زيادة الرسوم وتعليق التسجيل يهددان تعليم أبناء اللاجئين اليمنيين في الأردن

عابر- الأردن

إسراء الأعرج

تحول قرار وزارة التربية والتعليم زيادة الرسوم الدراسية في المدارس الحكوميّة الأردنيّة منذ فبراير (شباط) الماضي، إلى عامل يهدد بقطع الطريق أمام عدد من الطلبة لمواصلة تعليمهم، وقد وجدت أسر يمنية لاجئة نفسها عاجزة عن دفع كلفة تفوق قدرتها، ما يضع مستقبل الأطفال أمام احتمال التسرب القسريّ من الصفوف الدراسيّة.

إذ قررت الوزارة تعديل الرسوم المدرسيّة التي تستوفى من الطلبة غير الأردنيّين في المدارس الحكوميّة لتصبح 300 دينار أردني (423 دولار) للفصل الدراسي الواحد بدلًا من 30 دينار، وذلك بعد موافقة مجلس الوزراء. يستثني القرار طلبة الصفوف من الأول حتى السادس أساسي، وأبناء الأردنيات من غير الأردنيّين، وأبناء قطاع غزة في المملكة، إضافة إلى الطلبة المسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. علمًا أنه يمكن الاستفادة من الرسوم المخفضة في حال فتح باب التسجيل لدى المفوضية من جديد.

فمنذ 23 يناير (كانون الثاني) 2019، تم تعليق التسجيل لطالبي اللجوء في الأردن ولا يزال القرار ساري المفعول حتى الآن، على أن يتمّ الإعلان عن أيّ تغييرات رسميّة عبر المفوضية. 

ويشكل استمرار هذا التعليق نقطة تحول مفصلية في مسار ملفات اللجوء، إذ ينعكس مباشرة على أوضاع آلاف العائلات اللاجئة التي وجدت نفسها عالقة بين وضع قانوني غير مكتمل واحتياجات معيشية وتعليميّة وصحيّة متزايدة.

تعليم مهدد بالضياع

في العاصمة الأردنية عمان يقيم اللاجئ اليمني الأربعيني عبدالكريم عياش منذ ديسمبر (كانون الأول) 2012، ويعيل أسرة مكونة من زوجة وأربعة أبناء، بينهم طفلان مسجلان لدى مفوضية اللاجئين من مواليد الأردن، فيما لم يتمّ تسجيل طفلين آخرين (14 و16 سنة) من مواليد اليمن، بعد وصولهما إلى الأردن عام 2021، وكان قد أغلق باب تسجيل اللاجئين الجدد.

يروي عياش واقع حياته في الأردن منذ لحظة وصوله لـ”عابر”: “كنت أعمل بشكل متقطع براتب يقارب 280 دينارًا أردنيًا (395 دولار) في الشهر” وذلك قبل أن يتوقف عن العمل في عام 2026 بسبب ظروف صحية، سببت له مشاكلًا في العمود الفقري والقلب وضغط الدم، في وقت لا تعمل فيه زوجته وتعاني هي الأخرى من مشكلات صحية تحتاج تدخلًا جراحيًا.

وبسبب ذلك يقتصر دخل الأسرة حاليًا على مساعدة شهرية من المفوضية تبلغ 125 دينارًا أردنيًا (176 دولار) إلى جانب مساعدات محدودة من الأقارب، إضافة إلى ذلك، يعاني راهنًا من تأخره في دفع ديون متراكمة، ما يجعل تأمين الرسوم الدراسية أمرًا غير ممكن، بحسب عياش.

استمرار هذه الرسوم يهدد التحاق الطفلين بالعام الدراسي الجديد، يقول عياش، بعد أن واجها صعوبات في التسجيل وفي إجراء امتحانات الفصل الدراسي السابق، نتيجة عدم الدفع، مشيرًا إلى أن أحدهما حُجبَت نتيجته والآخر تعرّض لإنذار بالطرد من الامتحان قبل تسوية مؤقتة للرسوم، لتمتد آثار القرار نفسيًا على الأبناء.

