الأمومة بلا حماية… نساء تونسيات يدفعن ثمن الحمل خارج الزواج

عابر- تونس
في تونس، تواجه آلاف النساء واقعا قاسيا بعد إنجابهن لأطفال خارج إطار الزواج، حيث لا تقتصر معاناتهن على صدمة الحمل أو مسؤولية الأمومة المفاجئة، بل تمتد إلى وصم اجتماعي مستمر، وتهديدات، وهشاشة اقتصادية، في ظل غياب قوانين واضحة تحميهن وتضمن لهن ولأطفالهن حقوقا متساوية.
أمهات يتركن وحدهن لتحمل تبعات علاقة لم يتحملها الطرفان على قدم المساواة، فيجدن أنفسهن مضطرات إلى الهروب من محيطهن الاجتماعي، أو إخفاء هوياتهن، أو قبول ظروف عمل قاسية لإعالة أطفالهن، وبين مجتمع يحمل المرأة وحدها المسؤولية، وتشريعات لا تلزم الآباء بتحمل واجباتهم كاملة، تتحول الأمومة خارج إطار الزواج إلى معركة يومية من أجل الكرامة والبقاء.
وحدها تدفع الثمن!
“كنت على علاقة بوالد ابني لسنوات، لكنه تركني فور علمه بحملي، وهددني بفضح الأمر، بل ووصل الأمر إلى تهديد حياتي وحياة جنيني، خفت كثيرا فقررت الرحيل وبناء حياة جديدة بعيدا عن نظرات أهل مدينتي”، هذا ما قالتهفاتن وهي (أم عزباء) ، تعمل نادلة في أحد المطاعم الشعبية منذ قدومها للعيش في محافظة بنزرت شمال تونس، بعد أن تركت عائلتها ومدينتها بالوسط التونسي قبل إنجابها لإبنها “خارج إطار الزواج”، خوفا من الوصم والرفض، في محاولة للبدء من الصفر مع ابنها بعيدا عن منطقتها ونظرات أهلها.
وتواصل “على الأقل، في هذه المدينة لا أحد يعرفني، لكن مع ذلك أعيش مخاوف مستمرة، كأن لا أستطيع إعالة إبني، وأيضا من ردة فعله في المستقبل حين يكبر ويكتشف الحقيقة، ومن إستغلال الرجال لي عند معرفة ماضي، ومن العار الذي سيلاحقني مهما إبتعدت.”
تحلم فاتن بمغادرة البلاد بطريقة غير شرعية، عبر مراكب الهجرة غير النظامية نحو إيطاليا، وتسعى لذلك بالفعل عبر تجميع المبلغ المطلوب للهجرة بالرغم من مخاطره.
“أظن أن الهجرة ستحميني أنا وإبني في المستقبل وترحمني من مخاوفي، فرغم أنني أعد غريبة عن المدينة التي أعيش فيها إلا أنني طوال الوقت أشعر بشكوك الجيران وأصحاب العمل حين يسألونني عن “زوجي”، أجيب دائما بحذر، أقول أنه توفي في حادث وأنني هنا للعمل مؤقتا لتحسين ظروفنا الإجتماعية الصعبة” تختم فاتن.

المجتمع لا ينسى
وفي العاصمة التونسية تعيش كريمة الشابة الثلاثينية، وهي أم عزباء لبنت في الثامنة من عمرها، كريمة أكثر حظا من فاتن، حيث وجدت دعما أسريا بعد ولادتها لطفلتها خارج الأطر القانونية، بل تقول أن عائلتها حمتها خلال أشهر حملها وساعدتها في مواجهة والد الطفلة ومطالبته بالاعتراف بحق ابنتهم.
تقول كريمة وهي موظفة أن أب إبنتها وافق على الإعتراف بالطفلة التي ولدت خارج إطار الزواج بعد علاقة جمعته بها، خوفا من الفضيحة وخوفا على سمعته، وبعد أن تمكنت من جعله يعترف بالطفلة التي تحمل الآن اسمه، ووافق على التكفل ببعض إحتياجاتها المادية، “لكن رغم ذلك لم يرحمنا المجتمع أنا وابنتي، والوصم والعار مستمران، وأشعر أن لقب ‘ابنة الحرام’ سيلاحق ابنتي طوال حياتها”.
وتضيف كريمة رغم أنه يتقاسم معي الذنب، إلا أنني الوحيدة التي دفعت الثمن، هو الآن متزوج وأب لأطفال “شرعيين” آخرين ولا يربطه مع إبنتي إلا اللقب الذي أعطاها إياه خوفا على مركزه الإجتماعي بعد أن هددته، أما أنا وإبنتي فسنعيش مع العار طيلة حياتنا”.
فاتن وكريمة، من بين آلاف الأمهات في تونس اللاتي يجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة الحياة بعد إنجابهن لأطفال خارج إطار الزواج، ولادات قد تكون أحيانا نتيجة لحالات إغتصاب لكنها لا تشفع للأمهات ولا تعطيهن حقوقهن رغم ذلك.
ورغم أن تونس، تعتبر من بين الدول التي تضمن تشريعاتها بعض الحقوق للأطفال المولودين خارج إطار الزواج، إلا أن الواقع يدفع الأمهات العازبات لتحمل مسؤولية أطفالهن بمفردهن وسط الهشاشة الإقتصادية وفي ظل غياب قوانين صريحة تحميهن رغم جهود بعض الجمعيات للإحاطة بهن وبأطفالهن.

