هندسة الموت الجماعيآ… كيف حوّلت الأنماط العسكرية الأميركية حياة المدنيين إلى إحداثيات لا تُخطئها الطائرات

ريم طراد، محمد الحسني، دولة الحصباني

يكشف هذا التحقيق عن أربعة أنماط متكررة حكمت مسار الضربات الجوية الأميركية على بعض الدول العربية (اليمن وسوريا والعراق والصومال): 1- تفوّق عدد الضحايا المدنيين مقارنةً بأعداد المستهدفين الفعليين، 2- التحولات في قواعد الاشتباك مع كل إدارة أميركية، 3- نمط الاستهدافات الليلية والصباحية، 4- تغيّر قوة الفتك بحسب التنظيم المستهدف. تظهر بياناتنا أن أكثر من ثلاثة آلاف مدني كانوا ضحايا بين قتلى وجرحى لهذه الضربات، وأنّ ما يقارب نصف الضحايا من الأطفال. 

 ثوانٍ معدودة، وضغطة زر واحدة، في مكان ما من العالم؛ كان ذلك كافياً لمحو عائلة “جلجلة” من الوجود.

في قرية المعجلة، بمديرية المحفد في محافظة أبين جنوبي اليمن، لم يسمع أحد صوت القرار وهو يُتخذ في أروقة السلطة الأميركية. لكن بعد لحظات، وصلت آثاره على هيئة خمسة صواريخ “توماهوك”، حوّلت تجمعاً بدوياً صغيراً، أو ما يُعرف بـ”الشبكة” إلى حقل من النار.

واحد وأربعون شخصاً كانوا يعيشون هناك، انتهت حياتهم في لمح البصر. وتحول المكان من بقعة نائية وآمنة إلى مجرد “إحداثية مشبوهة” في سجلات الحرب الجوية الأميركية. 

عند السادسة من صباح السبت، 17 كانون الأول/ديسمبر 2009، كانت نسمات الفجر الباردة ورائحة الحطب المشتعل تملآن الوادي. وفي خيمة من أصل ثلاث تعيش فيها عائلة جلجلة، كانت فاطمة، فتاة تبلغ ثلاثة عشر عاماً، تلتحف الدفء بجانب شقيقاتها الأربع ووالدهن. خارج الخيمة، كانت الأم توقد النار لإعداد فطور لن يكتمل. أما الأطفال، أكبرهم فاطمة، فكانوا غارقين في نومهم الأخير. لم تكن فاطمة تعلم أنّ قراراً اتُخذ في أروقة البيت الأبيض قبل ساعات سيحدد مَن يعيش، ومَن يموت في تلك الخيام. 

خلال لحظات، خلّف القصف دماراً شاملاً، اختلطت فيه أشلاء الضحايا الأربع عشرة من عائلة جلجلة برماد الخيام وبقايا الماشية وخلايا النحل المتفحمة بفعل فتك الصواريخ الخمسة والقنابل العنقودية. من وسط هذا الركام، انتُشلت فاطمة وهي تقاوم الموت، خاضت بعدها رحلة علاج صعبة ومريرة في مستشفيات أردنية، قبل أن تستيقظ على الحقيقة الأقسى؛ كونها أصبحت الناجية الوحيدة من عائلتها.

ما جرى في وادي قطانة لم يكن مجرد خطأ في تقدير الهدف، فوثيقة صادرة عن اللجنة البرلمانية اليمنية المكلّفة بتقصي الحقائق تكشف أن القصف أصاب مدنيين عزلاً من عائلتي آل حيدرة وآل عنبور، وأسفر عن مقتل واحد وأربعين مدنياً، مقابل أربعة عشر مقاتلاً من تنظيم القاعدة. 

والأكثر إثارة في خلاصات اللجنة، أن “المطلوب الأمني” الذي قيل إن العملية استهدفته، كان يتحرك بصورة طبيعية، وكان بالإمكان القبض عليه بوسائل أمنية تقليدية، من دون اللجوء إلى قصف دمّر تجمعاً سكنياً بأكمله؛ ما يحوّل الواقعة إلى دليل مادي على تكتيك عسكري اختار “القصف الشامل” بديلاً عن الدقة الأمنية، وهو ما يفتح الباب لفهم الكيفية التي أدارت بها واشنطن حربها الجوية.

