انتهاكات بلا رادع: صحفيات يواجهن التمييز والتحرش في الصومال

منى ميسكي
يوثق التحقيق بالاستناد إلى شهادات عشر صحفيات، ونتائج استبيان، ودراسات ميدانية، ولقاءات مع مسؤولين/ات في مبادرات ونقابات، ما تواجهه صحفيات في الصومال من تمييز على أساس النوع، وتحرش ومساومات ذات طابع جنسي، في ظل غياب سياسات واضحة مكتوبة للتعامل مع قضايا العنف أو التمييز داخل المؤسسات الصحفية، وغياب نصوص تشريعية واضحة تُجرّم التحرش الجنسي في الصومال.
بعد يوم شاق من العمل الميداني، عادت حليمة، اسم مستعار (30 عاماً)، إلى مقر الإذاعة حيث تعمل صحفية إذاعية. ورغم ما أصابها من إرهاق نتيجة ساعات عمل متواصلة، قررت استئناف العمل وكتابة تقريرها التي تعمل عليه. وفي أثناء جلوسها بمكتبها، تسترجع “مشاهداتها الميدانية”، تكتب جملة تارة، وتفكر تارة أخرى؛ ناداها مديرها وقدم لها كوباً من الماء، مبدياً إعجابه بعملها.
شعرت حليمة بتقدير مهني أزال تعب العمل، لكنّها ثوانٍ معدودة، قطعها المدير بوضع يده فجأة على ساقها بعد أن جلس بجوارها. ورغم أنه كرّر سابقاً محاولة لفت انتباهها عن طريق عبارات تتعدى معنى “الإطراء”، مثل “لديكِ جسد جميل… أنتِ جميلة، دعينا نتفاهم“، كانت هذه المرة الأولى التي يتحرش بها جسدياً.
تقول حليمة إنها حاولت دفعه بعيداً: “حاول أن يعتدي عليّ جنسيًا، لكنني قاومته ودفعتُه وهربت”. غادرتْ مقر الإذاعة بعد ذلك، ولم ترجع مرة أخرى. كانت المفاجأة أن هدّدها بالقتل؛ لذا لم تجرؤ حليمة أن تُخبر أحداً، وفق قولها.

“للرجال فقط”
ما حدث مع حليمة ليس حادثاً استثنائياً، بل تمييز متعمد صاحبها طوال سنوات عملها الخمس، ليذكرها أن هذا العالم يبدو كما لو أنه مسجل “للرجال فقط”. تسترجع حليمة رد مدير الإذاعة السابقة، التي عملت فيها، حين عرضت عليه مقترح برنامج رياضي: “أنتِ امرأة، كيف ستتحدثين عن كرة القدم؟”. لم تُحرم من تنفيذ فكرتها فحسب، بل سُلبت منها وأعطيت لزميل، وفق شهادتها.
حليمة واحدة من الصحفيات اللاتي التقتهن معدة التحقيق، ومثلها 30 صحفية شاركن في استبيان أجرته معدة التحقيق، ويعملن في وسائل إعلام حكومية وخاصة، في مختلف ولايات الصومال، تعرضت غالبيتهن (83 في المئة تقريباً) للتمييز في الرواتب والبدلات المالية بالدرجة الأولى، متبوعاً بالتمييز في توزيع المهام والمسؤوليات، ثم فرص الترقي وتولي المناصب الإدارية.

تقول إلهان حسن*، التي تنقّلت خلال سنوات عملها العشر في الصحافة بين العديد من غرف الأخبار، إنّ معظم الصحفيات الصوماليات يتعرّضن لمواقف عديدة، تنطوي على انتقاص من كرامتهن لمجرد كونهن نساء.
وحول تجربتها، تستدرك أنّها عملت مراسلة ميدانية، في أوقات وأماكن “ملتهبة”، شهدت تفجيرات وحرائق واحتجاجات، وقدمت تغطيات صحفية كزملائها الرجال، الذين مُنحوا الأولوية أحياناً، لأنهم رجال فقط، على حد قولها.
