إخفاء قسري لصحافي مصري .. وشبهات بدوافع مذهبية عشية عاشوراء

عابر- مصر

مرّت ثلاثة أيام، ولا يزال المصور الصحافي المصري حيدر قنديل، مخفيًا قسرًا، من دون صدور أيّ بيان رسميّ من السلطات الأمنيّة في البلاد يكشف ملابسات ما يجري، وسط ترجيحات تفيد بأن قوة أمنيّة ألقت القبض عليه ضمن حملة مصريّة تستهدف الناشطين الشيعة قبل “عاشوراء”.

ووفق رواية عدد من زملاء حيدر الصحافيّين، فإنه كان متواجدًا في مقر عمله داخل جريدة الدستور، مساء الاثنين 22 يونيو (حزيران)، قبل أن يخرج منها وينقطع التواصل معه نحو السادسة والنصف مساءً.

لا معلومات جديدة

ويؤكد يوسف قنديل، وهو شقيق حيدر، أنه “عند الساعة السابعة مساء من اليوم المذكور، قامت قوة من قطاع الأمن الوطني بالقبض على أخي حيدر قنديل من أمام جريدة الدستور (حي الدقي)” من دون معرفة الجهة التي تم اقتياده إليها.  

ويضيف لـ”عابر”: “حتّى الآن هو مخفيًا قسرًا ولا يوجد ثمّة معلومات عن مقر احتجازه، ولم يظهر في نيابة أمن الدولة”. ويُعلق: “لقد تقدمنا ببلاغ إلى النائب العام للكشف عن مكان احتجازه”، وكذلك كي تتمكن العائلة من التواصل معه.    

وفي سياق متصل، يذكر شقيق حيدر أنه في اليوم نفسه، قامت قوة من قطاع الأمن الوطني بمداهمة محل إقامة زوج شقيقته (مصطفى المبارك نيوزيلندي الجنسية) وحطمت محتويات شقته واقتادته إلى جهة غير معلومة، كما تمّ القبض على إسلام عبد الخالق أبو المجد وعمار عبد الخالق أبو المجد وحسين عمار عبد الخالق أبو المجد وأمين أحمد وعمرو عبد الله وفتحي مختار، وجاري حصر أعداد الموقوفين والمخفيين.

ليست المرة الأولى

وعن ما جرى، قالت الصحافيّة إيمان عادل في منشور على صفحتها في فيسبوك أمس الأربعاء: “إن قنديل مختفٍ، بعد أن نزل من مقر جريدة الدستور مساءً، وانقطع التواصل معه تمامًا”.

وأضافت عادل: “كنت على تواصل مستمر مع حيدر أمس على مدار اليوم، وذلك بسبب إلقاء القبض على أفراد من الشيعة المصريين قبل ذكرى عاشوراء، ومن بينهم زوج أخته وهو مواطن نيوزيلندي شيعي”.

وكان حيدر يجمع الأعداد الدقيقة لمن تمّ القبض عليهم لتوثيق الوضع، حسبما تؤكد عادل. وكان بينهما مكالمة مشفرة مساءً لمتابعة آخر التطورات، ومن ثمّ اختفى.  

وتلفت عادل إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتمّ فيها إخفاء حيدر بسبب “كونه شيعيًا وله صوت؛ فقد تم القبض عليه سابقًا وسُجن لمدة ثمانيّة أشهر ذاق وقاسى فيها الأمرين”.

انتهاكات متكررة

من جهتها قالت عضو مجلس نقابة الصحفيين إيمان عوف في تصريح لموقع “القصة”: إن كل المؤشرات والشهادات والتفاصيل التي وصلت إلى النقابة منذ الإثنين “تشير إلى أن حيدر تمّ القبض عليه” مؤكدة على أن ما حدث يُعد انتهاكًا واضحًا في التعامل مع الصحفيين.

