حين يشرعن الموت.. إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ينتهك الحق في المحاكمة العادلة

عابر- فلسطين

إسراء الأعرج

كنا نستناهم يتحرروا، كنت متأملة مع الصفقة… قلت خلص راح أشوف أولادي، لكن… ولادي أخدوهم وجوزي استشهد… إيش ضل أكتر من هيك؟ قلبي موجوع… مش قادرة أتحمل أكتر من هيك… من لما سمعت هذا القرار، ما بعرف أنام، وعقلي  راح يوقف من كتر ما بفكر… كيف الأولاد؟ شو مصيرهم؟!

بهذه الكلمات التي تنزف ألما، عبرت أم أسيرين فلسطينيين يقبعان في سجون الاحتلال من سنوات عن ألم شعب كامل، ويختصر المنعطف الجديد الذي أصاب وجدان عائلات الأسرى الفلسطينيين، بعد إقرار قانون إعدام الأسرى، هذا القرار، الذي لم يقرأ فقط كتشريع جديد، بل كتهديد مباشر للحياة، بدأ فعليا في هدم ما تبقى من آمال كانت معلقة على صفقات تبادل أو انفراجات سياسية، لينقل العائلات من انتظار الحرية إلى الخوف من الفقد النهائي.

واقع الأسرى معاناة تتجه للأخطر

ضمن هذا التحول، تكتسب الأرقام دلالة أكثر قسوة، إذ يقبع في سجون الاحتلال اليوم نحو 9500 أسير وأسيرة، موزعين على 23 سجنا ومركز توقيف وتحقيق، في ظروف توصف منذ سنوات بأنها قاسية ومهينة، قبل أن يأتي هذا القانون ليضيف بعدا جديدا من الخطر.

من بين هؤلاء، توجد 73 أسيرة، غالبيتهن محتجزات في سجن “الدامون”، في حين يبلغ عدد المعتقلين إداريا 3442، وهم محتجزون دون تهم واضحة أو محاكمات عادلة، في ظل سياسة الاعتقال الإداري التي طالما أثارت انتقادات حقوقية واسعة. كما يقبع 115 أسيرا محكوما بالسجن المؤبد، في وقت لا يقل فيه عدد الأطفال والقاصرين عن 350، موزعين على عدة سجون، في مؤشر على اتساع دائرة الاعتقال لتشمل فئات عمرية مختلفة.

ولا تقف المعاناة عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى الواقع الصحي داخل السجون، حيث يعاني مئات الأسرى من أمراض مختلفة في ظل ما تصفه المؤسسات بالإهمال الطبي المتعمد، وهو ما أدى إلى استشهاد 325 أسيرا داخل السجون، بحسب جمعية نادي الأسير الفلسطيني، في سياق يعكس أن الخطر على الحياة لم يكن يوما غائبا، حتى قبل إقرار قانون الإعدام.

تشريع ينتهك الحق في الحياة

في هذا الإطار، يقدم علاء سكافي مدير مؤسسة الضمير للحقوق الإنسان في غزة في حديثه لعابر قراءة قانونية تتجاوز ظاهر النص إلى بنيته العميقة، إذ أن إقرار هذا القانون يمثل تصعيدا خطيرا وانتهاكا جسيما لمبادئ القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، في ظل سياق أوسع من السياسات التي تستهدف الفلسطينيين بشكل منهجي.

ويشير إلى أن هذا التشريع لا يمكن فصله عن واقع الانتهاكات المستمرة بحق الأسرى، بل يشكل امتدادا لنهج قائم على تشديد العقوبات وتكريس معاملة تمييزية وعنصرية بحق المعتقلين الفلسطينيين، وهو ما ينعكس بشكل واضح في طبيعة تطبيقه، حيث يطال الفلسطينيين دون غيرهم، في مخالفة صريحة لمبدأ المساواة أمام القانون.

ويضيف أن خطورة هذا القانون لا تكمن فقط في العقوبة التي يفرضها، بل في ما يرسخه من بنية قانونية قائمة على التمييز، الأمر الذي يتنافى مع أبسط مبادئ العدالة، ويضع الحق في الحياة، باعتباره حقًا أساسيًا، أمام انتهاك مباشر. كما يشدد على أن الاحتلال، بصفته قوة قائمة بالاحتلال، ملزم قانونيًا باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، إلى جانب التزاماته بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، والتي تفرض قيودًا صارمة على استخدام عقوبة الإعدام، وتُلزم بضمان محاكمات عادلة تكفل حقوق الدفاع بشكل كامل، وهي معايير يرى أنها غائبة في هذا التشريع.

