العدالة تحت المجهر.. ما الذي يمنع النساء من اللجوء إلى القضاء في العراق؟

عابر- العراق 

يمثل وجود الحمايات الأمنية داخل المحاكم إجراء يهدف إلى حفظ النظام وضمان سلامة القضاة والمتقاضين، إلا أن هذا الدور يفقد مشروعيته عندما يتحول إلى مصدر ضغط أو تجاوز بحق المراجعين. ففي عدد من المحاكم العراقية، تشير شهادات نساء ومحاميات إلى ممارسات منسوبة إلى بعض أفراد الحمايات الأمنية، تتعلق بتدخلات غير مبررة في شؤون المتقاضين، أو أساليب تعامل تمس الكرامة الشخصية، خصوصا تجاه النساء.

وتكتسب هذه الممارسات خطورة خاصة داخل بيئة يفترض أن تكون آمنة ومنصفة، إذ يؤثر هذا السلوك بشكل مباشر على شعور النساء بالأمان أثناء مراجعة المحاكم، لا سيما في قضايا الأحوال الشخصية والعنف الأسري، وفي بعض الحالات، تسهم هذه التجارب في إحجام النساء عن الاستمرار في التقاضي أو المطالبة بحقوقهن، ما يفرغ القضاء من دوره كملاذ للحماية والإنصاف.

ترصد عابر في هذا التقرير قصص وتجارب نساء تعرضن لمضايقات داخل المحاكم، فضلن جميعهن عدم ذكر اسمائهن، لعرض واقع التعامل مع بعض أفراد الحمايات الأمنية وتأثيره على شعورهن بالأمان أثناء التقاضي، بهدف تسليط الضوء على الحاجة إلى بيئة قضائية تحمي حقوق جميع المتقاضين وتضمن كرامتهم.

أردت فقط الطلاق!

تمثل همسة (اسم مستعار) نموذجا لنساء أكدن أن قسوة الظروف المعيشية والاجتماعية قد تضعهن في مسارات قسرية، من بينها البقاء في زيجات لم يعد بالإمكان الاستمرار فيها، وفي حديثها لـ”عابر”، تقول همسة إن اضطراب علاقتها بزوجها دفعها إلى اللجوء للقضاء ورفع دعوى طلاق في إحدى محاكم بغداد، على أمل أن تجد إجراءات واضحة تسهم في إنهاء النزاع خلال فترة معقولة، إلا أن تجربتها بحسب روايتها، اتسمت بتعقيدات إجرائية وطول في المدة الزمنية قبل صدور أي قرار قضائي.

وتوضح همسة أنها، وأثناء مراجعتها للمحكمة، واجهت مضايقات وصفتها بـ“العلنية” من قبل أحد أفراد الحماية المرافقة للقاضي المختص بقضيتها. وتقول: “منذ اللحظات الأولى لدخولي المحكمة، وحتى وصولي إلى غرفة القاضي، بادر أحد أفراد الحماية إلى التعريف عن نفسه، واطّلع على أوراق الدعوى، ثم قال لي “سهلة، كل اللي تريديه يجرالج”.

 وتضيف أنها اعتقدت في البداية أن الأمر لا يتجاوز تسهيل الإجراءات الروتينية، بما في ذلك طلب رقم هاتفها، قبل أن يتضح لاحقا وفق روايتها،  أن هذه التسهيلات كانت مشروطة بطلبات غير أخلاقية!

وتشير همسة إلى أن هذه التجربة تركت أثرا نفسيا بالغا عليها، وأدت إلى شعورها بالخوف والتردد في مراجعة المحكمة مجددا، ما دفعها في نهاية المطاف إلى التراجع عن الدعوى والعودة إلى منزل زوجها، رغم استمرار الضغوط وعدم الاستقرار النفسي، “ما زلت أعيش حالة من القلق، وفي بعض اللحظات أبحث عن أي وسيلة للخلاص، وأحيانا يراودني التفكير بالانتحار، لأنني جربت الطريق القانوني وأصبح مجرد دخول المحكمة مصدر خوف بالنسبة لي”.

