي لم أكن أعرف كيف سأواجه هذا الحمل، ولا كيف سأعيش مع ما حدث لي شعرت أن حياتي انتهت، وراودتني أفكار شديدة السوء، وحاولت الانتحار بعد معرفتي بالحمل لكن أمي لم تتركني، بقيت إلى جانبي وأخواتي لمساعدتي، كما تواصلت معي جهة تقدم الدعم النفسي لمساعدتي على التعامل مع الصدمة”.

أنجبت طفلي ولكن

أنجبت نهلة طفلها، لكن الولادة لم تكن نهاية المشكلة، تروي حكايتها: “أفكر كثيرًا في طفلي، وأتساءل كيف ستكون حياته عندما يكبر؟. لم يرتكب أي ذنب، لكنه قد يجد نفسه يواجه أسئلة ونظرات قاسية، أخشى أن يكبر دون أب، وأن يُستخدم شكل ولادته للتنمر عليه، وحتى الآن، لا يملك طفلي أي إثبات للهوية، ولا أعرف وضعه القانوني؛ لأن إجراءات الإثبات تحتاج بيانات الأب أو أقاربه وأنا لا أعرف أين أصل لقاتل والدي ومغتصبي، أخشى أن يكبر دون شهادة ميلاد فتضيع فرصته في التعليم والعلاج”.

وهكذا، ولد الطفل بعد أشهر من واقعة الاغتصاب. ولا تشكل هذه الحادثة واقعة فردية وإنما تكثر حالات الاغتصاب في السودان ويكثر معها ولادة أطفال بلا هوية ولا حتّى يعرفون شيئًا عن الاباء، في بلد مزقته الحرب وأصبح فيه الوصول إلى المستشفى أو مكتب السجل المدني رحلة محفوفة بالخطر.

أكثر من 3300 حالة عنف جنسي

وهذا ما تؤكده الأرقام، إذ بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عالجت أطباء بلا حدود أكثر من 3.396 حالة تعرضت للعنف الجنسي في مرافق تدعمها في ولايتي شمال وجنوب دارفور، وكانت أكثر من 90 في المئة من الحالات التي وثقتها في شمال دارفور مرتبطة باعتداءات وقعت أثناء الانتقال بين المدن بحثاً عن الأمان.

لكن هذا الرقم لا يخبرنا بعدد النساء اللواتي حملن نتيجة الاغتصاب، ولا بعدد الأطفال الذين ولدوا بالفعل من تلك الاعتداءات، بل يمثل الناجين الذين تمكنوا من الوصول إلى مرافق صحية تدعمها المنظمة في منطقتين فقط. 

لا أرقام رسمية موحدة

من جهتها أكدت، وزيرة الدولة في وزارة الرعاية الاجتماعية، الدكتورة رقية إسحق لـ”عابر” أنه “لا بيانات وطنية تُحصي الأطفال الذين وُلدوا نتيجة الاغتصاب المرتبط بالحرب في السودان” إذ عادة لا يجري تسجيل أو توثيق كلّ الحالات، علمًا أن معظم الاعتداءات التي تعاملت معها الجهات المعنية كانت جماعية، وبالتالي لم تتمكن كثير من الناجيات من معرفة هوية المعتدين.

واضافت إسحق: “بعضهم ينتمي إلى قوات الدعم السريع أو مجموعات مسلحة أخرى، إلى جانب مقاتلين ومرتزقة من جنسيات مختلفة، ما يجعل تحديد الأب في كثير من الحالات أمراً بالغ الصعوبة”.

أما الطفل

يبدأ الإجراء الرسمي بفتح بلاغ، ويتم استخراج أوراقه الثبوتية وفق الآلية المعمول بها للأطفال الذين تصفهم الجهات الرسمية بـ”فاقدي السند”، أو يُحال إلى الرعاية الاجتماعية إذا اختارت الأم عدم الاحتفاظ به. وبالتالي فإن غياب بيانات الأب لا يمنع التسجيل، بحسب الوزيرة، إذ يُمنح الطفل اسماً وفق الإجراءات الرسمية الخاصة بهذه الحالات، ويمكن أن يرتبط باسم الأم.