وكشفت وثيقة دبلوماسية أميركية مسرّبة، نشرها موقع ويكيليكس في 4 كانون الثاني/يناير 2010، وتحمل الرقم 10SANAA4-a، جانباً من الكيفية التي أُخفي بها الدور الأميركي في قصف وادي قطانة.

وتُظهر الوثيقة أن الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح تعهّد، خلال لقائه قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك، الجنرال ديفيد بترايوس، بأن حكومته “ستستمر بالقول إن القنابل قنابلنا، لا قنابلكم”.

وتنقل الوثيقة أيضاً عن رشاد العليمي، نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن آنذاك، ورئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني حالياً، قوله، مازحاً، إنه “كذب للتو على البرلمان اليمني”، عندما قال إن القنابل التي استهدفت أرحب وأبين وشبوة كانت أميركية الصنع، لكنها أُطلقت من قبل الحكومة اليمنية.

وتكشف هذه التصريحات، كما ترد في الوثيقة، عن تنسيق سياسي وإعلامي لإسناد الضربات إلى الحكومة اليمنية، رغم الدور الأميركي المباشر فيها.

قصة فاطمة ليست استثناءً في سجل الحروب الأميركية، إنما واحدة من آلاف القصص التي انتهت بالطريقة نفسها. ففي أماكن متفرقة من العالم، من اليمن إلى أفغانستان والعراق وسوريا، تحولت منازل ومدارس وأسواق إلى أهداف جوية في إطار ما عُرف بـ”الحرب الأميركية على الإرهاب”.

وبحسب تقرير لمنظمة “إير وورز” (Airwars)، المتخصصة في توثيق الكلفة المدنية للنزاعات، فإن الضربات الجوية الأميركية، بين عامي 2001 و2021، قتلت ما لا يقل عن 22,679 مدنياً، بعدد ضربات قُدّر بنحو 91,340 ضربة جوية على امتداد عشرين عاماً.

في هذا السجل الطويل من الحرب، تبدو فاطمة رقماً آخر في إحصاءات الضحايا. لكنها بالنسبة لوادي قطانة، لم تكن رقماً قط؛ بل الطفلة التي استيقظت لتكتشف أنها الناجية الوحيدة من عائلة أُبيدت بضغطة زر.

أصغر الأهداف العسكرية

حلّلنا في هذا التحقيق مسار 884 عملية جوية، تخلل بعضها أكثر من ضربة واحدة، نفذتها الولايات المتحدة الأميركية والتحالف الذي تقوده ضد تنظيم “داعش” في أربع دول عربية هي: اليمن وسوريا والعراق والصومال، وخلّفت 3,336 ضحية مدنية بين قتيل وجريح. واعتمد التحليل على قاعدة بيانات وثّقتها منظمة “إير وورز” (Airwars) وشاركتها مع فريق التحقيق، وشمل الفترة الممتدة من عام 2007 حتى نهاية أيار/مايو 2025.

واستبعدنا من التحليل الضربات المتنازع على وقوعها أو على أعداد ضحاياها المدنيين، أو غير المصنفة، كما اعتمدنا الحد الأدنى الموثق من أعداد الضحايا في كل حادثة.

وتجدر الإشارة إلى أن قاعدة بيانات “إير وورز” لا ترصد جميع الضربات الجوية الأميركية في البلدان العربية، بل تركز أساساً على العمليات التي خلفت ضحايا مدنيين وتمكنت المنظمة من توثيقها.

