“عاملتي للبيع” تطبيع الاتجار بالعاملات تحت غطاء الاستقدام في العراق

عابر – العراق
إسراء الأعرج
“السلام عليكم عاملتي للبيع نيجيرية أمينة ومطيعة وجدا نظيفه وشغلها مضبوط وتعرف تقلي وتطبخ وتفتهم عربي نص ونص.. ابني صار كبير ما احتاجها بعد الي يريدها يعلقلي “!
ينتشر هذا النوع من الإعلانات في بعض البيئات غير المنظمة على السوشيال ميديا، حيث يتم التعامل مع العاملات المنزليات المستقدمات في العراق وكأنهن سلعة معروضة للبيع أو التنازل، بدلا من اعتبارهن أشخاصا يتمتعون بالكرامة والحقوق الإنسانية الكاملة.
وتصاغ هذه الإعلانات بلغة تختزل العاملة في صفات خدمية ووظيفية فقط، مع التركيز على مهاراتها المنزلية وكأنها مواصفات قابلة للتسويق في سوق تجاري مبني على العرض والبيع! ما يعكس تطبيعا مقلقا لفكرة “تملك” العاملات والتصرف بهن كأملاك خاصة قابلة للتبادل، ويفتح المجال أمام أشكال مختلفة من الاستغلال الذي يؤكد ضعف الأطر الرقابية والقانونية المنظمة لقطاع العمل المنزلي، وغياب آليات فعالة تضمن الحماية من الانتهاكات أو صور الاتجار بالبشر تحت غطاء الاستقدام أو التنازل.

للبيع بداعي السفر!
“اكو عدنا وحدة بس عدنا سفر ولها ثلاثة أشهر عدنا مطيعة وزينة متبقي لها سنة و٨ أشهر العقد اذا تحبون موجودة” صيغة أخرى تتكرر من هذه الإعلانات المنشورة على إحدى المجموعات الخاصة بالعاملات الأجنبيبات المستقدمات تقوم على عرض العاملة وفق “وضع ظرفي” أو مبررات مثل السفر أو انتهاء الحاجة إليها، مع الإشارة إلى مدة العقد أو الصفات الشخصية كوسيلة للترويج، وكأنها حالة نقل أو تسليم أملاك، ويقدم هذا النمط بشكل اعتيادي ومتكرر على بعض المنصات، دون إطار واضح ينظم آلية النشر أو يحد من طبيعته التي تحمل طابعا استغلاليا.
كما تتضمن بعض المنشورات استفسارات مباشرة من أصحاب العمل حول إمكانية نقل العاملة إلى بيت آخر عند اقتراب انتهاء العقد، مثل هذا المنشور: “عندي عامله وبعد كم شهر ينتهي عقدها وأريد انطيها لغير بيت شنو الاجراءات”، هذا الخطاب التعامل مع العاملات بوصفهن قابلات للانتقال والتداول بين الأسر، بما يشبه منطق السوق، في ظل غياب واضح لاعتبارات الموافقة الحرة أو الضوابط القانونية الكافية.

الدلال ممنوع!
وفي سياق آخر، تنوعت التعليقات الواردة على أحد المنشورات التي تساءلت فيه إحدى السيدات عن أسلوب التعامل مع عاملة مستقدمة من إحدى الدول من حيث الطباع وطريقة التكيف داخل المنزل، حيث قدّم بعض المعلقين توصيات تتعلق بدرجة كبيرة من التحكم في تفاصيل حياتها اليومية.
وفيما دعت إحدى المعلقات إلى تقليل مستوى “الدلال” والاكتفاء بتوفير الاحتياجات الأساسية فقط، مثل أدوات النظافة البسيطة والطعام العادي، مع التعامل مع العاملة ضمن إطار ما يتوفر لبقية أفراد الأسرة، معتبرة أن الإفراط في تقديم الامتيازات قد ينعكس سلبا على سلوكها أو أدائها، فقد أشارت في تعليقها إلى أنه “يكفي حتى صابونة عاديه وليفة وغسول جسم وكم قطعة ملابس للبيت يكون مستور”، وأن تعتاد على أكل الأسرة بعيدا عن أكلها الخاص ” أنت الي تطبخي وعلميها تاكل وياكم وصيري وسط بالتعامل”.
وفيما دعت أخرى إلى ضرورة الحزم في التعامل وعدم فتح المجال لتقديم امتيازات إضافية، وربطت ذلك بتجارب شخصية سابقة اعتبرتها غير مرضية، شددت على أن “اي شي تاكلو بالبيت انطيها اياه”، مؤكدة أهمية ضبط أسلوب المعاملة منذ البداية.
وفي المقابل، حذر بعض المعلقين من إطلاق تعميمات، مؤكدين أن تجارب التعامل مع العاملات تختلف من حالة إلى أخرى، ولا يمكن قياسها بشكل واحد.