وفي هذا السياق تؤكد: “الناجية نفسها هي التي تقرر تحتاج الطفل أو لا”، تقول إسحق، نافية أن يكون الفصل بين الأم وطفلها إجبارياً. لكن الواقع الاجتماعي قد يدفع في الاتجاه الآخر: “معظم الناس يرفضون الطفل”، بينما تتعرض بعض الفتيات الأصغر سناً لضغوط أسرية، وقد تتولى الأسرة بعد الولادة تسليم الطفل إلى الرعاية الاجتماعية، وأحياناً تحرص على ألا ترى الفتاة طفلها أبدًا.

وتصبح الإجراءات أكثر صعوبة في المناطق التي انهارت فيها مؤسسات الدولة أو يتعذر الوصول إليها. وفي المناطق التي لا توجد فيها شرطة أو أي آلية رسمية، لا تملك الوزارة وصولاً سهلاً إلى الناجيات. 

معركة الهوية 

مشكلة نهلة ليست استثناءً من حيث المبدأ القانوني، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا في ظروف الحرب، فالقانون السوداني يعترف بأهمية تسجيل المواليد وإثبات هوية الطفل. إذ توضح اليونيسف أن قانون الطفل السوداني لسنة 2010 وقانون السجل المدني لسنة 2011 يتضمنان إطارًا لتسجيل المواليد، كما تنص المادة 5 من قانون الطفل على حق الطفل في الاسم والجنسية وإثبات النسب. 

وتشير قاعدة بياناتها الخاصة بنظم تسجيل المواليد في السودان إلى أن تسجيل الولادة مسؤولية تقع ضمن منظومة السجل المدني، وأن شهادة الميلاد تستخدم لإثبات الهوية والجنسية والتعليم والرعاية الصحية والحماية القانونية، كما تتطلب إجراءات التسجيل بيانات تتعلق بالطفل والأم والأب.

وهنا تظهر المشكلة التي تواجه الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب: القانون قد يقر حق الطفل في التسجيل، لكن الحرب يمكن أن تجعل الوصول إلى الجهة التي تنفذ هذا الحق شديد الصعوبة، كما أن غياب بيانات الأب قد يضيف عقبة أخرى أمام الأم.

“مريم”.. أم قررت ألا تتخلى عن طفلها

في ولاية الجزيرة، وسط السودان، وتحديداً في مدينة ود مدني، عاصمة الولاية، تبدأ قصة أخرى، كانت “مريم” (اسم مستعار)، موجودة في المدينة خلال المعارك التي شهدتها، وبحسب حديثها لـ”عابر” احتجز مدنيون وأسر داخل مناطق سكنية، وخلال فترة الاحتجاز تعرضت للاعتداء الجنسي والاغتصاب من عناصر تابعة لقوات الدعم السريع، بعد فترة اكتشفت أنها حامل.

غادرت المدينة عبر طرق برية شاقة، حتى وصلت إلى ولاية كسلا في شرقي السودان، على الحدود مع إريتريا، باعتبارها منطقة نزوح أكثر أمنًا نسبيًا من مناطق القتال التي فرت منها، وهناك أنجبت طفلها.

لكن مريم لم تتخذ القرار الذي تخشاه كثير من الأسر في مثل هذه الحالات، بحسب المعلومات الموثقة للحالة، لم تتخل عن طفلها، وإنما قررت الاحتفاظ به ورعايته ومحاولة تأمين وضعه القانوني، وبمساعدة قانونيين وحقوقيين وشبكات دعم، بدأت إجراءات شملت، وفق روايتها، فتح بلاغ جنائي بواقعة الاغتصاب لدى النيابة العامة في كسلا، وتوثيق أقوالها، وإلحاقها ببرامج للدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب مخاطبة الجهات المختصة بشأن تسجيل الطفل وإصدار الوثائق الرسمية.