تعتمد Airwars منهجيةً موحّدة في جمع البيانات وتوثيق الضحايا المدنيين. ويستخدم باحثوها تقنيات تحقيقات المصادر المفتوحة؛ بما في ذلك تحديد المواقع الجغرافية، وتتبع المعلومات المنشورة على مجموعات “فيسبوك” وقنوات “تلغرام”، فضلاً عن مراجعة إعلانات الوفيات ومراسم العزاء والجنازات.وفي بعض الحالات، يجمع الفريق أجزاء متناثرة من المعلومات من وسائل إعلام تعمل في بيئات تخضع لرقابة مشددة، قبل مقاطعتها والتحقق منها عبر مصادر متعددة. كما تستند المنظمة إلى أفضل الممارسات الدولية في توثيق الخسائر البشرية، من خلال استخدام مستويات وفئات لتقييم موثوقية المعلومات، والالتزام بالشفافية في المنهجية والنتائج، وفق ما تؤكده مديرتها التنفيذية، إميلي تريب. 

توزع الضحايا المدنيون بين قتلى وجرحى في عدد من الدول العربية، لكن سوريا كانت صاحبة النصيب الأكبر من هذه الخسائر البشرية. ووثقت منظمة Airwars سقوط ضحايا من الفئات التي يمنحها القانون الدولي الإنساني حماية خاصة؛ بينهم أشخاص خارج القتال وعاملون في مجال الرعاية الصحية.

أما أكثر الأرقام قسوة، فتتعلق بالأطفال؛ فوفقاً لتحليل البيانات المنظمة، شكّل الأطفال نحو 42 في المئة من إجمالي الضحايا المدنيين من الضربات الجوية الأميركية (وعددهم 1286)، ما يعني أن ما يقرب من طفل واحد من كل طفلين سقطوا ضحية لهذه العمليات.

ويقول ويس براينت، المسؤول السابق في مركز حماية المدنيين في البنتاغون، إن أحد أوجه الإخفاق المزمنة في آليات المساءلة داخل الجيش الأميركي يتمثل في عدم تسجيل النسب الفعلية للأطفال والبالغين الذين قُتلوا في الحوادث التي خلفت ضحايا مدنيين.

ويضيف براينت، في تصريح لفريق التحقيق: “للأسف، هذا إخفاق آخر في قدرة الجيش الأميركي على تقييم الأضرار التي تلحق بالمدنيين والحفاظ على مساءلته الذاتية”.

وبحسب براينت، فإن معظم الحوادث التي سقط فيها مدنيون خلال “الحرب الأميركية على الإرهاب” كانت ناجمة، جزئياً على الأقل، عن الإخفاق في تحديد وجود مدنيين، وغالباً أطفال، داخل مناطق الاستهداف. أما في حالات أقل شيوعاً بكثير، فقد كان الأطفال في العراء وفي مرأى واضح عند استهدافهم.

بموجب القانون الدولي، يتمتع الأطفال بحماية مزدوجة أولاً بصفتهم مدنيين في وضع هشّ يحتاجون إلى حماية خاصة، وثانياً من منطلق حظر إشراكهم في أعمال عدائية. وفيما لا تُعدُ النسبة المرتفعة من ضحايا الأطفال انتهاكاً مستقلاً بحد ذاته، لكنّها تُعدّ مؤشراً قوياً ومعترفاً به دولياً في تقييم مشروعية الهجمات. وترى الباحثة في “المفكرة القانونية”، نور كلزي، أن ارتفاع نسبة الأطفال بين الضحايا المدنيين إلى مستوى غير اعتيادي، يعزز الشكوك بشأن احترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.

وتوضح نور كلزي أن هذه النسبة، وإن كانت لا تكفي وحدها لإثبات عدم مشروعية الهجوم، فإنها قد تشكل قرينة قوية على أن الضربة كانت عشوائية أو غير متناسبة، خصوصاً إذا اقترنت بعناصر أخرى، مثل طبيعة الهدف، والمعلومات التي كانت متاحة قبل تنفيذ الهجوم، والوسائل المستخدمة، والاحتياطات التي اتُّخذت لتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين.

