بين صدمات الحرب والوصمة الاجتماعيّة.. نساء يمنيات يدفعن الثمن مرتين

رقية دنانه- اليمن

لا تنتهي الحرب بانتهاء المعارك أو بهدوء أصوات الطائرات والقذائف والانفجارات، بل تستمر أحيانًا كثيرة في صورة صدمات نفسية وخلافات أسرية ووصمة اجتماعيّة. هذا هو حال اليمنيات اللواتي يخُضنَ معارك يوميّة صامتة، إذ يكفي خبر عاجل أو شائعة عن اندلاع حرب جديدة لإحياء مخاوف قديمة وإعادة فتح جراح لم تلتئم بعد.

أرهقت نفسيًا

تقول السيدة اليمنية سماء (32 سنة): “إنهرت بالبكاء لمجرد مشاهدتي أخبارًا تتحدث عن دخول اليمن في الحرب على فيسبوك؛ كنت على مائدة الطعام إلى جانب طفلتي وزوجي”، وتضيف لـ”عابر”: “قرأ زوجي الأخبار وجاء رده صادمًا: “إما تسيطري على نفسك أو تعودي إلى منزل والديكِ؛ لقد هددني بالطلاق”.

بالنسبة لسماء، لم تكن تلك الكلمات مجرد خلاف أسري عابر، بل امتداد لسنوات من عدم فهم معاناتها النفسيّة الناتجة عن الحرب. فهي واحدة من نساء كثيرات عايشن القصف في مناطق سيطرة الحوثيين، وفقدن منازلهن، واضطررن للفرار برفقة أسرهن في منتصف الليل بملابس النوم بحثاً عن النجاة.

يقولون إنني كثيرة الشكوى والبكاء

تروي سماء كيف تسكن أصوات الانفجارات ذاكرتها رغم مرور السنين: “كنت أعتقد أنني تجاوزت تلك المرحلة، لكن كلّ خبر عن الحرب يعيدني إلى تلك الليلة وكأنها تحدث الآن”، تقول: “هي سنوات من الرعب والذكريات التي حاولت الهروب منها عبر العلاج النفسي والأدوية والاستشارات الطبيّة” لكن كلمة الحرب نفسها، كانت كفيلة بإعادتها إلى دائرة الخوف والهلع مجددًا.

الإرهاق النفسي الذي أصاب سماء وغياب الاحتواء والدعم من شريك حياتها، ساهما بانهيار علاقتهما الزوجية: “من المؤسف أننا انفصلنا” والأسوأ “أنني فقدت حضانة طفلتي، بحجة أنني امرأة كثيرة الشكوى والبكاء، ولن أتمكن من تربية ابنتي الوحيدة”. وتختم: “خسرت منزلي بسبب الحرب، ثمّ أسرتي بسبب الخوف الذي تركته الحرب في داخلي”.

ضغوط مضاعفة

هي واحدة من قصص كثيرة لنساء يمنيات تروي حجم المعاناة النفسيّة التي يعيشونها مع كلّ تصعيد عسكري جديد. وقد جاء التصعيد الأميركي-الإيراني الأخير وما رافقه من مخاوف بشأن اتساع دائرة الصراع واحتمال تأثر اليمن بتداعياته، ليضيف طبقة جديدة من القلق والخوف فوق مجتمع يعاني أصلًا من آثار حرب مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات.

إذ طوال عقد من الزمن عاش اليمنيون على وقع حرب وصراعات متداخلة أدت إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانيّة في العالم، وتسببت في تدهور الخدمات الأساسيّة واتساع دائرة الفقر والنزوح، ما ترك آثارًا عميقة على الصحة النفسيّة للسكان.

فالنساء اليمنيات خاصة تحملن أعباء الحرب ورعاية الأطفال وتأمين الغذاء والتعامل مع الانهيار الاقتصادي والخدماتي، ووجدن أنفسهن مجدداً أمام مخاوف جديدة أعادت إلى أذهانهن مشاهد القصف والغارات والنزوح. وتحول هذا الخوف لدى كثيرات إلى أعراض نفسية واضحة تمثلت في الأرق، ونوبات الهلع، والاكتئاب، والتوتر المزمن، وصعوبة التركيز، والخوف المستمر من المستقبل.