ويختم عياش: “إن حرمان أبناء اللاجئين من التعليم في ظل أوضاع أسرهم الاقتصاديّة والصحيّة الصعبة يضعهم أمام مستقبل مجهول، فنحن لم نحلم بأكثر من حياة كالحياة”.

ولم تقتصر تداعيات القرار على الأسر التي تعاني أصلًا من ضعف الدخل، بل ازدادت وطأته على عائلات تواجه أزمات معيشية متراكمة جعلت استمرار تعليم أبنائها أكثر صعوبة. 

أزمة بعد توقف الدعم

وبينما تواجه بعض الأسر صعوبة في تحمل الرسوم الجديدة، تجد أخرى نفسها أمام أزمة أشد تعقيدًا بعد فقدان مصدر دخلها الوحيد أيضا، لتصبح كلفة التعليم عبئًا إضافيًا فوق أعباء المعيشة اليومي، وهذا ما حدث مع اللاجئ اليمني الأربعيني حسين علي حيدر النفيش الذي يروي لـ”عابر” تفاصيل أوضاع أسرته بعد توقف المساعدة الشهريّة التي كانت تصلهم من المفوضية، ما جعل واقعهم مأزوم أكثر. 

ويقول: “لست قادرًا على تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرتي المكونة من ستة أفراد، بينهم ثلاثة أطفال في سن الدراسة” ويسأل: “فكيف سأدفع الرسوم الفصليّة المطلوبة؟”. 

يُخبرنا أكثر عن ما جرى: “كنا نعتمد على راتب المفوضية بقيمة نحو 110 دنانير أردنية (155 دولار)، قبل أن يتمّ إيقافها مؤخرًا، ما أدى إلى فقدان المصدر المالي الوحيد للأسرة”. علمًا أن هذا الأمر يأتي في سياق خفض المجتمع الدولي للمساعدات المقدمة. 

عجز كامل

وفي سياق متصل، تعيش اللاجئة اليمنية أم محمد(40 عام) في الأردن مع أسرتها المكوّنة من سبعة أفراد، بينهم خمسة أطفال في سن الدراسة، بعد أن فرت من الحرب في اليمن عام 2019.

تقول لـ”عابر”: “وحده زوجي مُسجل كلاجئ لدى المفوضية” وتضيف: “لا تملك الأسرة أيّ مصدر دخل، ما يجعلنا عاجزين تمامًا عن تغطية الرسوم الجديدة، وغير قادرين على تأمين أيّ بديل، ما يهدد بخروج الأطفال من المدرسة” وذلك بعد ارتفاع الرسوم ووضع الأسرة أمام عبءٍ مالي يفوق قدرتها بحسب أم محمد.

الأزمة لم تبقَ مالية، فتشير أم محمد إلى أنها انعكست بشكل واضح على الوضع النفسي والصحي في ظل ضغوط معيشية متراكمة ومعاناة صحية خاصة بعد محاولات التواصل مع المدرسة والجهات المعنية والتي لم تفضِ إلى أيّ استجابة أو حلول عملية، رغم تكرار المطالبات.

لم تكن هذه القصص الوحيدة، إذ تمّ توثيق 14 حالة مشابهة لأسر لاجئة تعيش ظروفًا متقاربة من حيث تدهور الوضع المعيشيّ، وتوقف أو تراجع الدعم، وتفاقم الأوضاع الصحية. جميعها لأسر يمنية فرت من الحرب لتجد نفسها أمام أزمات من نوع آخر في بلد اللجوء، ما عمق هشاشة أوضاعها وتركها أمام تحديات يومية قاسية.

اليمنيون بالأرقام

بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تشير إلى أن عدد اللاجئين اليمنيّين المسجلين في الأردن يبلغ 6097 لاجئاً وفق آخر تحديث.