“تشريعات لا تحمي الأمهات العازبات وأطفالهن”
في تونس، لا يقدم القانون ضمانات للأم تجاه الأب البيولوجي لمولودها ما لم يكن هناك عقد زواج رسمي بين الطرفين، بل ينص الفصل عدد 152 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية، على أن الأطفال المولودين خارج الأطر القانونية يرثون من الأم وقرابتها ويأخذون لقبها آليا في صورة عدم إعتراف الأب، ما يجعلها المسؤول الوحيد عن طفلها منذ ولادته.
ورغم أن الأم يمكنها المطالبة بحقوق مولودها خارج إطار الزواج في صورة إثبات الأبوة وإلزام الأب بالإنفاق على إبنه أو إبنته، إلا أنه فعليا لا يقع إجبار الأب على إجراء التحليل الجيني لإثبات أبوته ونسب المولود، لأن ذلك حسب التشريعات يتنافى مع مبدأ “إحترام الحرمة الجسدية للشخص”، ما يجعل الأم هي المسؤول الأول عن الطفل حتى في حالة وجود الأب.
أما في حالة تخلي الأم عن مولودها، فيصنف ك”مجهول نسب” ويسند له لقب عائلي عشوائي حسب القانون التونسي وتكفله الدولة.
إحصائيات ومؤشرات صادمة
كشفت إحصاءات الدولة أن عدد الولادات خارج إطار الزواج في تونس ارتفع إلى 868 ولادة في عام 2022، مقارنة بـ802 ولادة في عام 2021، بنسبة زيادة بلغت 8.2%.
وبحسب دراسة أجراها الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بتونس بالمشاركة مع المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية بباريس فإن متوسط عمر الأمهات العازبات عند الحمل هو 24 سنة و84 بالمئة منهن يحملن لأول مرة و63 بالمئة من تلك النساء يقمن بالتخلي عن أبنائهن عند مغادرة المستشفى خوفا من مصيرهن ومصير أبنائهن.
أما مستويات التعليم لهذه الفئة من الأمهات فتُظهر الدراسات السسيولوجية أن أكبرها نسبة (46 %) وتكون لدى الفتيات ممن بلغن مستوى تعليم أساسي أو إبتدائي، ثم (35%) منهن يبلغن عادة تعليمهن الثانوي، في حين لا تتجاوز نسبة الأمهات العازبات الأميات (15%)، وفقط (3%) منهن حصلن على مستوى تعليم عال.

“محاولات إجتماعية لسد النقص”
تشير الدراسات الحقوقية إلى أن معظم الأمهات غير المتزوجات في تونس قاصرات ومن فئات هشة اقتصاديا واجتماعيا، ولا يجدن مؤسسات عمومية لدعمهن بعد الولادة.
إلا أن بعض الجمعيات النسوية، مثل جمعية “أمل للأسرة والطفل،” تستقبل سنويا من 40-50 حالة للأمهات الأكثر هشاشة، وتوفر لهن ولأطفالهن المأوى والخدمات الصحية والاجتماعية لفترة محددة، إلى جانب الدعم النفسي والقانوني، وبرامج التدريب المهني التي تساعدهن على الاعتماد على أنفسهن اقتصاديًا، والحفاظ على أطفالهن ضمن بيئة آمنة.
“الأمهات العازبات دون ضمانات”
وإنطلاقا من دراسة أجرتها جمعية “أمل للأسرة والطفل” حول الأمهات العازبات، فإن هذه الفئة هي الأكثر مواجهة للصعوبات الإجتماعية والإقتصادية وهي الأكثر عرضة للعنف العائلي والإستغلال الجنسي والإقتصادي.
وخلصت الدراسة إلى أن الأمهات العازبات لسن مشمولات بالقانون عدد 58 الذي يحمي النساء ضحايا العنف، في ظل غياب نصوص خاصة بهن وعدم وجود آليات خاصة لحماية الأطفال والأمهات خارج إطار الزواج، إذ أن القانون لم يذكرهن صراحة.
وقد طالبت جمعيات نسوية عديدة بضرورة الإعتراف القانوني بالأمهات العازبات لضمان حقوقهن وحقوق أطفالهن والعمل على تنقيح القوانين التي لا تكون في صالحن مثل إسناد الهوية الإفتراضية للأبناء خارج إطار الزواج وإلزام الأب بالقيام بالتحليل الجيني والإعتماد على القرائن الأخرى لإثبات النسب والأبوة مثل التصريح والشهود، بالإضافة لتخصيص دعم مادي للأمهات فاقدات السند وتمكينهن من منح تساعدهن على إعالة أبنائهن.
ورغم أن وزارة الأسرة والمرأة والطفولة، كانت قد أعلنت سنة 2022 عن إعتزامها القيام بدراسة معمقة حول الولادات خارج إطار الزواج وما يترتب عنها من تهديدات عديدة تطال المرأة والطفل إلا أن الدراسة لم ترى النور لحد اللحظة، بل منذ تلك السنة لم تصدر إحصائيات رسمية لأعداد الولادات خارج الأطر الرسمية، كما لم تصدر أية مبادرات بخصوص حماية الأمهات العازبات رغم مطالب الإعتراف القانوني بهن.