القاعدة 7: التمييز: يُميّز أطراف النزاع في جميع الأوقات بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. ولا تُوجّه الهجمات إلّا إلى الأهداف العسكرية فحسب، ولا يجوز أن تُوجّه إلى الأعيان المدنية.القاعدة 14: التناسب: يُحظر الهجوم الذي قد يُتوقع منه أن يُسبب بصورة عارضة خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم، أو أضراراً بالأعيان المدنية، أو مجموعة من هذه الخسائر والأضرار، ويكون مفرطاً في تجاوز ما يُنتظر أن يُسفر عنه من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.القاعدة 22: الاحتياط: تتخذ أطراف النزاع جميع الاحتياطات الممكنة لحماية ما تحت سيطرتها من سكان مدنيين وأعيان مدنية ضد آثار الهجمات.

المصدر: دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي – اللجنة الدولية للصليب الأحمر

“معادلة الدم” مدنيان مقابل كل مقاتل 

ثلاثة أشهر قضتها فاطمة غارقة بين الغيبوبة والصدمة بأحد المستشفيات الأردنية، فيما كان جسدها يتعلم من جديد أبسط وظائف الحياة؛ أن يتنفس، وأن يفتح عينيه، وأن ينجو. لكنّ النجاة لم تكن خلاصاً؛ فعندما عادت إلى اليمن، لم تجد بيتاً تعود إليه، ولا عائلة تنتظرها، غير ذاكرة حبيسة الألم والفقد، وسؤال لم يجب عنه أحد: لماذا؟

لكنّ البيانات التي أخضعها فريق التحقيق للفحص والتقاطع تروي قصة مختلفة؛ قصة لم تقدمها أي جهة رسمية.

فخلف الخطاب المتكرر عن “الدقة العسكرية” و”الأهداف المشروعة”، تكشف البيانات عن معادلة فتك غير معلنة حكمت الضربات الجوية الأميركية في اليمن والعراق وسوريا والصومال. وفي ذروة هذه المعادلة، خلال ولاية ترامب الثانية، قُتل أكثر من مدنيَّينِ مقابل كل مقاتل واحد، وهي النسبة الأعلى المسجلة مقارنة بجميع الفترات الرئاسية التي شملتها البيانات. وبعبارة أخرى، كانت كلفة استهداف مقاتل واحد، في المتوسط، أكثر من روحينِ مدنيتين.

مع تعاقب الإدارات، تغيّرت النسب، لتسجّل أعلاها خلال رئاسة دونالد ترامب الحالية، رغم الفترة القصيرة التي غطّتها البيانات من ولايته الثانية. فقد أظهرت هذه الفترة إصابة (مقتل وجرح) 5.3 مدني مقابل إصابة مقاتل واحد مستهدَف في الضربات الجوية. 

وإذا نظرنا إلى عدد الجرحى فقط، فقد بلغت هذه النسبة 158 جريحاً مدنياً مقابل كل جريح مقاتل. أما فترة رئاسة باراك أوباما، فقد سجّلت متوسط 1.25 إصابة (مقتل وجرح) مدنية، مقابل كل مقاتل، بالمقارنة مع فترة رئاسة جو بايدن، فانخفضت هذه النسبة إلى 0.2. أرقام لا توحي بضربات دقيقة، بل بعمليات وأنماط تترك خلفها مناطق كاملة مليئة بالقتلى والجرحى. 

الدكتور عامر السبايلة -أستاذ جامعي وخبير في مجال الجيوسياسة والأمن الوطني- يُرجع هذه الظاهرة إلى طبيعة التنظيمات ذاتها، ويرى في تصريح خاص لفريق التحقيق أن هذه التنظيمات “تجد غطاءها بالاندماج بين السكان، وعليه غالباً ما تعقد اجتماعاتها في أماكن مكتظة بالبشر”.

وترفض ميا تومسون، كبيرة مسؤولي المناصرة في مركز وقف النار للحقوق المدنية بالمملكة المتحدة، تفسير هذه الخسائر بوصفها ثمناً حتمياً للحرب على الإرهاب.

