فصل ونقل وتعليق مصير.. الموظفون السوريون تحت ضغط “إعادة الهيكلة”

عابر- سوريا

رنيم مخلوف

شهدت سوريا منذ سقوط نظام الأسد قبل عام ونصف تغييرات متعددة على كافة المستويات، منها اجراء سلسلة تعديلات وعمليات نقل للموظفين في الدوائر الحكومية، ما أعطى مساحة من الفصل التعسفي أو الدفع نحو الاستقاله بسبب آلية إعادة الهيكلة داخل المنظومة الإدارية لشؤون الدولة، فالموظفة ألحان محمد ابنه الساحل السوري ولديها خبرة تتجاوز ثلاثون عاما في الموانئ بمدينة اللاذقية البحرية تفاجأت بوصولها رسالة نصية على تطبيق واتس اب مفادها ” أصبح مكان عملك في البوكمال”.

كانت ألحان قد باشرت عملها في إدارة الموانئ البحرية عام 1995 واستمرت في تدرجها الوظيفي حتى آذار / مارس 2025، وتقول لـــ “عابر” أجرت لجنة تابعة لوزارة النقل من العاصمة مقابلات مع الموظفين عن خبراتهم ولكن تفاجأنا بإصدار إدارة الموانئ العامة قرارا بإعطاء إجازة مأجورة ل 310 عامل من موانئ طرطوس واللاذقية وحافظت على 27 عامل وتم مصادقة الاجراء من الحكومة في كل مؤسسات الدولة بهدف تصحيح واقع العمل .

وتتابع أنه وفي شهر تشرين الثاني وقعت على ورقة تنص على أن كافة العمال لا يحق لهم الاعتراض على العمل بأي مكان في حال نقلهم لتفاجأ بنقلها بذات الشهر إلى البوكمال في شرق البلاد والتي تبعد عن مدينتها 650 كم وذلك على الرغم من اعلامها من ذوي الخبرة بأن الورقة لا تستطيع نقلها قانونيا وذلك لخبراتها الطويلة في العمل، وأيضا كونها الوحيدة التي تعمل على زورق المسح الجغرافي، لكن ذلك لم يمنع القرار.

واقعة ألحان لم تكن الوحيدة فغيرها الآلاف من الموظفين الذين تعرضوا لعمليات نقل غير منصفة واخرون تم الاستغناء عنهم فور استلام الإدارة الجديدة الحكم في سوريا.

خطوات حكومية

صرح وزير المالية السابق في حكومة تصريف الاعمال السابقة محمد أبا زيد آنذاك أن نحو 300 ألف موظف ستشطب أسمائهم من السجلات الوظيفية وسيتم زيادة الرواتب بنسبة 400% نتيجة الترهل الإداري والتوظيف العشوائي في الحكم السابق.

فيما أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع في مارس 2026 البدء في منح إجازات مأجورة للعمال لمدة 3 شهور دون أي مخاطبات رسمية ولكن بعد انقضاء الأشهر الثلاث باشرت الحكومة في قرارات النقل مبررة الحكومة على لسان وزير التنمية الإدارية محمد سكاف أنها تسعى لإعادة هيكلية القطاع العام من قبل لجنة إقرار البنى التنظيمية المشكلة بالمرسوم رقم 43/2025.

ليرى عدد من الموظفين والعمال أن الإجراءات المتبعة من قبل الحكومة الحالية ليست بالمنصفة ولا تخدم المصلحة العامة للدولة بالتزامن مع الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشونها في البلاد ما دفع العديد منهم لتقديم استقالتهم من العمل بسبب عملية النقل التي تكبدهم عناء السفر وتكاليفه وما ينتج عنه من عدم الاستقرار، والغريب أن الإدارات لم تتهاون في قبول استقالتهم فورا، وخاصة بعد أن نقلت بعضهم للعمل في المناطق الحدودية والذي فسر على انه دفع نحو الاستقالة من جهة والتفكير بالرواتب التقاعدية التي ما تزال عالقة حتى الآن.

قوانين قديمة

يوضح المحامي علي خضور المختص بشؤون التجاوزات القانونية التي شرعها الإدارات الموثقة أنه ما تزال الدولة السورية حتى الآن تسير على القوانين القديمة التي أصدرها الأسد خلال حكمه، منها القانون رقم 50 لعام 2004 الذي يحدد نظام العاملين الأساسي في الدولة والذي يطبق حتى الان في المؤسسات الحكومية.