العمال المهاجرين في العراق
وفي المقابل، ينص قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 في المادة (9) على حظر العمل الجبري أو الإلزامي بكافة أشكاله، بما في ذلك العمل القسري القائم على الرق أو المديونية أو المتاجرة بالأشخاص، إضافة إلى أي ممارسات تتعلق باستغلال العمال المهاجرين أو العمل المنزلي الذي يتضمن عناصر قهرية، بما يؤكد من حيث المبدأ التزام القانون بحظر أشكال الاستغلال والعمل القسري.
فيما لا يعد العراق طرفا في الاتفاقية الدولية الخاصة بحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، ما يضع العمال المهاجرين، ومن ضمنهم العاملون من جنسيات مختلفة، في موقع قانوني أكثر هشاشة من حيث الضمانات الدولية، ويسهم هذا الغياب في تقليص مستوى الحماية المعيارية التي تكفلها الاتفاقيات الدولية في هذا المجال، ويبقي عددا من الجوانب المرتبطة بظروف العمل خاضعة للإطار الوطني فقط.
الجنسيات الأكثر استقداما
تشير البيانات الرسمية المتعلقة بسوق العمل في العراق إلى أن العمالة الأجنبية تأتي من عدة دول آسيوية وعربية وأفريقية، بحسب حاجة القطاعات المختلفة، وتبرز جنسيات مثل سوريا، بنغلادش، الفلبين، باكستان، الهند، وإثيوبيا ضمن الأكثر حضورا، خاصة في مجالات البناء والخدمات والعمل المنزلي، مع تفاوت أعدادها حسب الطلب.
أما العمالة القادمة من دول أفريقية أخرى مثل نيجيريا وتشاد، فتظهر بشكل محدود وغير منتظم ولا تعد من الفئات الرئيسية في الإحصاءات الرسمية.

تطبيع العنف والقيود
ومن جانب آخر، عكست بعض التعليقات المتداولة خطابا يبرر التشدد المفرط في التعامل مع العاملات المنزليات، حيث دعا بعض المستخدمين إلى إرسال العاملات إلى مكاتب الاستقدام أو الشركات “للتأديب” ثم إعادتهن إلى العمل، مع فرض قيود صارمة على استخدام الهاتف وتقليل فرص تواصلهن مع أسرهن إلى الحد الأدنى.
وقد أثار هذا النمط من التعليقات تساؤلات حول طبيعة الخطاب المستخدم في وصف أساليب التعامل، إذ تضمن عبارات تعكس قبولا ضمنيا بفكرة العنف أو الإيذاء كوسيلة للضبط، بما يوحي بنظرة تختزل العاملات في دور وظيفي فقط، بعيدا عن اعتبارهن كأشخاص يتمتعون بحقوق إنسانية أساسية.

استياء من العنصرية وسوء المعاملة
أعرب عدد من المعلقين عن استيائهم الشديد من بعض الممارسات والخطابات المتداولة المتعلقة بالعاملات المنزليات، معتبرين أنها تعكس مظاهر من التمييز والعنصرية، خصوصا حين تربط المعاملة بلون البشرة أو الأصل. وأشاروا إلى أن مثل هذه النظرة تتجاهل إنسانية العاملات بوصفهن أشخاصا “هم بشر حالهم من حالنا فقط لون بشرتهم أغمق”، وفق ما ورد في بعض التعليقات، وهو ما اعتبر تعبيرا عن صدمة أخلاقية ورفض لهذا النوع من الخطاب.
كما عبر البعض عن حزنهم من واقع ما تتعرض له بعض العاملات، متسائلين عن غياب الحماية والحقوق، ومشيرين إلى احتمالية تعرضهن لأشكال مختلفة من الاستغلال داخل بعض بيئات العمل. وفي المقابل، أكّد آخرون وجود تفاوت في المعاملة، حيث قد تعامل بعض العاملات بإنسانية واحترام من قبل أصحاب العمل.
كما وردت رواية في أحد التعليقات عن حادثة تتعلق بعاملات أفريقيات هاربات من منزل بسبب سوء المعاملة، حيث ذُكر أنهن تعرضن لمصادرة هواتفهن واحتجاز بعض أغراضهن، قبل تدخل أحد أفراد الأمن ونقلهن إلى مكان آخر أكثر أمانا، مع الإشارة إلى محاولة صاحب العمل لاحقًا التعدي عليهن، وهي رواية عكست بحسب التعليق حجم الانتهاكات المحتملة التي قد تتعرض لها بعض العاملات في سياقات غير محمية بشكل كاف.