فيما يبلغ عدد الطلبة اليمنيّين في المدارس الحكومية خلال العام 2026 في مختلف المراحل 3231 طالبًا وطالبة، منهم 977 طالبًا يطبق عليهم القرار، فيما يستثنى منه طلبة الصفوف الأساسية حتّى السادس، بحسب بيانات وزارة التربية والتعليم.

الأردن خارج اتفاقية اللاجئين

يوضح الناطق الرسمي باسم مفوضية اللاجئين في الأردن، يوسف طه،  لـ”عابر”، أن تسجيل اللاجئين يخضع للإجراءات المعمول بها، فالأطفال المولودين داخل الأردن لأسر لاجئة مسجلة يتمّ إضافتهم إلى ملفات ذويهم، فيما لا يشمل ذلك من دخلوا إلى البلاد بعد إغلاق باب التسجيل في عام 2019 حتّى وإن كان أحد الوالدين مسجلًا، باعتبار أن الإضافة تقتصر على تحديث بيانات الأسر المسجلة مسبقًا.

وفيما يتعلق باللاجئين غير المسجلين، يؤكد أن المفوضية تدعم الحكومة في إدارة شؤون اللاجئين، وأن سياسات وإجراءات التسجيل تعود للدولة المضيفة، مشيرًا إلى أن الأردن ليس طرفًا في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، وأن دور المفوضية يقتصر على الدعم الفني دون التدخل في التشريعات الوطنيّة، مثمنًا السياسات التي تنتهجها الحكومة الأردنية في استضافة اللاجئين وتسهيل عدد من الخدمات المقدمة لهم.

وفيما يخص التعليم، أوضح أن الرسوم والإعفاءات تخضع للأنظمة والتعليمات الوطنيّة، وأن هذا الملف خارج اختصاص المفوضية المباشر، مؤكدًا على استمرار التعاون مع الحكومة والشركاء الدوليّين لضمان وصول الأطفال اللاجئين إلى التعليم ضمن الأطر المتاحة وبما يتوافق مع السياسات الوطنيّة.

التعليم حق غير قابل للتمييز

يقول المستشار في حقوق الإنسان الدكتور رياض الصبح إن اتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة يكفلان حق كل طفل في التعليم دون تميّيز، بصرف النظر عن وضعه القانوني أو كونه لاجئًا أو طالب لجوء، مؤكدًا أن هذا الحق يشمل كلّ طفل موجود على إقليم الدولة.

ويضيف لـ”عابر” أن الأردن، وإن لم يكن طرفًا في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، إلا أن ذلك لا ينتقص من الالتزامات الواردة في الاتفاقيات الدولية الأخرى ذات الصلة بحقوق الإنسان.

وفيما يتعلق بمسؤولية توفير التعليم، يؤكد الصبح أن الالتزامات الدولية تقع على عاتق الدولة باعتبارها صاحبة الولاية على إقليمها، بينما يقتصر دور مفوضية اللاجئين، في حالات تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين، على المساهمة في دعم الدول المستضيفة ضمن مبدأ تقاسم الأعباء مع المجتمع الدولي، دون أن يعفي ذلك الدولة من مسؤولياتها.

ويلفت إلى أن معالجة الأعباء المترتبة على استضافة اللاجئين ينبغي أن تتمّ عبر تعزيز مساهمة المجتمع الدولي في تقاسم هذه الأعباء، بدلًا من اتخاذ إجراءات قد تؤثر في إمكانية التحاق الأطفال بالتعليم، مؤكدًا أن هذا الحق يجب أن يُصان لجميع الأطفال، سواء كانوا لاجئين أو طالبي لجوء أو غيرهم.

وقد تواصلت “عابر” مع وزارة التربية والتعليم للحصول على تعليق واستيضاح سياق ما يجري، واكتفت الوزارة بالقول إن القرار أصبح حكوميًا صادرًا عن مجلس الوزراء بموافقة رئاسة الوزراء، وليس قرارًا خاصًا بها، وأن دورها يقتصر على التنفيذ، فيما تعود صلاحية التعديل أو الإلغاء للجهة التي أقرته.