“منعت من الدخول”

وفي السياق ذاته، تروي جميلة (اسم مستعار)، البالغة من العمر 29 عاما لـ “عابر”، تجربة مشابهة خلال مراجعاتها القضائية، بعد أن سجن زوجها عام 2021، ما اضطرها إلى مراجعة المحكمة المختصة بقضيته بشكل متكرر، وخلال تلك المراجعات، تعرضت لمضايقات من قبل أحد أفراد الحماية المرافقة للقاضي المسؤول عن الدعوى.

وتوضح أن المضايقات بدأت بتعليقات وصفتها بـ”غير اللائقة”، كان من بينها سؤال مباشر وجه إليها حول مظهرها، الأمر الذي أثار شعورها بعدم الارتياح منذ اللحظة الأولى، ولعدم تفاعلها مع هذه التصرفات، منعت لاحقا من الدخول لمقابلة القاضي، في وقت كانت تلاحظ فيه أن الشخص ذاته يتولى استلام معاملات بعض المراجعين وتقديمها للقاضي بشكل استثنائي.

وتستذكر أن محاولات المضايقة تصاعدت، إذ سعى الشخص ذاته إلى الحصول على رقم هاتفها بحجة “تقديم المساعدة” وتسهيل الإجراءات القانونية، لكنها رفضت ذلك، ما عقد مسار قضيتها، واضطرها إلى توكيل محام مقابل أتعاب تجاوزت 450 ألف دينار عراقي، في ظل محدودية خياراتها الأخرى.

حاولت جميلة إيصال شكواها إلى القاضي المختص وشرح ما تعرضت له، بعد أن طلب منها الشخص نفسه مرافقته إلى إحدى الغرف داخل المحكمة، مدعيا أن الأمر يصب في مصلحتها، إلا أنها بحسب قولها، قوبلت برد غير متوقع، وتم إخراجها من القاعة! 

فضلت الانسحاب

أما زهرة (اسم مستعار) ذات الـ 39 عاما فقالت في حديث لـ”عابر” أنها تشعر بخوف شديد من مراجعة المؤسسات الحكومية عموما إلى الحد الذي لا يمكنها الجزم ما إذا كان ذلك يصل “الفوبيا” أم أنه شعور مشترك تعاني منه كثير من النساء دون وعي كامل بأسبابه.

وتوضح أنها عند إقامتها دعوى انفصال عن زوجها، ترددت كثيرا في دخول المحاكم، متأثرة بما سمعته من نساء أخريات عن مضايقات محتملة وتعطيل في سير الإجراءات قد يمتد لأسابيع، وهذه المخاوف تعززت خلال أول مراجعة لها للمحكمة، إذ لاحظت نظرات وصفتها بـ”المريبة” من أحد الأشخاص عرفت لاحقا أنه عنصر حماية تابع لأحد القضاة، كما شهدت صراخه على إحدى المراجعات ما دفعها إلى مغادرة المحكمة وترك ملف القضية لعدة أيام، قبل أن تتخذ قرار توكيل محام، خشية التعرض لموقف قد يمس كرامتها كامرأة معتبرة ذلك رغم كلفته المادية، وسيلة لحماية حقوقها وكرامتها، وتجنب أي مضايقات محتملة داخل المحكمة.

وتختتم زهرة حديثها بالتساؤل عن كيفية حدوث مثل هذه الانتهاكات في أماكن يفترض أن تكون ملاذا للعدالة والحماية، مؤكدة أن محاسبة من يرتكبون هذه التجاوزات أمر ضروري لمنع تكرارها، وعدم السماح بتشويه صورة العدالة القانونية في البلاد.

مضايقات تهدد استقلالية المحاميات

تروي محامية فضلت عدم ذكر اسمها العاملة في إحدى محاكم بغداد، تجربتها مع المضايقات اليومية من بعض أفراد الحماية المرافقة للقضاة، فقد طلب أحدهم رقم هاتفها بحجة تسهيل الإجراءات، ثم طالبها بمرافقته خارج المحكمة للتقرب، وهو ما شكل صدمة كبيرة لها.

وتشير إلى أن هذه الممارسات قد تشمل عرقلة عمل المحاميات لإجبارهن على الرضا بمطالب الحماية، مما يضعهن أمام خيار صعب، إما الاستجابة لتسهيل معاملاتهن ومعاملات موكليهن، أو المواجهة والتعرض لتأخير الإجراءات.