في منتصف الطريق

من هنا، لم تكن سماء وحدها من أعادت أخبار الحرب إحياء مخاوفها القديمة، إذ تقول الشابة العشرينية صفاء (فضلت عدم ذكر إسمها كاملًا): “بينما كنت أقود سيارتي صباحًا، تلقيت اتصالًا من إحدى صديقاتي أخبرتني فيه بدخول اليمن في الحرب” وتضيف لـ”عابر”: “ارتجفت يداي بالكامل، وشعرت بأن جسدي تجمد. أوقفت السيارة في منتصف الطريق بينما يطالبني من حولي بالتحرك”.

تُكمل حديثها فتخبرنا أكثر عن ذلك الموقف: “لم أكن قادرة على القيادة ولو حتّى مترًا واحدًا. ساعدني أحد المارة للخروج من السيارة وطلب مني التواصل مع أهلي”، مُعلقًا: “من يراك يظن أنك ارتكبتِ جريمة”.

في تلك اللحظة لم تتفوه صفاء بكلمة. سؤال واحد سيطر على تفكيرها: “هل سأتناول أدوية الاكتئاب مجددًا؟ وأعود إلى جلسات العلاج النفسي؟ وهل سأعيش سنوات الخوف ذاتها مرة أخرى؟”.

وتضيف “كنت أظن أنني تجاوزت تلك المرحلة وبدأت أركز على عملي ومستقبلي، لكن خبرًا واحدًا كان كافيًا لإسقاط كل ما بنيته خلال سنوات”.

الوصمة التي تُلاحقنا

وفي سياق متصل، تعيش شابات وطالبات جامعيات هواجس من نوع آخر، إذ يحملن مخاوف مرتبطة بنظرة المجتمع للاضطرابات النفسيّة والوصمة التي قد تلاحق غالبيّة من يعبّر عن خوفه أو ضعفه أمام الآخرين، على اعتبار أن مثل هذا الحديث يُعد محظورًا أو محرمًا في نظرة المجتمع.

في إحدى الجامعات اليمنية، كانت فاطمة تواجه معركة من نوع آخر: “دخلت القاعة وهم يتحدثون؛ الحوثيون يعلنون دخول الحرب. في تلك اللحظة أمسكت صديقتي بيدي وهمست في أذني: لا تبكي، الناس سيتنمرون عليكِ، وستصبحين حديث الجامعة، حتّى حبيبك سيتهمك بالجنون”. حصل ذلك بعد مرور شهر على بدء الحرب الأميركية- الإيرانية، وتحديدًا في 28 مارس (آذار) الماضي.

وعن تفاصيل تلك اللحظات، تقول لـ”عابر”: “يومها تجمدت في مكاني، الأصوات حولي كانت كثيرة، لكنني كنت وحيدة، أخذتني صديقتي بعيدًا عن الآخرين، وهناك انهرت بالبكاء بشكل كامل. لم أستطع التوقف حتى سكبت الماء البارد على رأسي كي أهدأ”.

وتسأل: “لماذا نموت ألف مرة بسبب الخوف بينما يعيش الآخرون حياتهم بشكل طبيعي؟ لماذا تستمر الحروب في مطاردتنا حتى بعد أن تنتهي؟”.

إرث ثقيل

من جانبها، قالت الناشطة الحقوقيّة غزة يحيى لـ”عابر” إن “النساء اليمنيات يواجهن تداعيات نفسيّة متفاقمة نتيجة حالة القلق والخوف التي صاحبت التصعيد الاقليمي الأخير”.

وأضافت أن هذه التطورات أدت إلى “ارتفاع مستويات الهلع والاضطرابات النفسيّة لدى كثير من النساء، خاصة في ظل الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات الحرب والنزاع الماضيّة”.

وأوضحت يحيى أنه إلى جانب عملها الحقوقي، رصدت من خلال عملها كمحامية “تزايدًا ملحوظًا في حالات الخلافات الأسرية وقضايا الطلاق خلال الفترة الأخيرة”، مشيرة إلى أن العديد من هذه النزاعات لم تكن ناجمة عن الحرب بشكل مباشر، بقدر ما كانت “نتيجة غياب التفهم والاحتواء النفسي للنساء في أوقات الخوف والضغوط النفسيّة”.

