الملاعب والدم.. كيف تحولت كرة القدم العراقية إلى مسرح للقتل وسيطرة الأعراف العشائرية

عابر – العراق

منير جاسم الجبوري

لم يعرف الشاب حيدر إسكندر، البالغ من العمر ستة عشر عامًا، أن ذهابه للعب كرة القدم في 15 يوليو (تموز) الحالي، سيودي بحياته، فقد تسببت مشاجرة كروية داخل أحد ملاعب منطقة البلديات، بقتله بعد تربص مجموعة من الشبان أقدمت على طعن المجني عليه بعدة طعنات متتاليّة باستخدام السكاكين.

قصة مأساوية

وعن تفاصيل الحادثة، يروي هاني وارد نجم العكيلي، وهو عمّ الشاب المقتول حيدر في حديث لـ”عابر”: “بدأت الحادثة داخل ملعب لكرة القدم في منطقة البلديات، عندما شب شجار بين حيدر إسكندر والمدعو يوسف صبار الباوي، بعد ذلك هرع يوسف للاستنجاد بأولاد عمه وانتظر خروج حيدر بالقرب من أحد المتنزهات لينهالوا عليه ضربًا بالسكاكين مخلفين طعنات في منطقة الكتف والصدر والظهر والرقبة” وهم سبعة أفراد بحسب العكيلي.

ويتابع: “لم نعرف إلا بعد فترة قصيرة من الواقعة، وذلك عن طريق مجموعة من الأطفال الذين أبلغونا أن حيدر مرمي على الأرض مضرجًا بدمائه” ويضيف: “عند وصولنا، قمنا بنقله فورًا إلى المستشفى الكندي، وقد كان ينازع الموت رغم محاولات إنقاذه من قِبل الكوادر الطبيّة هناك، لكنه في الساعة الرابعة من فجر الخميس فارق الحياة” متأثرًا بجراحه.

وأشار إلى أن والد الجاني “حاول أن يُقدِم على خطوة استباقية، لتبرئة ابنه من الحادثة، بعد أن قام بتسجيل دعوى في مركز الشرطة ضد حيدر مبينًا أنه هو من بدأ الشجار والضرب. لكن بعد وصول المعلومات بشكل سريع إلى مركز الشرطة من قبل المستشفى الذي نُقل إليه حيدر، تمّ التحفظ على الجاني وإيداعه الحجز مما سهل عملية توقيفه”.

 يومان قبل العزاء

مرّ يومان، قبل أن تقبل العائلة إقامة مجلس العزاء لتقبل التعازي، يقول العكيلي: “رفضنا إقامة مجلس عزاء عن روح فقيدنا، إلّا بعد تسليم الشخص الثاني المتسبب بقتل حيدر إلى الشرطة” علمًا أن جميع من شيوخ العشائر قصدوا عائلة المجني عليه حيدر إسكندر، مطالبين بـ”عطوة عشائرية” وهو إجراء تعتمده العشائر العراقية من أجل أخذ فترة تهدئة، قبل أن يجلس طرفي النزاع من كبار العشائر، من جهة الجاني الذي ارتكب جريمة القتل والمجني عليه، لوضع الاجراءات المناسبة التي تحد من توسعة الأحداث ودفع الدية الماليّة وفق تسوية “الفصل العشائري”.

وهذا ما حصل بالفعل، إذ تمّ تسليم الجاني الثاني إلى القوى الأمنيّة، وأقامت العائلة العزاء يوم السبت 18 يوليو (تموز)، في منطقة البلديات. وقد طالب العكيلي بضرورة “تحقيق العدالة من خلال تدخل حكوميّ معني برئاسة الوزراء ووزارة الداخلية لأخذ حق المغدور حيدر وإنزال أشد العقوبات بحق الجناة”.

وعن حقيقة مقطع الفيديو الذي انتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الإجتماعيّ أكد أن “الشخص الذي كان برفقة حيدر أيضًا، لا يتعدى عمره 16 سنة، حاول مساعدته ونجدته وكان ينادي على الأطفال من حوله أن يساعدوه وبعد سقوط حيدر، هرع راكضًا الى الشارع العام للحصول على المساعدة ونقله إلى المستشفى” في حين اعتقد البعض أنه هو الشخص الجاني.

ولا يغفل العكيلي الحديث عن حيدر وشخصيته المسالمة: “عمره 16 سنة، وهو الإبن الأكبر بين ثلاثة أشقاء. مسالم ومحب للعبة كرة القدم ودائمًا ما يقصد الملعب المجاور لمنزله، يبعد عنه حوالي 400 متر فقط، وسبق له اللعب مع أحد أندية بغداد ضمن الفئات العمرية، وهو في نفس الوقت طالب مرحلة ثانية في المدارس المهنيّة” لكن هناك من قرر قتله على خلفية تافهة جدًا.  

العشيرة: لوقف نزيف الدم

ويتحدث شيخ عشيرة الخزرج سعد عبيد محمد صالح في محافظة صلاح الدين لـ”عابر” ويقول: “في العراق فقط، يُقتل شخص بسبب مباراة كرة قدم” ويضيف: “لو أن كل مباراة تحصل فيها مشاجرة أو شخص يتعرض للكسر أو للضرب أثناء اللعب يتم قتله، لشهدنا على موت الكثيرين من الشبان” ويضيف: “ما يحصل راهنًا هو نتيجة غياب العقاب القانونيّ الذي في حال توفر وتمّ تطبيقه بشكل جيد، لما حصلت كل هذه الحوادث”.