دشنت مريم زيلع، التي عملت مراسلة ميدانية، “رابطة الإعلاميات الصوماليات” عام 2006؛ للدفاع عن حقوق الصحفيات، وقد وصلت بخدمات المؤسسة إلى 300 صحفية. تقول مريم إن تجربتها المهنية كشفت لها وجهاً آخر للتمييز؛ إذ شهدت، بحسب روايتها، قيام إدارة إحدى القنوات التلفزيونية في العاصمة مقديشو بإجبار الصحفيات على التناوب في إعداد الطعام لزملائهن الرجال.
ترى مريم أن الانتهاكات التي تتعرض لها الصحفيات داخل المؤسسات الإعلامية، بما فيها التمييز ضد النساء، ومنعهن من الترقّي، والاستغلال الجنسي، هي الأخطر مقارنة بالانتهاكات التي يتعرضن لها في العمل الميداني، أو حتى الانتهاكات الرقمية.
نشرت أيضاً رابطة الإعلاميات الصوماليات عام 2025، دراسة بعنوان: “النوع الاجتماعي في المحتوى الإعلامي في الصومال: دراسة خط أساس”، تكشف الدراسة عن فجوة كبيرة بين تصورات إدارات مؤسسات إعلامية صومالية، وصحفيات يعملن في المؤسسات ذاتها حول تمكين المرأة في الإعلام، لا سيّما في تغطية القضايا السياسية والاقتصادية.
واعتمدت الدراسة على استبيان ومقابلات مع ثمانية مديرين وثماني صحفيات، إضافة إلى تحليل محتوى المؤسسات. وأظهرت النتائج أن نصف المديرين يؤكدون تكليف الصحفيات بهذه الملفات بكثرة، في حين ترى معظم الصحفيات أنّ ذلك يحدث أحياناً فقط، وذلك على النقيض من إجابات رؤسائهم في العمل.

“تفاهمات خاصة”: مساومة
خلال جمعنا لشهادات الصحفيات، التقينا “هبة”، واحدة من خمس صحفيات تعرضن لتحرش جسدي أو لفظي، من أصل عشر صحفيات واجهتهن جميعاً مساومات ومحاولات ابتزاز ذات طابع جنسي، وفق ما جاء في شهاداتهن.
لم تكن “هبة” (اسم مستعار) قد تجاوزت العشرين من العمر حين حملت الكاميرا، لتعمل مصورة صحفية، متتّبعة خطى والدها الراحل، الذي فقد حياته خلال هجوم شنته حركة الشباب، المصنفة إرهابية، على فندق في العاصمة مقديشو، خلال وجوده في مهمة عمل.
تروي هبة أنها واجهت، منذ بداياتها المهنية، تمييزاً مباشراً من زملائها الرجال، وسمعت عبارات مسيئة تنتقص من دور المرأة، من قبيل: “مكان المرأة في المطبخ لا الميدان… والتصوير مهنة للرجال فقط”. وتشير إلى أنه عند دخولها المجال، كان التصوير الصحفي شبه محتكر من قبل الرجال، الذين رفض كثيرون منهم العمل إلى جانب النساء، ما خلّف إحباطاً واسعاً لدى عدد من المصوّرات ودفع بعضهن إلى مغادرة المهنة نهائياً.
غير أن هذا المناخ الطارد لم يكسر هبة؛ فقد اختارت الاستمرار، متحدّية القيود الاجتماعية والمهنية، ومتمسكة بحقها في الوجود خلف العدسة، كما في الميدان.
بينما كانت تكابد مشقة عملها كمصورة صحفية، خاصة في البيئة الخطرة للعاصمة مقديشو، بلا دعم من زملائها الرجال الذين يرونها دخيلة على المهنة، تعرضت هبة لاختبار أكبر؛ حين ساومها مسؤول على فرصة وظيفية أفضل وراتب أكبر، مقابل ما وصفه بـ”تفاهمات خاصة”.
رفضت هبة ملاحقات المسؤول، فانتقل من المساومة إلى التهديد، وحرمها من مهام ومشروعات وفرص سفر، وتوعدها أنّها لن تجد فرص عمل مستقبلاً إن تمسكت برفضها.