ويتابع أن المادة 31 من القانون رقم 50 لعام 2004 تنص على أنه يجوز نقل العامل بناء على مقتضيات المصلحة العامة وإذا كان سيتم النقل بحدود المحافظة شريطة الحصول على موافقة لجنة مؤلفة من الوزير “الوزير – أمين فرع الحزب اللجنة الرئيسية للهيئات”، لافتا إلى أن الحاجة اليوم ملحة إلى تعديل القانون لعدم وجود حزب البعث والمضي نحو إصدار مرسوم تشريعي أو قانون جديد لعدم صلاحية تطبيق النص القانوني في الواقع الحالي بعد زوال أطراف كانت رئيسة في القانون.

ويؤكد خضور أن أي قرار نقل يصدر دون استكمال اللجنة كما في المادة 31 هو قرار غير كامل الأركان القانونية وقابل للإلغاء أمام القضاء التنفيذي وعليه فإن النقل إلى أماكن بعيدة للعامل بهدف دفع العمال إلى الاستقالة يعد تصرف حكومي تعسفي وسببا كافيا لإلغاء القرار أمام القضاء الإداري، وكما تحدد نص المادة 31 من القانون

فإن قرار النقل يجب أن يكون مبررا وظيفيا، وليس وسيلة ضغط أو عقوبة غير منصوص عليها، مع عدم الإضرار بالعامل والقانون يمنع أي تغيير يؤدي إلى إرهاق العامل أو الأضرار الاجتماعية.

ولفت إلى أن هناك العديد من الحالات تعتبر عمليات نقلهم تعسفيا ما دفعهم إلى الاستقالة لعدم وجود مصلحة حقيقية لنقلهم لما له اضرار اقتصادية واجتماعية عليهم في وقت فقدت القضائية خسرت أحد أركانها ما يجعلها عمليات إجرائية باطلة.

فصل تعسفي

في المقابل اليوم يعيش ملاذ الجنيدي الذي كان يعمل في الاتصالات بنظام العقود السنوية ” وهو نوع من التوظيف يكون بتجديد سنوي في المؤسسة الحكومية وبعد 5 سنوات من الخدمة ينتقل العامل للعمل بعقد دائم” ويقول ملاذ تم تعييني في 2021 ولكن تفاجأت في 2025 قبل شهرين على تعييني بعقد دائم ومع قدوم الحكومة الجديدة بقرار فصلي أنا و 42 عاملا وبذلك خسرنا حقنا في الاستمرار بالعمل.

ولم يختلف واقع طبيب الأسنان علي حمود والذي كان يعمل في المستشفى الوطني بمصياف التابع لمحافظة حماه، والذي عمل بعقد سنوي منذ 3 سنوات، وظهر اسمه بين 128 موظفا تم فصلهم من المسشفى وغالبهم حسب تعبيره من ريف مدينة مصياف.

ويعقب حمود ” المشفى الأصلي يعاني من نقص كوادر في كل الاختصاصات متسائلا كيف ستقدم الخدمات للمرضى، مشيرا إلى فصل طبيب آخر كان الوحيد المختص في جراحة المثانة للسيدات بعد الولادة لمرات عدة، ما وضع الكثير من علامات الاستفهام حول سياسة الفصل هذه.

فيما أكد أنه يوجد حديث متداول بأنه سيتم التراجع عن قرار الفصل واعادته الأطباء إلى العمل داخل المستشفيات.

قرارات غير قانونية

في هذا السياق يشرح المحامي علي خضور أن القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 2004 لم ينص صراحة على تجديد العقود الأخيرة حكما، لكن بات مبدأ التجديد مستقرا في القضاء الإداري السوري، استنادا إلى القواعد العامة في القانون المدني واجتهادات المحكمة الإدارية العليا، فالمادة 148 على أن “العقد شريعة المتعاقدين، ولا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون” وهو مالم توضحه الإدارات في الحالات السابقة، ولم يكن باتفاق الطرفين أنما برأي طرف واحد وهو الإدارة المسؤولة.

لم يتقدم كل من تم التواصل معهم بنقض القرار أو رفع دعوى أمام مجلس الدولة، فلم تتوفر الإمكانية المادية لذلك، واليوم أصبح الاف الموظفين السوريين يعيشون في حالة من الترقب والانتظار المصحوب بالقلق هل ستكون أسمائهم ضمن اللوائح الجديدة للفصل التعسفي من عملهم بعد سنوات من الخدمة بالعمل داخل اروقه مؤسسات الدولة والهيئات الحكومية ما ينذر بواقع ملئ بالضبابية ينتظرهم.