ويروي شيخ خزرج كيف أن “السنن العشائرية تحد من توسع الحوادث بعد وقوعها” أيّ أن الإجراء العشائري يوقف نزيف الدم الذي يمكن أن يستمر لفترات طويلة “لكن عندما يكون هناك فصل عشائري يجمع بين طرفي النزاع وتوضع بعض القوانين ويتوقف هذا النزيف”.

وينوه الشيخ إلى أن” قانون العشيرة يلزم ذوي القاتل مغادرة المنطقة التي يعيشون فيها وبيع جميع ممتلكاتهم وعدم التواجد فيها مرة أخرى، لضمان عدم مصادفة أيّ شخص من ذوي القاتل بأهالي المقتول مستقبلًا”.

 يُذكر أن الفصل العشائري ” الدية “، هي شكل من أشكال التسوية وتُشكل واحدة من حالات الترضية للطرف الذي تعرض للظلم أو القتل أو الضرب بحسب الحادثة وحيثياتها، وتختلف من ناحية دفع الدية من محافظة إلى أخرى. فمثلًا: دية قتل شخص في محافظة صلاح الدين، هي 100 مليون دينار عراقي (أكثر من 60 ألف دولار أميركي)، في حين حادث القضاء والقدر، كحادث سير أو دهس، فهي 15 مليون دينار (10 آلاف دولار)، وهذه الأرقام تختلف عن بغداد أو مناطق الجنوب والتي عادة ما تكون مرتفعة أكثر من محافظات الغربية والشمال، حسبما يقول الشيخ.

ويلفت الشيخ إلى أن “دفع الدية لا يعني التنازل عن الحق القانونيّ وإنما هو فقط لإيقاف نزيف الدم وضمان عدم توسعة عملية القتل كي لا تُحصد أرواح أبرياء من العائلتين”.

تدخلات عشائرية رياضية

 وتعليقًا على الحادثة، يقول المدرب الكروي حسن أحمد في حديث لـ”عابر”: إن “الرياضة محبة واحترام، والحوادث التي نشهدها من عنف وقتل بسبب مشاجرة داخل الملعب مستجدة وحديثة ومعيبة بحق الرياضة العراقية”.

ويضيف: “من يتعدي على الآخرين لديه ميول إجرامية، وبعيد عن الإنسانيّة، يجب محاسبته بأشد العقوبات ليكون عبرة لمن يحاول أن يُقدِم على هكذا فعل مرة أخرى”.

وعن أعمال الشغب والتصادم أثناء المباراة، يرى أحمد أن مثل هذه الأمور “تحصل بسبب انعدام الروح الرياضيّة، لذا لا بد من قوانين رادعة” ويتابع: “تشهد لعبة كرة القدم تدخلات عشائرية؛ تفاجأت أثناء تدريبي منتخب شباب العراق عام 2008، بأن والد أحد اللاعبين طلب بفصل عشائري، بعد أن أصيب إبنه بكسر في اليد خلال لعبه مباراة ودية”.

ويختم: “تبدلت أحوال الرياضة كثيرًا، كانت تسود الاحترام والمحبة بين اللاعبين والمشجعين، وكانت تجمعنا علاقات عائلية مع غالبيّة اللاعبين من زمن الثمانينيات، أما اليوم فقد دخلت الإجراءات العشائرية على هذه اللعبة”.

“لا” للتعصب الرياضي

وفي سياق متصل، يقول رئيس رابطة مشجعي القوة الجوية علي المالكي: “يؤسفنا ما شهدته الرياضة مؤخرًا من حالات غير إنسانيّة بسبب التعصب الرياضي خاصة في موضوع مقتل شاب كان يمارس لعبة كرة القدم” ويضيف لـ”عابر”: “لا نعرف أصل المشكلة لكن لا يمكن لأي إنسان أن يُقدم على قتل آخر لمجرد الاختلاف معه في موضوع اللعب أو التشجيع أو أي مسألة أخرى”.

ويرى أن “التعصب الرياضي موجود في كل دول العالم” لكن المشكلة في العراق أنها تصل إلى حد “الشجار والاشتباك حتّى الموت”. ويختم: “دائمًا ما ندعو مشجعي فرقنا وباقي الأندية الاخرى، عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، للتحلي بالروح الرياضية والابتعاد عن التعصب الذي يمكن أن يؤثر على شبابنا ورياضتنا وملاعبنا”. 

يشار إلى أن مثل هذه الحوادث، تحصل بين الحين والآخر، فقد شهدت مباراة الزوراء والقوة الجوية تأجيل بسبب مقتل مشجع نتيجة التدافع في 15 مارس (آذار) 2019، كما تشهد بعض المقاهي مشاجرات وتراشق بالأيدي يصل إلى استخدام الكراسي بسبب التعصب الرياضيّ وعدم تقبل خسارة أنديتهم التي يشجعونها محليّة كانت أم دوليّة.

في المحصلة يبقى السؤال الأهم: هل تستحق مباراة كرة قدم كل هذا الإجرام أم أن قتل الناس بات بهذه السهولة؟ علمًا أن من أقدم على فعل القتل، في حادثة الراحل حيدر إسكندر، مراهق أيضًا، ما يشّي بأن ثقافة الموت يتشربها البعض منذ الصغر، ما يُشكل خطرًا إجتماعيًا فاقعًا.