ويمنح القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، في المادة 135، الناجية من الاغتصاب حق إنهاء الحمل خلال 90 يوماً وفق الشروط القانونية، لكن الحرب قد تجعل هذا الحق غير قابل للوصول، فقد تكتشف المرأة حملها بعد فوات المهلة، أو تجد المستشفى مغلقاً والنيابة بعيدة وطرق الوصول إليها غير آمنة، بينما قد يمنعها الخوف من الأسرة أو المعتدين من الإبلاغ أصلاً، وهكذا، لا تكمن المشكلة في غياب النص القانوني وحده، بل في قدرة الناجية على الوصول إليه قبل أن تنتهي المهلة التي حددها القانون.

الولادة نفسها ليست آمنة

على مقلب آخر، تقول الدكتورة رحاب عبد الله، طبيبة النساء والتوليد العاملة في قطاع الرعاية الصحية  في السودان، في حديثها لـ “عابر” إن آثار الحمل الناتج عن العنف الجنسي تصبح أكثر خطورة في ظل انهيار الخدمات الطبية، وتضيف: “نساء كثيرات اضطررن لمتابعة الحمل والولادة في المنازل أو الخيام”. الأمر الذي قد يعرض النساء والأطفال لمخاطر النزيف والعدوى ومضاعفات أخرى. 

وتلفت عبد الله إلى الأثر النفسي الكبير، فالمرأة قد تجد نفسها مضطرة إلى حمل طفل يذكرها، مع كل مرحلة من مراحل الحمل، بالاعتداء الذي تعرضت له. وبأن بعض الناجيات قد يجدن صعوبة في النظر إلى الطفل أو الارتباط به فور الولادة بسبب الصدمة النفسية، وأن هذا السلوك لا ينبغي تفسيره تلقائيًا باعتباره رفضًا للطفل.

وتؤكد على ضرورة عدم الخلط بين عدد حالات الاغتصاب، وعدد حالات الحمل الناتج عن الاعتداء، وعدد الأطفال الذين ولدوا بالفعل، هذه الأرقام لا تتطابق. لذا، فإن عدد الناجيات اللواتي تلقين العلاج لا يمكن استخدامه لتقدير عدد الأطفال الذين ولدوا نتيجة الاغتصاب.

الوصمة

لا تنتهي المخاطر عند الولادة، ففي بعض البيئات الاجتماعية، قد تتحول واقعة الاغتصاب إلى مصدر للعار بدلًا من أن ينظر إليها المجتمع باعتبارها جريمة ارتكبت ضد الناجية، وتقول الإفادات التي جرى جمعها للتحقيق إن بعض الأسر تضغط على الفتيات للتخلي عن الأطفال بعد الولادة، وقد ينتهي بعضهم في مؤسسات الرعاية.

وتشير الإفادات أيضاً إلى أن الخوف من الوصمة قد يدفع بعض الفتيات إلى التفكير في الانتحار أو البحث عن عمليات إجهاض غير آمنة، وتؤكد اليونيسف أن الخوف من الرفض الأسري والمجتمعي والخوف من الانتقام تمثل بالفعل عوائق أمام الإبلاغ وطلب المساعدة في السودان. 

في قصة نهلة، أصبح الطفل امتدادًا لواقعة اغتصاب ومقتل أب ونزوح أسرة كاملة، وفي قصة مريم، أصبح تسجيل الطفل وحمايته القانونية جزءاً من رحلة بدأت بالاغتصاب وانتهت بمحاولة أم الاحتفاظ بابنها.

وبين الحالتين، تظل هناك مساحة واسعة لا تستطيع الإحصاءات الوصول إليها: نساء لم يصلن إلى مستشفى، وأطفال لم تسجل ولادتهم، وحالات لم تظهر إلى العلن خوفًا من المجتمع.