منظومة تشريعية تعيد تشكيل العقوبة

عند قراءة بنود القانون، يتضح أن المسألة لا تقتصر على إقرار عقوبة الإعدام، بل تتعداها إلى إعادة صياغة الإطار القانوني بما يسمح بتطبيقها بشكل واسع وفعّال. فقد صادقت الهيئة العامة للكنيست على القانون بالقراءتين الثانية والثالثة، بعد حصوله على أغلبية واضحة، في خطوة تعكس توافقا سياسيا على هذا التوجه.

وينص القانون على تنفيذ حكم الإعدام شنقًا خلال 90 يوما من تاريخ صدوره النهائي، مع إمكانية تأجيل التنفيذ لفترة لا تتجاوز 180 يوما بقرار من رئيس الحكومة، في حين يفرض الإعدام كعقوبة أساسية على الفلسطينيين في الضفة الغربية، خاصة أولئك الذين لا يحملون الجنسية أو الإقامة، في حال إدانتهم بالتسبب عمدا في وفاة شخص ضمن ما يُصنّف كعمل مقاوم.

وفي السياق ذاته، يحد القانون بشكل كبير من إمكانية استبدال الحكم بالسجن المؤبد، ويتيح إصدار حكم الإعدام دون الحاجة إلى طلب من النيابة العامة، ودون اشتراط وجود هيئة قضائية خاصة أو إجماع القضاة، كما يسلب القائد العسكري صلاحية تخفيف الحكم أو استبداله، ما يعني عمليًا إغلاق الباب أمام أي إمكانية للعفو.

كما يتضمن القانون تعديلات على منظومة السجون، بما ينظم ظروف احتجاز المحكوم عليهم بالإعدام، ويحدّ من الوصول إليهم، ويضمن سرية تنفيذ الحكم، في إطار يعزز من الطابع المغلق لهذه الإجراءات، ويقلّص من فرص الرقابة أو الطعن.

القانون امتداد لتحريض طويل

من جانبه إسلام عبدو مدير الإعلام في وزارة شؤون الأسرى والمحررين يقول في حديثه لعابر إن ما جرى لا يمكن فصله عن مسار طويل من التحريض السياسي، مؤكدا أن هذا القانون ليس جديد بالكامل، بل سبق طرحه منذ عام 2015، في سياق من الدعوات المتصاعدة داخل الكنيست لفرض عقوبات أكثر قسوة على الأسرى.

ويشير إلى أن هذه الدعوات كانت جزءا من خطاب سياسي استخدمت فيه قضية الأسرى لتحقيق مكاسب انتخابية، في ظل تنافس بين القوى المختلفة على تشديد الإجراءات بحقهم، وهو ما أدى في النهاية إلى بلورة هذا التشريع وإقراره.

وفي الوقت ذاته، يؤكد أن الاحتلال “ضرب بعرض الحائط كل الاتفاقيات والقوانين والأعراف الدولية والإنسانية واتفاقية جنيف وميثاق الأمم المتحدة”، موضحا أن واقع الأسرى قبل هذا القانون كان أصلا مأساويا، في ظل ما يتعرضون له من تعذيب متواصل، وإهمال طبي، وعمليات قتل خلال التحقيق.

ويضيف أن ما جرى بعد السابع من أكتوبر شكل نقطة تحول، حيث انتقلت مستويات غير مسبوقة من العنف إلى داخل السجون، بما جعل الأسرى يعيشون ظروفا لا يمكن وصفها، في ظل حرمان من الطعام، واستمرار لحالة الجوع، وممارسات قاسية تجاوزت كل ما كان قائمًا سابقًا.

ويرى أن أخطر ما في هذا القانون هو أنه يحوّل الإطار القانوني نفسه إلى أداة تهديد مباشر للحياة، في وقت يفترض فيه أن يكون القانون وسيلة للحماية، مشددا على ضرورة تحرك عاجل على المستويات كافة، من أجل وقف هذا التشريع.

قرار عدواني وإرهاب منظم

نائل البرغوثي، عميد الأسرى الفلسطينيين، اعتبر أن قانون “إعدام الأسرى” لا يمكن التعامل معه كتشريع عادي، بل هو قرار عدواني يؤسس لمرحلة جديدة من الإرهاب المنظم ويستهدف الوجود الفلسطيني بأكمله. وأوضح أن هذا التشريع لا يستهدف الأسرى وحدهم، بل كل فلسطيني يرفض الاحتلال أو يقاومه، محذرًا من أن أي شخص يقف في وجه الاحتلال بات معرضًا لخطر الإعدام وفق هذه العقلية الإجرامية. وشدد البرغوثي على ضرورة حالة استنفار وطني شامل، معتبرا أن الرد يجب أن يكون بمستوى خطورة هذا القرار وعلى قاعدة وحدة الموقف الوطني.