تكشف نتائج الاستبيان، الذي أجرته معدّة التحقيق، صورة صادمة عمّا يجري خلف أبواب غرف الأخبار. فقرابة 67 في المئة من المشاركات أفدن بتعرّضهن لتحرّش جنسي؛ غالباً داخل بيئة العمل نفسها، ولأكثر من مرة، وعلى امتداد سنوات في بعض الحالات. الأخطر أن المعتدي لم يكن طرفاً عابراً في معظم الحالات؛ إذ تشير البيانات إلى أن نحو 75 في المئة من الوقائع ارتكبها أشخاص يشغلون مواقع قيادية داخل المؤسسة، مقابل 20 في المئة من زملاء صحفيين، وخمسة في المئة من موظفين آخرين. ورغم فداحة الأرقام، فإن نحو 70 في المئة من المتضررات اللواتي تعرّضن للتمييز أو التحرش آثرن الصمت، ولم يتقدمن بأي شكوى؛ ما يعكس فجوة ثقة عميقة في آليات الحماية والمساءلة داخل المؤسسات الإعلامية.

ترى المحامية كاثرين ماكِينون، التي عملت كأول مستشارة جندرية للمدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، في كتابها “التحرش الجنسي بالنساء العاملات: حالة تمييز جنسي” أنّ التمييز الجندري والتحرش الجنسي داخل بيئات العمل يعدّ تعبيراً مباشراً عن ما تسميه “مقاربة عدم المساواة”، مؤكدة أن التحرش الجنسي هو شكل من أشكال التمييز القائم على النوع داخل سياق العمل.
وثّق الاتحاد الوطني للصحفيين الصوماليين (NUSOJ)، بين عامي 2023 و2025، 79 حالة عنف جنسي وعنف قائم على النوع الاجتماعي ضد الصحفيات في مختلف مدن الصومال. شملت الانتهاكات التحرش، والاعتداء، ومحاولات الاغتصاب، والترهيب، والإساءة عبر الإنترنت، مسبّبة خوفاً وأضراراً نفسية دائمة لكل ضحية.
ووقعت الاعتداءات خلال تنفيذ مهام إعلامية ميدانية، أو داخل غرف الأخبار، على يد زملاء أو مشرفين يستغلّون مواقعهم الوظيفية، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً.
من جانبه، يقول عبد الله مؤمن، الأمين العام لنقابة الصحفيين الصوماليين، وهي منظمة غير حكومية، إنّ النقابة أنشأت نظاماً سرياً و”مجهول الهوية” لتوثيق حالات الاعتداء والاستغلال الجنسي، التي تتعرض لها النساء العاملات في قطاع الإعلام، مشيراً إلى توثيق أكثر من اثنتي عشرة حالة خلال العامين الماضيين (2024-2025).
ويوضح عبد الله أنّ كثيراً من النساء يفضّلن عدم التقدّم بشكاوى لأسباب منها؛ الخوف من الوصم الاجتماعي، ولوم الضحية، وما قد يترتب على ذلك من تبعات طويلة الأمد. مستدركاً أنّ النساء اللواتي يُبلّغن عن العنف الجنسي يواجهن، في كثير من الحالات، الإقصاء من العمل وتوتّر العلاقات الأسرية، فيما تلتزم بعض الضحايا الصمت اعتقاداً بأن ذلك أكثر أماناً لهن.
يقرّ بأن هذا الواقع يجعل مهمتهم شاقة إلى حد بعيد، غير أنهم، رغم ذلك، يواصلون العمل على توثيق الحالات بصورة تراكمية ومنهجية، وتقديم ما أمكن من دعم للناجيات، بحسب قوله. ويستحضر عبد الله مثالاً لصحفية فقدت وظيفتها بعدما رفضت تحرّش مديرها؛ إذ تولّت النقابة تغطية تكاليف عودتها إلى أسرتها في منطقة ريفية. ويؤكد أن هذه الواقعة لا تمثّل استثناء، بل تعكس نمطاً يتكرر بصور مختلفة داخل بيئات العمل الإعلامي.

سياسات حماية غائبة
تشير الوقائع، التي جمعتها معدّة التحقيق، إلى قاسم مشترك بين المؤسسات الإعلامية التي شهدت حالات تحرّش وابتزاز جنسي: يتمثل في غياب سياسات داخلية واضحة، أو مدونات سلوك ملزمة، تنظّم علاقات العمل، ولا سيّما بين الجنسين، وفق الشهادات.