وتلفت المحامية إلى أن بعض زميلاتها اللواتي يعملن بطرق غير مهنية، يقمن بعلاقات مع الحماية لأخذ معلومات أو تسريع الإجراءات، ما أدى إلى تشويه الصورة العامة، إذ ينظر إلى بقية المحاميات بنفس النظرة، وهو ما يزيد من صعوبة ممارسة المهنة بشكل مهني وآمن ويبرز الحاجة لضمان بيئة قضائية تحمي حقوق المتقاضيات والمحاميات على حد سواء.

اتصالات ومحاولات للتقرب!

وتؤكد محامية أخرى فضلت أيضا عدم ذكر اسمها من خلال تجربتها مع مضايقات بعض أفراد الحماية المرافقة للقضاة كلام زميلتها جميلة، مشيرة إلى استغلال مواقعهم الوظيفية في ابتزاز المراجعات، وخصوصا اللواتي يفتقرن لمعرفة الإجراءات القانونية، لافته إلى أن العديد من هذه الحالات صعب التبليغ عنها، إذ يعد من يشغل هذه المناصب من “الخطوط الحمراء” داخل المحاكم.

وتضيف أن حادثة التحرش التي تعرضت لها تضمنت طلب رقم هاتفها بحجة تزويدها بمواعيد القاضي، إلا أن النوايا الفعلية كانت مختلفة، مع اتصالات في أوقات متأخرة ومحاولات تقرب غير مرغوبة، وأن رد فعلها عند التهديد بالشكوى لم يلق حتى أي اهتمام من الشخص نفسه.

وتلفت المحامية إلى صدمتها من ردة فعل القاضي المسؤول عن الحماية، الذي لم يتخذ أي إجراء أو توبيخ، مكتفيا بالاستغراب، ما يترك المجال للحمايات الأخرى لممارسة مضايقات مشابهة بحق المراجعين والمحاميات على حد سواء، ويعكس حاجة واضحة لضمان بيئة قضائية أكثر أمانا ومهنية.

وعود ليست بمحلها

من جانبها أكدت موظفة تعمل في إحدى المحاكم العراقية لـ “عابر” فضلت عدم ذكر اسمها، أن بعض عناصر الحماية الأمنية يعتبرون أنفسهم أصحاب القرار داخل المؤسسة القضائية، من خلال إطلاق وعود للمراجعين، لا سيما النساء، واستلام بعض القضايا، والتنسيق مع بعض المحامين، الأمر الذي دفعها إلى رصد عدة حالات تشير إلى شبهات فساد.

وذكرت قصة إحدى المراجعات التي حضرت إلى المحكمة في مناسبة سابقة وانهالت بالصراخ والشتم على أحد عناصر الحماية، بعد أن تبين لها أنه قدم وعودا لها مقابل تقرب شخصي، مؤكدة أن هذه الحالة تعد واحدة من عدة حالات شهدتها خلال عملها في المحكمة. 

وأوضحت الموظفة أنها حاولت رصد الانتهاكات، خاصة أن بعض هؤلاء قد يطلب مبالغ مالية أو يمارسون ضغوطا غير أخلاقية، بوجود من يشجع على هذه التصرفات، ما يعكس حاجة ملحة لضبط عمل الحمايات وضمان بيئة قضائية آمنة ومهنية لجميع المتقاضين.

وأكدت على أن المحاكم في هذه الحالات ترد الدعاوى للقاضي نفسه، وفي محاولات عديدة رصدت أن القاضي المسؤول لم يتخذ أي إجراء في أكثر من مناسبة، مما جعل تقديم الشكاوى ضد هؤلاء الأشخاص غير مجد.

إلزام الحد وعدم التدخل

في وقت سابق، كان مجلس القضاء الأعلى قد أكد على توجيه القضاة ودائرة الحراسات القضائية بمنع الحراس الشخصيين لهم من التدخل في أعمال المحامين أو تجاوز حدود واجباتهم الوظيفية بعد أن تم مناقشة الظاهرة المتكررة التي يقوم فيها بعض الحراس المكلفين بحماية القضاة بالتدخل في أعمال المحامين، وهو ما يعد خروجا عن مهامهم الأساسية.

