المتوسط يلفظ ضحايا الحلم الأوروبي.. شباب مصر بين اليأس والموت غرقا

عابر – مصر
إسراء الأعرج
بعد أيام من التيه في عرض البحر، في واحدة من صور الهجرة غير الشرعية القاسية والوحشية، حيث تحولت رحلة البحث عن النجاة في دول أوروبا إلى موت بطيء داخل القارب العالق، لفظت الأمواج أجسادا أنهكها الجوع والعطش والخوف.
المشهد شكل مأساة إنسانية مكتملة الأركان تكشف كيف تدفع الأزمات واليأس عشرات الشباب المصري للجوء إلى شبكات التهريب، هربا من واقع خانق نحو مصير أكثر قسوة، إذ فوجئ أهالي مدينة سيدي براني في محافظة مطروح المصرية بظهور قارب مطاطي دفعته الأمواج نحو شاطئ “أبو غليلة”، وعندما اقتربوا لفحصه فوجئوا بالمشهد الصادم لجثث 12 شابا في حالة تحلل.
وقالت مصادر محلية إن السلطات انتقلت إلى موقع الحادث وجرى نقل الجثامين إلى المستشفى تحت تصرف جهات التحقيق، فيما اعتبرت حصيلة الـ 12 ضحية أولية مع استمرار عمليات البحث عن مفقودين آخرين يعتقد أنهم كانوا على متن القارب.
وبعد فحص الجثامين، تم التعرف على 7 مصريين من بين الضحايا من خلال بطاقات هويتهم، والتي أظهرت أن أعمارهم تتراوح بين 16 و28 عاما، وجمعتهم الرحلة من محافظات مختلفة منها البحيرة والغربية وأسيوط والدقهلية والقليوبية والجيزة.
وقالت المصادر أن جهات التحقيق باشرت فحص ملابسات الرحلة وخط سير المركب ونقطة انطلاقه، وما إذا كانت تقف خلفه شبكة لتهريب البشر.
تنامي شبكات التهريب
عضو مجلس النواب النائب أيمن محسب، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء المعنيين، بشأن تصاعد ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين الشباب المصري، محذرا من خطورتها المتزايدة على حياة الشباب واستقرار المجتمع، في ظل تنامي نشاط شبكات تهريب البشر واستغلالها للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لدفع الشباب نحو مسارات الهجرة غير النظامية.
أكد النائب أيمن محسب أن الواقعة أعادت إلى الواجهة خطورة الظاهرة، وأثارت حالة من الغضب المجتمعي، خاصة مع استمرار تكرار حوادث “قوارب الموت”، في وقت تتصاعد فيه المؤشرات الدولية بشأن أعداد المهاجرين المصريين غير النظاميين المتجهين إلى أوروبا.
وأوضح أن الأعداد ارتفعت من 709 حالات عام 2018 إلى 21753 حالة عام 2022، مع استمرار المعدلات المرتفعة خلال عام 2023 بنحو 22 ألف مهاجر غير نظامي.
وأشار محسب إلى أنه رغم نجاح الدولة منذ عام 2016 في وقف انطلاق قوارب الهجرة مباشرة من السواحل المصرية، فإن شبكات التهريب أعادت تشكيل نشاطها عبر مسارات بديلة تمر بليبيا وتركيا وشرق المتوسط، مستغلة الظروف الاقتصادية والاجتماعية وحالة الإحباط لدى بعض الشباب، بما يدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم في رحلات غير آمنة، مؤكدًا أن استمرار الظاهرة يتطلب إعادة تقييم السياسات الحالية وعدم الاكتفاء بالمقاربات الأمنية فقط، مع ضرورة تبني رؤية حكومية متكاملة تتعامل مع جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
الوجه القاتل للهجرة
فيما أكد النائب مجدي البرى عضو مجلس الشيوخ، وعضو لجنة العلاقات الخارجية والإفريقية والعربية أن المشهد يجسد الوجه القاتل لظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تزهق الأرواح وتدمر الأحلام، ومتقدما بخالص التعازي لأسر الضحايا، معتبرا أن ما حدث يمثل درسا قاسيا لكل من يفكر في خوض “رحلة الموت”تحت أي مسمى.
وشدد البرى على أن العزة الحقيقية للإنسان تكمن في وعيه بقيمة حياته، وأن الكرامة لا تتحقق عبر قوارب الموت التي تستغلها عصابات الاتجار بالبشر، داعيا إلى تكاتف الأهالي والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس لنشر الوعي بين الشباب، وحث الراغبين في الهجرة على سلوك الطرق القانونية والمشروعة، لأن الهجرة غير الشرعية لا تقود إلا إلى الهلاك والموت غرقا.
ولفت إلى أن التجارب المتكررة أثبتت أن مصير الهجرة غير الشرعية ينتهي غالبا بالمأساة، سواء بالغرق أو الاختناق أو التعذيب على يد عصابات التهريب، مطالبا الحكومة بتكثيف حملات التوعية خاصة في المحافظات الأكثر تصديرا للهجرة غير الشرعية، وإشراك الإعلام والمؤثرين ورجال الدين في توعية الشباب والأسر بمخاطر هذه الظاهرة، إلى جانب توفير بدائل آمنة للهجرة الشرعية والتدريب المهني لحماية الشباب من هذا المصير المأساوي.
بداية 2026 الأكثر دموية
وبحسب تقرير لمركز الهجرة المختلطة للربع الأول للعام 2026 فقد أدت الظروف البحرية القاسية في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط إلى تعطيل عمليات المغادرة مع زيادة مخاطر عبور البحر بشكل حاد، مما ساهم في التحولات الملحوظة في الطرق وارتفاع معدل الوفيات، واعتبارا من أوائل أبريل 2026، لقي ما لا يقل عن 990 شخصا حتفهم أو فقدوا في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط، مما يجعل هذه واحدة من أكثر بدايات العام دموية منذ عام 2014، ووقعت العديد من الحوادث على طول الممر البحري المشترك.
البحر المتوسط .. مقبرة جماعية
أعلنت مؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين والخدمات الإنسانية ارتفاع عدد الجثامين التي تم انتشالها إلى 17 حتى الآن، مع استمرار عمليات البحث والتمشيط البحري في المنطقة الغربية من الساحل المصري، وسط ظروف بحرية صعبة تعرقل جهود فرق الإنقاذ في الوصول إلى المفقودين أو العثور على ناجين محتملين.
وأوضحت المؤسسة، في بيان لها، أن المعطيات الأولية تشير إلى أن المركب كان يحمل مهاجرين غير شرعيين في رحلة عبر البحر المتوسط باتجاه السواحل الأوروبية، قبل أن يغرق قبالة شواطئ سيدي براني بمحافظة مطروح، فيما لا تزال أعداد المفقودين الحقيقية غير معروفة حتى اللحظة، إلى جانب عدم التوصل لهويات وجنسيات جميع الضحايا الذين كانوا على متن القارب.
وحذرت المؤسسة من تنامي نشاط شبكات تهريب البشر التي تستغل الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة لدفع الشباب نحو رحلات محفوفة بالموت، مؤكدة أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية فقط، بل تتطلب استجابات تنموية واقتصادية حقيقية تخلق فرص عمل وتحسن الظروف المعيشية، للحد من تحول البحر المتوسط إلى مقبرة جماعية تبتلع المهاجرين عاما بعد آخر.