وتُظهر نتائج الاستبيان أن معظم الصحفيات اللواتي تعرّضن لتحرّش جنسي أكدن عدم معرفتهن بوجود أي سياسات من هذا النوع داخل مؤسساتهن، فيما ذهبت القلة المتبقية إلى نفي وجودها أساساً، بحسب إفاداتهن. وهو ما يعكس فراغاً تنظيمياً يضاعف هشاشة بيئة العمل.
في السياق ذاته، تنفي فرحية خيره، رئيسة منظمة الصحفيات الصوماليات، وجود سياسات رسمية لمكافحة التمييز والتحرّش في المؤسسات الإعلامية، لكنّها تشير إلى أن المنظمة أصدرت عام 2019 ميثاقاً لحماية الصحفيات وتعزيز بيئة عمل آمنة، وقد لقي، بحسب قولها، تجاوباً من بعض غرف الأخبار، التي بادرت إلى تركيب كاميرات داخلية واعتماد إجراءات تنظيمية جديدة.
ونشرت المنظمة دراسة نهاية عام 2025، حول النوع الاجتماعي في المحتوى الإعلامي في الصومال، وأظهرت المقابلات التي أُجريت مع مديري مؤسسات إعلامية أن وجود سياسات جندرية مكتوبة لا يزال استثناء نادراً؛ إذ أكد مدير واحد فقط امتلاك سياسة رسمية تتضمن بنوداً لمنع التحرش الجنسي، فيما اعتمدت غالبية المؤسسات ممارسات غير رسمية، أو الالتزام العام بالقوانين الحكومية، دون أطر داخلية واضحة أو آليات تنفيذ.
تواصلت معدة التحقيق مع عدد من المسؤولين في مؤسسات إعلامية مختلفة، للتأكد من وجود سياسات مكتوبة تجرّم التمييز والتحرش الجنسي، ولم يستجب سوى اثنين فقط. الأول برهان ديني فارح، مدير إذاعة “راديو كلميه”، الذي أكد أن الإدارة تتابع سلوك المسؤولين والمشرفين لضمان عدم إساءة استخدام السلطة تجاه الموظفين، لا سيّما النساء. ويلفت إلى وجود لوائح تنظم العلاقة المهنية، وتحظر أي شكل من أشكال التحرش أو التمييز، مشدداً على تنفيذها دون استثناء.
أما المسؤولة الثانية، فهي صحفية تشغل منصباً إدارياً في إذاعة وتلفزيون ولاية بنادر الحكومية -طلبت عدم ذكر اسمها- فتنفي علمها بوجود سياسة واضحة ومكتوبة للتعامل مع قضايا العنف أو التمييز في المؤسسة. وتضيف أن المشكلات التي تواجه النساء تُعالج وفق أعراف الحلول القبلية أو التراضي، لا وفق إطار مؤسسي رسمي.

فجوات قانونية
يرى أحد المحامين في مقديشو -طلب عدم ذكر اسمه- أن جزءاً من المشكلة يبدأ من غياب الوعي؛ إذ لا تدرك كثير من الصحفيات والنساء العاملات أن ما يتعرّضن له يرقى إلى جرائم تستوجب الإبلاغ والمساءلة. ويحمّل مؤسسات العمل مسؤولية هذا القصور، لعدم تنظيمها جلسات توعية دورية للعاملين والعاملات، ما يفضي، بحسب قوله، إلى ضياع حقوق النساء وتسهيل إفلات المعتدين من العقاب.
ويضيف أن وجود سياسات داخلية، حتى إن وُجدت، لا يكفي وحده لضمان المحاسبة في قضايا التحرش والابتزاز الجنسي؛ إذ يتطلّب إنزال العقوبات اللجوء إلى القضاء. غير أن هذا المسار يصطدم بتحديات بنيوية، في مقدمتها عدم تحديث قانون العقوبات الصومالي الصادر عام 1962، بما يواكب طبيعة الجرائم المعاصرة ويكفل حماية أكثر فعالية للضحايا.
خلصت دراسة بعنوان “الصومال: العدالة بين الجنسين والقانون”، الصادرة عام 2022، عبر شراكة بين عدة منظمات أممية، إلى فراغ تشريعي واضح يتمثل في غياب نص محدد يُجرّم التحرش الجنسي في القانون الصومالي.