وأوضح المجلس في بيان آنذاك أن دور الحارس الشخصي يقتصر على تأمين القاضي فقط، ولا يجوز له تقديم أي رأي أو التدخل في طلبات المحامين أو المواطنين، مشددا على محاسبة المخالفين للتوجيه، سواء بإنهاء العقد أو النقل إلى مهام أخرى لا تتعلق بعمل المحاكم.

تغير كبير وجهود حثيثة

من جهته أوضح القاضي السابق الدكتور وائل عبد اللطيف، في حديثه لـ”عابر”، أن الإشراف القضائي في بغداد هو الجهة المسؤولة عن استقبال الشكاوى المقدمة ضد أفراد الحماية أو أي جهة داخل المحاكم، ويتخذ الإجراءات اللازمة حسب كل حالة.

 ولفت إلى أن الإشراف يشهد عددا كبيرا من الشكاوى ضد القضاة الجدد، لا سيما قضاة التحقيق وقضاة الأحوال الشخصية، لافتا أن الأوضاع تغيرت كثيرا عن السابق، وأن هناك جهودا جارية لبناء نظام قضائي أكثر فاعلية خلال جلسات مجلس النواب المقبلة، بهدف إيجاد حلول جذرية للتصرفات المخالفة داخل المحاكم.

وأضاف القاضي وائل أن هناك فرقا واضحا بين القضاء في الماضي والحاضر، مشيرا إلى أن القضاء قبل عام 2003 كان يتميز بالقوة والالتزام، بينما الوضع الحالي يحتاج إلى تطوير لضمان سير العدالة بالشكل الصحيح، مؤكدا أن الحمايات لا يجوز لها التصرف بطرق تمنع المراجعين من الوصول إلى القضاة، وأن أبواب القضاء يجب أن تظل مفتوحة أمام المواطنين، لأن مهمة القضاء الأساسية هي خدمة الناس، وأي خروج عن هذا المبدأ يضر بالمؤسسة وثقة المجتمع بها.

مطالب بتشريع يحمي المرأة

أكدت أنسام سلمان، رئيسة منظمة “آيسن” لحقوق الإنسان، أن التحرش والمضايقات والمساومات التي تواجهها المرأة في العمل تبقى من أكثر المشاكل الشائعة، مشددة على الحاجة المستمرة لتشريع القوانين وتفعيل البنود والإجراءات والتسهيلات التي تشجع المرأة على تقديم الشكاوى عند تعرضها لأي انتهاك، لضمان ممارسة مهنتها بأمان.

وأضافت سلمان في تصريح لـ عابر، أن بعض المضايقات والانتهاكات التي تتعرض لها المحاميات هي سلوكيات فردية لا يمكن تعميمها، مؤكدة أن الجسد القضائي متماسك وقوي وينبذ هذه التصرفات ويعاقب مرتكبيها وفق أشد العقوبات المتاحة.

وأوضحت أن حمايات القضاء جزء من السلك الأمني ولديهم قواعد وسلوكيات صارمة، وأن هناك إشرافا قضائيا يسمح لأي محامية بتقديم شكوى مدعومة بالأدلة ومحاسبة الحمايات المخالفة، بما يحمي حقوق المرأة ويضمن الالتزام بالقوانين والنظم المعمول بها.

أسئلة قيد الإجابة!

حاول معد التقرير التواصل مع مجلس القضاء الأعلى للحصول على ردود عن استمرار ظاهرة المضايقات التي يمارسها بعض عناصر حمايات القضاة بحق عدد من المراجعات والمحاميات على حد سواء في رحاب المحاكم العراقية، والدور الممكن للمجلس في الحد منها، إذ جرت عدة محاولات للتواصل مع المجلس، حيث طلب خلالها تقديم إثباتات صحفية ورسمية تتعلق بجهة العمل، وقد تم تزويده بذلك. لاحقا، طلب تقديم بطاقة عضوية في نقابة الصحفيين العراقيين، وهو ما أسهم في إطالة أمد الحصول على الردود، وحتى لحظة نشر هذا التقرير، لم يرد أي رد رسمي من المجلس.