وتقول لفريق التحقيق إن تكرار هذا النمط من الضربات يكشف عن “أوجه قصور مستمرة في التدابير الاحترازية، وإخفاقات متكررة في تقييم الوجود المدني”. وتضيف ميا تومسون: “يعتمد تحديد ما إذا كانت هذه الأنماط ترقى إلى انتهاكات منهجية لمبدأ التناسب على تقييم قانوني خاص بكل حالة على حدة، يشمل العمليات الفردية، وممارسات الاستهداف، وقرارات القيادة، والسياسات والإجراءات المؤسسية الأوسع نطاقاً”. 

أما الدكتور عامر السبايلة -أستاذ جامعي وخبير في مجال الجيوسياسة والأمن الوطني- فينهي حديثه بالقول: “لا تستطيع أي إدارة أميركية وقف التداعيات طالما أن الأولوية هي مكافحة الإرهاب”.

مفارقة “السلام القاتل”

لم تكن هذه الفجوة في الأرقام، والتي أثبتت سقوط مدنيينِ مقابل مقاتل واحد، ناتجة عن خلل تقني في أجهزة الطائرات المسيرة، أو عن سوء تقدير ميداني عابر، بل كانت نتيجة قرارات اتُخذت خلف أبواب مغلقة في المكتب البيضاوي، وتُرجمت على الأرض على هيئة أنماط موثّقة. ففي الوقت الذي كان باراك أوباما يخطب بصفته حائزاً جائزة نوبل للسلام، ودونالد ترامب يسعى إليها بإلحاح، كانت إدارتهما تقودان الفترات الأكثر فتكاً بالمدنيين في الحرب الجوية الأميركية.                                                                                                                            

المسافة بين واشنطن ووادي قطانة ليست جغرافية فحسب، بل قانونية أيضاً. فبين القرار الذي يُتخذ في المكتب البيضاوي، والصاروخ الذي يسقط على خيمة في اليمن، تقف منظومة من الوثائق والسياسات تُعرف باسم “قواعد الاشتباك”؛ وهي القواعد التي تحدد متى، ولماذا، وكيف يمكن استهداف شخص أو موقع بعينه.

ويكشف تتبع مسار هذه القواعد عن رحلة ممنهجة لإعادة تعريف اليقين في قرارات القتل، وتقليص قيمة الشك لصالح توسيع دائرة الاستهداف.

في أيار/مايو 2013، وقّع أوباما وثيقة (Presidential Policy Guidance (PPG، التي وضعت أحد أكثر معايير الاستهداف تشدداً في الحرب على الإرهاب. فقد اشترطت الوثيقة توفر “اليقين شبه التام” قبل تنفيذ أي ضربة خارج مناطق الاشتباك المعلنة، للحيلولة دون إصابة مدنيين، وربطت القرارات الحساسة بمراجعة مركزية رفيعة المستوى من البيت الأبيض، إضافة لاشتراطها وجود موافقة صريحة قبل أي عملية جوية.

في عام 2017، جاء ترامب بوثيقة “المبادئ والمعايير والإجراءات” (Principles, Standards, and Procedures – PSP). ورغم احتفاظها، ظاهرياً، باللغة ذاتها بشأن حماية المدنيين، فقد نقلت جزءاً كبيراً من سلطة اتخاذ القرار إلى  رؤساء الوكالات الأمنية والعسكرية، وقلّصت من المراجعة المركزية داخل البيت الأبيض، معتمدةً “اليقين المعقول” عوضاً عن “اليقين شبه التام”، مطبقةً معايير أدنى عند استهداف المدنيين البالغين. بمعنى آخر؛ أصبحت حياة المدني رسمياً أقل قيمة في حسابات الاستهداف.

 الدكتور عامر السبايلة يقرأ هذا التحول كنتيجة منطقية لمنطق “الحرب على الإرهاب” ذاته، مشيراً إلى أنّ عامل السرعة في الاستجابة دفع نحو إعطاء مساحة للقيادة الميدانية لاتخاذ القرارات بصورة بعيدة عن المركزية. “وقد رأينا نتيجة هذه السرعة في سوريا والعراق وغيرها”، وفق السبايلة.