مقابل ذلك، شهدت التشريعات المتعلقة بأماكن العمل تحديثات مهمة بصدور قانون العمل الوطني رقم (36) لعام 2024، فبحسب تقرير “العدالة والمساواة بين الجنسين أمام القانون”، يحظر قانون العمل الجديد أشكال التمييز كافة في العمل؛ سواء في التوظيف أو التدريب أو الأجور أو الترقيات، ويُلزم أصحاب العمل بوضع سياسات تضمن المساواة وتكافؤ الفرص. كما يحظر القانون جميع أشكال التحرش الجنسي في مكان العمل؛ سواء كان التحرش لفظياً أو جسدياً أو سلوكياً، ويُطلب من أصحاب العمل وضع سياسات مكتوبة وآليات شكاوى سرية للحد منه.
ويعاقب القانون المخالفين بغرامات مالية تتراوح بين مئة ألف وخمسمئة ألف شلن صومالي، وقد تصل إلى وقف الترخيص المهني في حالة التكرار، وتزداد العقوبة إذا ارتبطت المخالفة باعتداء جسدي أو تحرش جسيم. ومع ذلك، تبقى هذه العقوبات إدارية ومهنية فقط وليست جنائية؛ ما يستلزم تعديل قوانين العقوبات لتشمل الجرائم الجنسية، خاصة بعد رفض مجلس الشعب عام 2020 مشروع القانون السابق.
توضح محامية في النيابة العامة -اشترطت عدم ذكر اسمها- أنه رغم غياب قانون مستقل يُعنى صراحةً بـالتحرّش الجنسي في مكان العمل، فإن هذه الأفعال لا تُترك بلا توصيف قانوني؛ إذ تُدرج وتُلاحق ضمن النصوص العامة المتعلقة بالاعتداءات الجنسية.
غير أنها تستدرك بأن هذا الإطار العام لا يكفي، مشيرة إلى الحاجة إلى حزمة إصلاحات تشريعية تعالج أوجه القصور في القوانين الناظمة للجرائم التي تستهدف النساء. وتلفت إلى أهمية إقرار قانون واضح للتحرّش في بيئة العمل، يتضمن تعريفاً دقيقاً لمختلف أشكال الانتهاك، ويُلزم المؤسسات بتوفير قنوات إبلاغ آمنة وسرّية.
كما تؤكد المحامية ضرورة تعزيز حضور النساء في أجهزة إنفاذ القانون، من الشرطة إلى النيابة والقضاء، بما يعزّز ثقة الضحايا ويخفف من رهبة التقدّم بشكوى، إلى جانب إطلاق برامج توعية مجتمعية واسعة تُرسّخ ثقافة تحترم حقوق النساء، وتجرّم العنف ضدهنّ، ليس فقط كنصوص قانونية، بل كممارسة يومية ملزمة.
خوفًا من فقدان وظيفتها ومصدر دخلها، وإن كان محدوداً، وخشية انتقام المسؤول، ويأساً من أن تجد من يصغي إلى شكواها، اختارت “هبة” الصمت على مضض. فبينما كانت ترى من أساء إليها يواصل صعوده الوظيفي، ظلت هي مثقلة بتجربة لم تتخطاها بعد.
وبينما رفضت “هبة” الابتزاز والتهديد، وتمسّكت بحقها في العمل بدعم أسرتها، وواصلت مسيرتها كمصوّرة صحفية، دفعت “حليمة”، التي تعرّضت لاعتداء جنسي، ثمناً مختلفاً؛ إذ فقدت شغفها بالمهنة، وغادرت الصحافة والصومال معاً. تقول: “تسببت لي هذه الحادثة بألم نفسي شديد”.
اليوم، تروي حليمة قصتها للمرة الأولى، ورغم مرور عدة سنوات، لا تزال تخشى أن تُواجَه باللوم لا بالتضامن، وتحرص على ألا يعرف أبناؤها ما حدث. تأمل أن تُسنّ قوانين واضحة تحمي الصحفيات، مؤكدة أن “تطور أي بلد يعتمد على النساء اللواتي يعشن فيه”. وتوجّه رسالة إلى الصحفيات: “احمين أنفسكن، دافعن عن حقوقكن”، في اعتراف مؤلم بأن الصمت لم يحمِها، بقدر ما وفّر مظلة أمانٍ للجاني.
أنجز هذا التحقيق بدعم من أريج
