ليبيا بين الدعم الأوروبي وجرائم البحر: من يحاسب خفر السواحل؟

عابر- ليبيا

إسراء الأعرج

في البحر المتوسط، ما تزال موجات الهجرة تحمل قصصا تتكرر كل يوم، بين من يبحث عن الأمان ومن يلاحقه الخوف. في عرض البحر، تعترض قوارب المهاجرين على يد خفر السواحل الليبي، لتتحول محاولات النجاة إلى رحلة عودة قسرية نحو المجهول، وهناك خلف الأسوار المغلقة، تتسع دوائر الانتهاكات من احتجاز وتعذيب وابتزاز، في مشهد وثّقته تقارير دولية ونددت به منظمات حقوقية حول العالم.

وفي الوقت الذي تتعالى فيه الدعوات لوقف الدعم الأوروبي لليبيا وإنهاء التعاون القائم بموجب مذكرات التفاهم، تبقى الأسئلة معلّقة حول مسؤولية العالم أمام ما يجري، وحول الكلفة الإنسانية لسياسات تبرر الانتهاك باسم ضبط الحدود.

تشكل ليبيا منطقة “عبور” للمهاجرين الفارين من بلدانهم التي تعاني من الحرب أو الفقر أو عدم الاستقرار، في محاولة للحصول على فرص عمل أفضل بـ “القارة العجوز” مخاطرين بكل ما يملكون ليصدموا بالإجراءات المتبعة من قبل السلطات الليبية لـ “حكومة الوحدة “برئاسة عبد الحميد الدبيبة والتي أصبحت توصف بـ “شرطي أوروبا” في البحر المتوسط ومنع أي تدفقات للمهاجرين.

احتجاز تعسفي واتجار بالبشر

يقول جمال وهو أحد المهاجرين الذين وقعوا في قبضة السلطات الليبية خلال فراره عبر البحر الأبيض المتوسط، أن السلطات تتعامل مع المهاجرين على أنهم مجرد أرقام داخل سجن غوط الشعال في طرابلس، و”بمجرد الوصول للسجن يطلب من كل مهاجر 1500 دولار وهو مبلغ لم يدفعه أحد منا ليتم بيعنا “للميليشيا” المسؤولة عن سجن بئر الغنم ليرتفع المبلغ هناك إلى  2500 دولار امريكي”.

أما المهاجر مروان والذي يصف السجن الذي احتجز فيه، “كان السجن مصنوعًا من صفائح معدنية مغروسة في الأرض، تُشكل قبة معدنية فوقنا، وكانت الحرارة تصل  إلى 60 أو 70 درجة مئوية في فترة الظهيرة إذ كان من المستحيل على الإنسان البقاء على قيد الحياة في مثل هذه الظروف.

وتابع “كانت الأمراض متفشية لم تكن هناك نظافة، ولا رعاية، ولا أي شيء صحي، لم يكن لدينا ماء للاستحمام، ولا ملابس، وقبل أوقات الطعام كان الناس ينهارون من الحر والجوع. وعندما يُغمى على أحدهم، لا يأتي أحد لمساعدته وإسعافه كانت عظامنا تؤلمنا من الحر، وأصبح جلدنا هشًا لدرجة أننا شعرنا بأنه لم يعد يغطي عظامنا، مات أشخاص في السجن. جوعًا، مرضًا، وتعفنًا “.

لقمة مغمسة بالمخدرات والتحرش الجنسي

تسرد جميلة والتي احتجزت ما حصل معها بعد القبض عليها على متن أحد قوارب المهاجرين “أخذوني إلى طرابلس ووضعوني في السجن، وهناك يُعطوننا الطعام مع المخدرات، فننام طوال الوقت، وهذه المخدرات تؤثر على الجنين أيضًا، وتسبب الألم و”كأنكِ تُجهضين”.

وتابعت بألم في هذا المكان، ليس لديهم قلب أنجبت طفلي مبكر جدا في شهره السابع بسبب المخدرات، ، وفي المرة الثانية التي سجنت فيها، كنت قد أنجبت طفلي بالفعل، وطلبت الماء له مرات عديدة، لكنهم لم يُعطوني شيئًا بالعكس وقتها اكتفوا بضربي، واغتصابي.”

حراس البحر لمنع الهجرة

المستشارة القانونية ورئيس المنظمة الليبية لحقوق الإنسان حنان الشريف لـ”عابر” أكدت على أن مراكز الاحتجاز في ليبيا تشهد انتهاكات جسيمة وممنهجة تشمل الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والعنف الجنسي، والاتجار بالبشر، والقتل والإخفاء القسري، موضحة أن الضحايا يُنقلون إلى مواقع احتجاز خارج أي رقابة قضائية أو إنسانية، ما يشكّل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

وأضافت أن هذه الممارسات تخالف اتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية حقوق الطفل ومبدأ عدم الإعادة القسرية، مشيرة إلى أن ضعف مؤسسات العدالة وغياب الرقابة يكرّسان الإفلات من العقاب رغم تجريمها في القوانين الليبية.

وبيّنت أن انخراط الحكومة الليبية في الاتفاقيات الدولية يرتبط غالبا بالدعم الأوروبي والسعي لتثبيت الشرعية الدولية، غير أن هذا الدور الذي يحوّل ليبيا إلى “حارس بحر” بالوكالة يأتي على حساب حقوق المهاجرين وسلامتهم.