غير أن المسؤول السابق في مركز حماية المدنيين بالبنتاغون، ويس براينت، يذهب أبعد من ذلك في تصريحه لفريق التحقيق، واصفاً ما يجري في الفترة الرئاسية الثانية لترامب بـ”تدهور واضح في أي التزام حقيقي بالقانون الدولي وقواعده”، مشيراً إلى “تصاعد ملموس في التسامح مع الخسائر المادية، وشهية غير مقيدة للقتل تنتقل من الرئيس ووزير الدفاع إلى أسفل سلسلة القيادة”.

وتعلق آني شيل، مديرة مكتب الولايات المتحدة الأميركية في مركز حماية المدنيين في النزاعات (CIVIC) بالقول: “كانت الضربات الجوية مميتة بشكل خاص للمدنيين في المدن والمناطق المأهولة الأخرى، حيث لا تكتفي الأسلحة المتفجرة بقتل المدنيين وإصابتهم، بل تُلحق أيضاً أضراراً بالبنية التحتية التي يعتمدون عليها للبقاء”.

أما أثر هذه القواعد، فلا يظهر في نصوصها فحسب، بل في نتائجها على الأرض. فبيانات التحقيق تكشف أن كل تعديل في وثائق الاشتباك انعكس بوضوح على نمط الضربات الجوية الأميركية؛ سواء في نسبة الضحايا المدنيين في كل ضربة، أو في العلاقة بين أعداد القتلى والجرحى، وهي مؤشرات تغيّرت على نحو لافت مع كل تحول في قواعد الاستهداف.

وفي تصريحات لأريج، تؤكد منظمة “مواطنة” لحقوق الإنسان أن إدارة باراك أوباما جعلت من هجمات الطائرات المسيّرة الأداة الرئيسة في عمليات مكافحة الإرهاب، وهو ما انعكس على طبيعة الضربات الجوية وعددها في اليمن، مقارنة بالسنوات السابقة.

وبحسب المنظمة، تسارع هذا النهج خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، بعد أن قلّصت إدارته القيود القانونية المفروضة على الجيش الأميركي، وأعادت تصنيف عدد من المناطق بوصفها “مناطق عدائية نشطة”، في إطار ما عُرف باستراتيجية تفكيك قيود أوباما على حرب الطائرات المسيّرة.

وترى المنظمة أن هذه التغييرات لم تؤدِّ إلى زيادة عدد الهجمات فحسب، لكنّها اقترنت أيضاً بارتفاع أعداد الضحايا والخسائر المدنية.

تركّزت نسب الضحايا في 369 ضربة من مجمل الضربات، حيث سُجّلت 515 ضربة من دون ضحايا. وتجدر الإشارة إلى أن التحليل يبدأ من عام 2007، ولا يشمل مرحلة غزو العراق وما رافقها من خسائر مدنية واسعة.

فبحسب قاعدة بيانات منظمة Iraq Body Count، قُتل ما لا يقل عن 2,372 مدنياً عام 2003، و1,405 مدنيين عام 2004، ما يشير إلى مستويات مرتفعة من الفتك خلال ولاية جورج بوش.

واستُبعدت هذه الفترة من التحليل لعدم توفر بياناتها في قاعدة Airwars، ولتعذر دمجها مع بيانات مصدر آخر بسبب اختلاف منهجيات التوثيق وجمع البيانات، ما قد يؤثر في قابلية المقارنة بين النتائج.

التوقيت الذي لا يخطئ المدنيين  

لم يكن اختيار الساعة السادسة صباحاً لضرب خيام عائلة “جلجلة” في المعجلة محض صدفة عسكرية أو خطأ في التقدير الزمني. إذ يكشف تحليل البيانات المتقاطع لأكثر من 884 عملية جوية، عن وجود “أنماط زمنية ” متكررة، وأن الضربات الأكثر فتكاً بالمدنيين تتركز في ساعات محددة: ليلاً حتى ساعات الصباح. 