العمالة الأجنبية وتحديات الرقابة
أعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق عن تسجيل نحو 47 ألف عامل أجنبي بشكل رسمي داخل البلاد، في إطار إجراءات تهدف إلى تنظيم استقدام العمالة وحصرها ضمن المهن التي تُعد نادرة أو ذات حاجة فعلية في سوق العمل المحلي. ويأتي هذا الإعلان في سياق تشديد الإجراءات الرقابية المتعلقة بملف العمالة الأجنبية.
وقال المتحدث باسم الوزارة، حسن خوام، إن “عدد المفتشين في الوزارة لا يتناسب مع حجم مشكلة العمالة الأجنبية في العراق”، مشيرا إلى أن “أعدادهم قليلة قياسًا بعدد العاملين وحجم الظاهرة”، ما ينعكس على قدرة الجهات الرقابية في متابعة الملف بشكل شامل.
وأضاف أن “عدد العمالة الأجنبية المسجلة بشكل شرعي والداخلة إلى العراق بصورة قانونية يبلغ نحو 47 ألف عامل أجنبي”، موضحًا أن “هذا العدد قابل للزيادة أو النقصان، فيما تشير التقديرات إلى أن الأعداد الفعلية قد تفوق ذلك بأضعاف”.
وأوضح أيضا أن “قلة أعداد المفتشين تؤثر في سرعة اكتشاف حالات العمالة الأجنبية غير الشرعية”، لافتا إلى أن الكوادر التفتيشية، ورغم محدوديتها، تعمل أحيانا خارج أوقات الدوام الرسمي عند الحاجة وتحت ضغط العمل.
وأشار إلى أن الوزارة خاطبت مجلس الخدمة الاتحادي لزيادة أعداد المفتشين عند فتح باب التعيينات مستقبلا، بهدف تعزيز القدرات الرقابية وتمكينها من التعامل مع ملف العمالة الأجنبية بصورة أكثر فاعلية.

أكثر الفئات استغلالا
تشير منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن العاملات المنزليات المهاجرات يعدون من أكثر الفئات عرضة للاستغلال وسوء المعاملة عالميًا، حيث يفصلن عن الحماية القانونية الكاملة في العديد من الدول، ويعملن في بيئات خاصة تحد من قدرة الرقابة والمتابعة.
وتوضح المنظمة أن هذا النمط من العمل قد يتضمن “ساعات عمل طويلة جدا، وعزلة داخل أماكن العمل، وقيود على حرية التنقل، إضافة إلى تعرض بعض العاملات لأشكال من العنف الجسدي أو الجنسي، أو حرمان من الأجور لفترات طويلة”.
كما تؤكد المنظمة أن ضعف إدراج العمالة المنزلية ضمن قوانين العمل، إلى جانب القيود المفروضة على تغيير جهة العمل أو مغادرة مكان الإقامة، يساهم في زيادة هشاشة وضعهن القانوني والاجتماعي، ويجعل الوصول إلى سبل الانتصاف أكثر صعوبة في حال وقوع الانتهاكات.
فيما تؤكد تقارير دولية، من بينها تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر في العراق، أن العمال المهاجرين، ولا سيما العاملات المنزليات، قد يتعرضون في بعض الحالات للعمل القسري، بما في ذلك احتجاز الأجور، ومصادرة جوازات السفر، وفرض قيود على الحركة، إضافة إلى التهديد بالترحيل أو الاعتقال كوسيلة للإبقاء عليهم في ظروف استغلالية.