ولفتت إلى أن السياسات الأوروبية تتجه نحو “خارجية إدارة الحدود” عبر التعاون مع دول مثل ليبيا لخفض تدفقات المهاجرين، ما يجعلها محطات احتجاز ومعالجة للهجرة. ورغم أن استمرار هذه السياسات مرجّح في ظل الدعم الأوروبي والبنية الليبية القائمة للاحتجاز، تواجهها مقاومة متزايدة من منظمات المجتمع المدني وضغوط قضائية وسياسية تطالب بإنهاء الاحتجاز وإيجاد مسارات آمنة وحلول إنسانية بديلة، فيما يبقى المسار المستقبلي رهين توازن المصالح السياسية والالتزامات الحقوقية الأوروبية.

دعم مالي بنتيجة معاكسة

من جهته عضو مجلس النواب الليبي عبد المنعم العرفي قال في تصريح خاص لـ”عابر” إنّ المطالبات الأوروبية المتزايدة بوقف الدعم المالي لحكومة طرابلس تأتي نتيجة لدورها في تسهيل خروج المهاجرين غير النظاميين من السواحل الغربية، رغم أن هذا الدعم كان مخصصًا لكبح شبكات التهريب.

وأشار إلى أنّ عمليات الاتجار بالبشر تفاقمت حتى أصبحت “مهنة” تُزجّ فيها أرواح المهاجرين في عرض البحر، حيث تُسجّل انتهاكات خطيرة وصلت حد إطلاق النار على قوارب المهاجرين وسفن الإنقاذ الدولية.

وأضاف العرفي أن هذه الممارسات تضع ليبيا في موقف محرج أمام الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، مشددًا على أن القانون الدولي يجرّم الاتجار بالبشر واستغلالهم. وأوضح أن مجلس النواب دعا مرارًا إلى احترام حقوق الإنسان والقوانين الدولية، مؤكدًا أن استمرار هذه الانتهاكات ينعكس سلبًا على الوضعين السياسي والاقتصادي في البلاد.

وختم العرفي بالتأكيد على أن تحسين صورة ليبيا يتطلب احترام حقوق الإنسان وضبط الحدود ومحاربة مهربي البشر، مع ضرورة العمل على تنمية الدول المصدِّرة للهجرة للحد من تدفقها، وتنظيم المنافذ الجوية والبرية والبحرية بما يضمن الأمن ويحافظ على سيادة الدولة.

آلاف الضحايا

أظهرت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد من جرى اعتراضهم منذ بداية العام الحالي بلغ 1859 مهاجرا، إضافة إلى تسجيل 503 حالات وفاة وفقدان خلال الفترة ذاتها.

كما أظهرت بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة وجود 928,839 مهاجرا من أربع وأربعين جنسية موزعين على مختلف البلديات الليبية، بزيادة بلغت 18% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تمركز أكثر من نصف هذا العدد في المنطقة الغربية.

إدارة الهجرة

وقعت الحكومة الإيطالية مع السلطات الليبية في 2017 مذكرة تفاهم حول إدارة تدفقات الهجرة التي تلزم الحكومة بمواصلة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة تهريب المهاجرين ومنع مغادرتهم ليبيا، والتي وافق مجلس النواب الإيطالي بالأغلبية على اقتراح تجديد المذكرة بتصويت مئة وثلاثة وخمسون نائبا مؤيدا، مقابل مئة واثني عشر معارضا، وامتنع تسعة أعضاء عن التصويت.

في المقابل رفضت الحكومة الإيطالية المقترح المقدم من قبل عدد من الأحزاب والتحالفات الداعية إلى عدم المضي قدما في التجديد التلقائي للمذكرة، والتعليق الفوري لجميع أشكال التعاون التي من شأنها أن تؤدي إلى الإعادة القسرية للأشخاص إلى الأراضي الليبية.

في حين دعا ما يقرب من 40 عضوًا في البرلمان الأوروبي على إنهاء تمويل جميع قوات الأمن الليبية، في ظلّ تزايد العنف في البحر بشكل كبير في السنوات الأخيرة. مطالبين المفوضية الأوروبية وقف فوري لجميع اشكال الدعم المالي والفني والتشغيلي لخفر السواحل الليبي وجهاز مكافحة الهجرة لتصاعد العنف بحق المهاجرين وسفن الإغاثة الإنسانية في البحر المتوسط.

وذكر تقرير حديث صادر عن منظمة “سي ووتش” غير الحكومية رصد 60 حادثة عنف ارتكبتها “ميليشيات” ليبية، مثل ما يسمى بخفر السواحل الليبي، ضد مهاجرين، بالإضافة إلى جهات مدنية ودولية تابعة للاتحاد الأوروبي في البحر منذ عام 2016.

منذ عام 2017، تقدم المفوضية الدعم المادي والفني والتدريبي للسلطات الليبية من خلال برامج مختلفة تابعة للاتحاد الأوروبي. البرنامج الرئيسي هو صندوق الطوارئ الاستئماني لأفريقيا (EUTF for Africa)، الذي يوفر ما مجموعه 465 مليون يورو حتى عام 2021. علاوة عن تقديم المساعدة لليبيا في إطار برنامج آخر – وهو أداة NDICI-Global Europe – للفترة 2021-2027، حيث خُصص ما مجموعه 65 مليون يورو للتركيز على حماية الحدود وإدارتها. ومع ذلك، ليس من الواضح حجم هذه الأموال المُخصصة فعليًا لخفر السواحل الليبي.

وفي 24 أغسطس/آب، أطلق خفر السواحل الليبي النار دون سابق إنذار على سفينة الإنقاذ “أوشن فايكينغ”، التي تديرها منظمة إس أو إس ميديتيراني الإنسانية البحرية في المياه الدولية.

لتوضح المؤسسة أن خفر السواحل الليبي لا يمتثل للمعايير اللازمة لاعتباره جهة مشروعة في البحث والإنقاذ، وهو متورط في هجمات عنيفة على أشخاص في محنة أثناء عمليات الاعتراض، وفقا لما توصل إليه القضاء الإيطالي.