عنف نفسي

وأضافت: “تشعر المرأة بأنها تواجه مخاوفها بمفردها، أو تعرضها للسخرية والتقليل من مشاعرها بدلاً من الدعم والمساندة، ما أسهم في تعميق الخلافات الزوجية ودفع بعض العلاقات إلى مراحل متقدمة من التصدع انتهت في بعض الحالات إلى الانفصال والطلاق”.

وأكدت أن حق المرأة لا يقتصر على النفقة أو الحقوق القانونيّة التقليديّة فقط، بل يشمل أيضاً حقها في الأمان النفسي والاحترام والدعم العاطفي داخل الأسرة، معتبرة أن تجاهل معاناة النساء النفسيّة أو السخرية منها يمثل شكلاً من أشكال العنف النفسي الذي يهدد استقرار الأسرة ويضاعف آثار الحرب على النساء.

الأكثر هشاشة

من جانبه، قال الصحفي عبدالرحمن أنيس إن الحروب لا تخلف دمارًا في المباني والبنية التحتية فقط، بل تترك آثارًا نفسية عميقة تستمر لسنوات طويلة، وغالبًا ما تكون النساء الأكثر تأثرًا بها بسبب الأعباء المتعددة التي يتحملنها داخل الأسرة والمجتمع.

وأضاف أنيس أن كثيرًا من القصص الإنسانية التي وثقها خلال سنوات الحرب كشفت أن معاناة النساء لا تنتهي بانتهاء القصف أو توقف المعارك، بل تمتد إلى حياتهن اليوميّة وعلاقاتهن الأسرية وقدرتهن على العمل ومواصلة الحياة بشكل طبيعي.

وأشار إلى أن الخوف والقلق والصدمات النفسيّة لا تزال حاضرة لدى أعداد كبيرة من النساء اليمنيات، خصوصًا في ظل محدودية خدمات الدعم النفسي واستمرار النظرة السلبيّة للجانب النفسي في المجتمع. وختم: “إن معالجة الآثار النفسية للحرب يجب أن تكون جزءًا من أي استجابة إنسانيّة أو جهود للتعافي”.

مستويات مقلقة

وتشير تقديرات أممية ودوليّة إلى أن الأزمة النفسية في اليمن بلغت مستويات مقلقة؛ إذ تؤكد منظمة الصّحة العالميّة أن نحو 7 ملايين يمني يعانون من اضطرابات نفسية وصدمات مرتبطة بالحرب المستمرة، بينما لا يحصل سوى حوالي 120 ألف شخص فقط على خدمات دعم نفسي منتظمة، بسبب ضعف البنية الصحية ونقص المختصين.

كما أفادت منظمة اليونيسف أن سنوات الصراع الوحشيّة دمرت حياة ملايين الأطفال في اليمن وتركت 11 مليون طفل في حاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانيّة.

صدمات قديمة جديدة

بدورها، أكدت طبيبة يمنية متخصصة في الطب النفسي، فضلت عدم ذكر إسمها لحساسيّة الموضوع، أن التطورات الأخيرة “فاقمت الأعباء النفسية التي تعاني منها النساء اليمنيات، خصوصًا في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين” وأضافت لـ”عابر”: “تشكّل النساء النسبة الأكبر من المرضى لدي راهنًا، يحصل ذلك في ظل غياب الدعم الأسري الكافي” خصوصًا أن البعض يتعامل مع المرض النفسي كوصمة إجتماعيّة أو عيبًا.

وتابعت “ظهرت على المرضى، أعراضًا متزايدة من القلق الحاد ونوبات الهلع واضطرابات النوم والاكتئاب” فقد “أعادت الأحداث تنشيط صدمات قديمة كانت كامنة لدى نساء عشن سنوات من القصف والخوف والنزوح وفقدان الأحبة والمنازل ومصادر الأمان”. علمًا أن الصمت قد يكون له انعكاسات نفسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة عدّة.

وهكذا، بين الخوف من الحرب ومن نظرة المجتمع ومن فقدان الأسرة أو الأطفال، تجد كثير من النساء أنفسهن في مواجهة معارك صامتة لا يراها أحد ضد الخوف نفسه والوصمة والوحدة وغياب الدعم، ما يشي بأهمية الاعتراف بالصحة النفسيّة والانتباه لها كحق أساسي لا يقل أهميّة عن توفير الغذاء والمأوى والأمان، لمواصلة الحياة بكرامة وأمان.