علمًا أن استدعاء الصحافيّين يفترض أن يتمّ في مصر من خلال نقابة الصحافيّين وليس على الشكل الذي حصل، وهي الجهة الممثلة لأعضائها ولها الحق بمعرفة طبيعة الاتهامات الموجهة لأيّ صحافي ومكان الاستماع له. أما ملاحقتهم والقبض عليهم وتتبعهم بهذه الطريقة “تمثل أزمة حقيقية وتمس الضمانات القانونيّة المكفولة للعاملين في المهنة” وفق عوف.

وشددت عوف على أن القانون وتعليمات النائب العام ينصان على “عدم جواز التحقيق مع أي صحفي في أي قضية إلا بعد إخطار نقابة الصحفيين”. ما يشكّل مخالفة واضحة لحقوق الصحافيّين الدستوريّة والقانونيّة واعتداء على حريتهم.

وتشهد مصر حالات اعتقال متكررة للصحافيّين لأسباب مختلفة من بينها منشورات على صفحات السوشيال ميديا، يجدون أنفسهم فجأة في غرف التحقيق وخلف القضبان بتهمة يجهلونها أحيانًا كثيرة.

وتحتل مصر المرتبة السادسة على مستوى العالم من حيث عدد الصحافيّين المعتقلين عام 2025، وفق لجنة حماية الصحفيين، وقد بلغ عددهم 17 صحفيًا مسجونًا بحسب اللجنة، بينهم رسام الكاريكاتير أشرف عمر. علمًا أن الرقم المذكور قابل للتبدل.

تضييق مذهبي

وفي بيان صادر عن صفحة تحمل إسم “شيعة مصر” في”فيسبوك”، تمثّل صوت المجتمع الشيعي في مصر حسبما يقولون، في 22 يونيو (حزيران) أعرب عن قلقه من استمرار “مظاهر التضييق” على المواطنين من الطائفة الشيعية بسبب معتقدهم ليس أكثر.

كما انتقد البيان إعلان وزارة الأوقاف اغلاق ضريح الإمام الحسين بحجة الصيانة وهذا ما يتكرر ويتزامن مع المناسبات الدينية الشيعية ما يثير التساؤلات حيال الأسباب الحقيقية.

من جهتها، أدانت المفوضيّة المصرية للحقوق والحريات وهي منظمة مجتمع مدني مستقلة مقرها القاهرة، في منشور على فيسبوك، القبض على عدد من أفراد المذهب الشيعي في مصر، ومن بينهم قنديل وزوج شقيقته مصطفى المبارك، مطالبة بالإفراج الفوري عنهما.

علمًا أن المبارك الذي جرى القبض عليه بسبب “ممارسة أنشطة بدون تصريح” يعاني من حالة صحيّة تستلزم علاج ومتابعة مستمرة، حيث خضع لعمليتين جراحيتين آخرها كان قبل القبض عليه بيوم واحد وهو ما يتطلب حصوله على رعاية صحيّة خاصة، وفق ما تؤكده المفوضيّة.

مخالفة دستورية

وعلى الرغم من أن الدستور المصري، ينص صراحة على أن حرية الاعتقاد مطلقة، وأن حرية الفكر والرأي مكفولة، إلّا أن ناشطين وحقوقيين مصريين يقولون إن هذه النصوص لا تنعكس على أرض الواقع، خصوصًا بالنسبة إلى الأقليات الدينية والمذهبيّة ومن بينهم الشيعة، الذين يواجهون صعوبات وقيودًا في ممارسة شعائرهم.

ويرى حقوقيون كثر أن ما حدث مع قنديل لا يمكن فصله عن التضييق الحاصل على أصحاب معتقدات دينية ومذهبيّة مختلفة. من هنا تؤكد المفوضية على أن التعامل الأمني الحالي مع الأفراد الشيعة لا يأتي بمعزل عن سياسة السلطات المصرية ضد الأقليات الدينيّة، إذ ألقت العام الماضي القبض على ما لا يقل عن 15 شخصًامن اتباع “دين السلام والنور الأحمدي” في مارس (آذار) وتمّ حبسهم احتياطيًا بحجة الانضمام الى جماعة أسست على خلاف أحكام القانون والدستور.