وأضاف البرغوثي أن اتخاذ مثل هذا القرار داخل مؤسسة برلمانية يستدعي موقفا مقابلا من المؤسسات الوطنية الفلسطينية، لا سيما إعادة الاعتبار للدور التشريعي الوطني، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تتطلب صياغة ميثاق وطني جديد يعكس وحدة الشعب الفلسطيني في مواجهة هذه السياسات. وأوضح أن أي حلول جزئية أو مجتزأة في ظل هذه التطورات تعتبر مجرد “تخدير” للشعب.

تحذير من أخطر مرحلة

أصدرت مؤسسات الأسرى الفلسطيين بيانا على خلفية إقرار القانون ونص على أنه بعد سنوات من محاولات منظومة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي فرض قانون لإعدام الأسرى الفلسطينيين، رغم ممارستها التاريخية لعمليات إعدام ممنهجة بحق الفلسطينيين ومنهم الأسرى “خارج إطار القانون” والتي بلغت ذروتها خلال جريمة الإبادة، وكل ذلك في سياق دولي يتسم بعجز واضح وتواطؤ متكرر برزت ملامحه بشكل جلي خلال جريمة الإبادة في غزة.

 ومع تصاعد استهداف الوجود الفلسطيني عبر سياسات التطهير العرقي والتهجير القسري، وترسيخ نظام الفصل العنصري، وتوسيع أشكال الإبادة لتشمل فضاءات أخرى كالسجون والمعسكرات؛ تتشكل اليوم مرحلة تعد الأخطر في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية. في هذا السياق، أقر ما يسمى “الكنيست الإسرائيلي” قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وهو قانون صيغ بصورة مباشرة لاستهداف الفلسطينيين دون سواهم.

من الأسرى إلى الاتحاد الأوروبي

فيما وجهت مؤسسات الأسرى من مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، وهيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير الفلسطيني  رسالة عاجلة إلى دول الاتحاد الأوروبي بشأن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقرته دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وأكدت الرسالة أن هذا القانون تمييزي بصورة جلية، إذ لا يطبق إلا على الفلسطينيين، ويجري تنفيذه عبر المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة.

ودعت المؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات فورية وملموسة، تشمل التعليق الفوري لاتفاقية الشراكة والتعاون المبرمة مع دولة الاحتلال، وفرض العقوبات عليها، ووقفَ التعاون العسكري والدبلوماسي والاقتصادي معها؛ صونا لمبادئ القانون الدولي وحمايةً للحقوق الإنسانية الأساسية.

وشددت المؤسسات على أن بيانات الاستنكار لم تعد كافية، مؤكدة الحاجة الماسة إلى أن تتخذ الدول إجراءات عاجلة وعملية لوقف هذا القانون، والحد من كافة الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين.

إدانات دولية وتحذيرات

على الصعيد الدولي، تصاعدت ردود الفعل الرافضة لإقرار هذا القانون، حيث صدرت إدانات عربية من الأردن ومصر  على أن ذلك يمثل تصعيدا غير مسبوق وتقويضا لضمانات المحاكمة العادلة، و أن القانون بحسب الخارجية الأردنية يتعارض مع قواعد القانون الدولي التي تحظر فرض السيطرة على الأراضي المحتلة عبر أطر تشريعية مفروضة من القوة القائمة بالاحتلال، وذلك بالتوازي مع بيان مشترك من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، اعتبر أن التوجه لاعتماد هذا القانون يمثل تقويضا لالتزامات إسرائيل بالمبادئ الديمقراطية.

كما لوح الاتحاد الأوروبي بإمكانية فرض عقوبات في حال البدء بتطبيق القانون، تشمل تعليق اتفاقيات التعاون، في حين طالب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بإلغائه فورا، مؤكدا أنه يرسخ انتهاك حظر الفصل العنصري، ويشكل خرقا للمعايير الدولية المتعلقة بالعقوبات القاسية.

من جهتها، اعتبرت منظمة العفو الدولية إقرار القانون “استعراضا علنيا للوحشية والتمييز”، محذرة من تداعياته على مستقبل حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.