 يُعرف هذا التوقيت بـ “وقت الغفلة”، حين يكون الهدف في أقصى حالات السكون داخل منزله أو خيمته. يشرح ويس براينت، رقيب أوّل متقاعد، أنّ “السياسات الوحيدة التي تؤثر في توقيت الضربات الأميركية تتعلق بالحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين”. فتوقيت الضربات “مرتبط في معظم الحالات بالعمليات البرية الليلية التي تُشنّ في وقت متأخر من الليل أو عند الفجر، وبشكل طبيعي تأتي معظم الضربات الجوية متزامنة مع هذه العمليات”. 

غير أن التوقيت الذي يضمن، من منظور عسكري، وجود الهدف في مكانه، يعني، من منظور إنساني، وجود أصغر أفراد أسرته إلى جانبه، وهو ما يزيد تلقائياً من احتمالات سقوط “ضحايا جانبيين”. 

يطلق خبراء عسكريون على هذه الحالة اسم “تجمعات الفرصة”، إذ يُنظر إلى التجمّع العائلي بوصفه فرصة تضمن وجود الهدف في مكان واحد. ويقول براينت إن “معظم حالات سقوط المدنيين كانت، جزئياً، نتيجة الإخفاق في تحديد وجودهم”، مضيفاً أن ضعف فهم القوات الأميركية للبيئات المدنية؛ بما فيها الأعراف الثقافية في المجتمعات العربية، ظلّ “مشكلة حاول البنتاغون مراراً معالجتها”. 

 حين تُلغي هوية التنظيم حصانة المدنيين

في واقعة المعجلة، لم يكن هناك دليل ميداني يؤكد وجود الهدف بين عائلتي آل حيدرة وآل عنبور، بل مجرد اشتباه. ومع ذلك، كان هذا الاشتباه كافياً للتعامل مع المنطقة بأكملها بوصفها بيئة معادية، وتبرير إطلاق خمسة صواريخ، أسفرت عن مقتل 41 مدنياً مقابل القضاء على 14 مقاتلاً فقط. 

 تشير البيانات إلى أن ما جرى لم يكن استثناءً، إنما يعكس نمطاً متكرراً. فحصانة المدنيين في العمليات الجوية الأميركية ليست معياراً ثابتاً، لكنّها تتبدل تبعاً لهوية التنظيم المستهدف. وما إن يُصنَّف الهدف ضمن “القاعدة” أو “داعش”، حتى تضيق مساحة الحماية المدنية، وتتسع صلاحيات القصف، ويصبح الاشتباه كافياً للمضي في الضربة، دون حاجة إلى يقين بصري أو دليل ميداني يؤكد وجود الهدف. 

الدكتور عامر السبايلة يصف هذه الآلية بضربات البصمة -الاستهداف القائم على الأنماط السلوكية لا على هوية محددة- “تجعل النمط والسلوك الفردي للمدني قابلاً للتطابق مع النمط المستهدف، حتى لو لم يكن له صلة بالتنظيم”. ويضيف أنّ صعوبة التحقق تخلق “فوضى استخباراتية”، فلا أحد يعرف بعد الضربة مَن استُهدف فعلاً.

ووفقاً للباحثة القانونية، نور كلزي، فالقانون الدولي الإنساني، لا يحظر استخدام تحليل الأنماط السلوكية بوصفه أداة مساعدة، لكنّه لا يجيز الاعتماد عليه وحده أساساً لاتخاذ قرار بالهجوم، فالإشكال القانوني لا يكمن في التحليل ذاته، وإنما في الاستناد إليه دون بلوغ مستوى اليقين الذي يفرضه القانون بشأن الطبيعة العسكرية للهدف، ولا سيّما عندما يتعلق الأمر بتجمعات مدنية يُتوقع وجود أعداد كبيرة من المدنيين فيها.

الذكاء الاصطناعي والثمن المدني

وقفت الولايات المتحدة على عتبة ثورة جديدة، عندما أطلقت وزارة الدفاع مشروع Maven عام 2017، كانت الوعود واضحة: نظام ذكاء اصطناعي متطور يعالج البيانات بسرعة، يحدد الأهداف بدقة عسكرية فائقة، ويقلل الأضرار الجانبية على المدنيين. لكنّ الواقع على الأرض كان مختلفاً تماماً. 

امتد استخدام هذه التكنولوجيا إلى العمليات الأميركية ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق، وإلى مهام المراقبة والاستهداف في اليمن والصومال. وفي شباط/فبراير 2024 وحده، قدّم المشروع دعماً لـ85 عملية جوية في المنطقة. 

وتقول ميا تومسون، كبيرة مسؤولي المناصرة في مركز وقف إطلاق النار للحقوق المدنية، إن هذه الأنظمة “قد تسرّع وتيرة الهجمات وتوسّع نطاقها، بما يحدّ من الجهود الرامية إلى تقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين ويضعف المساءلة”. وتضيف أن موثوقية هذه الأنظمة تبقى رهينة جودة البيانات التي يُدرَّب عليها الذكاء الاصطناعي؛ ما يعني أن البيانات الخاطئة أو الناقصة قد تقود إلى توصيات استهداف غير دقيقة.

وقد تواصل فريق التحقيق مع عدة جهات في الولايات المتحدة الأميركية للحصول على تعليق حول الأنماط العسكرية التي كشفت عنها البيانات، والخسائر المدنية الناتجة عنها، كان آخرها إرسال طلب من أجل حق الرد عبر الموقع الرسمي للقوات الجوية الأميركية بتاريخ 3 حزيران/يونيو 2026، ولم يصلنا ردّ حتى تاريخ نشر التحقيق.

لعل تصريح إميلي تريب، المديرة التنفيذية لمنظمة Airwars، يلخّص الأنماط التي كشفها هذا التحقيق: “يُنظر إلى المدنيين باعتبارهم أمراً ثانوياً، إن أُخذوا في الحسبان أصلاً. فما زال هناك آلاف المدنيين الذين لم يُوثَّق مقتلهم، ومن غير المرجح أن يُعترف بهم يوماً”. ومع ذلك، تشير إميلي إلى أن ضغوط المنظمة وجهودها في التوثيق دفعت، خلال العقد الأخير، إلى تحقيق بعض التقدم، من أبرز مظاهره اعتراف الولايات المتحدة بمقتل أكثر من 1,400 مدني في سوريا والعراق. 

الحق في التعويض والمساءلة 

تقول ماديسون هونكيه، مديرة البرامج في مكتب الولايات المتحدة الأميركية  في مركز حماية المدنيين في النزاعات (CIVIC): “يتوفر نظام فيه التمويل، لكن تنعدم فيه المساءلة، مما يترك المدنيين دون اعتراف بمعاناتهم أو دعم أو مسار حقيقي نحو العدالة”.

غادرت فاطمة تلك الخيمة المنكوبة منذ سنوات، وبات لها اليوم جدران صلبة تضمّ طفلاتها الثلاث، لكن رغيف الخبز الذي لم يكتمل إعداده فجر ذلك اليوم في “المعجلة”، لايزال يمثّل رمزاً لحياة توقفت على حين غفلة. فبينما كان الرؤساء في واشنطن يوقعون على العمليات الجوية ويتحدثون عن جوائز نوبل للسلام، كانت أوامرهم تتحول فوق الأرض إلى أنماط عسكرية عابرة للحدود، تسترخص أرواح المدنيين وتكتفي بتقديم تعويضات مادية هزيلة؛ تعويضات بقيت أرقاماً بخسة لا تكاد تكفي ثمن ذلك الرغيف الذي سُرق من أفواه عائلة جلجلة.  

فاطمة، التي انتُشلت من بين أفراد عائلتها ناجية وحيدة، تخوض اليوم، تحت سقف بيتها الجديد، حرباً أخرى ضد السرطان، وضد سماء لم تعد قادرة على الوثوق بها. ومع كل أزيز طائرة يشقّ الصمت، تهرع إلى احتضان طفلاتها، لا خوفاً على حياتها هذه المرة، إنما خشية أن يعيد التاريخ نفسه، وأن تصبح إحداهن “الناجية الوحيدة” التالية من عائلة جديدة. 

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف أريج