حين يحاصر الغناء … من يقرر شكل الحياة في البصرة؟

عابر- العراق
لم يكن رفض إقامة الحفل الغنائي للفنانة أصيل هميم في محافظة البصرة في التاسع من كانون الثاني/يناير 2026 هو الأول من نوعه، بل جاء امتداد لمسار متكرر من المنع، سبقه إلغاء حفل الفنان محمد عبد الجبار في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، على خلفية اعتراضات قادها رجال دين.
ورغم ما رافق تلك القرارات من ردود فعل رافضة من مواطنين بصريين، فإنها لم تحدث أي أثر يذكر، مما كرس رسالة ضمنية مفادها أن البصرة مدينة “محظورة” على الفعاليات الغنائية فقط، في تناقض صارخ مع ما تتمتع به من تنوع ديني وثقافي واجتماعي واسع.
وقبيل ساعات من موعد الحفل، خرجت الفنانة أصيل هميم باعتذار لجمهورها، معللة إلغاء الحفل بأسباب خارجة عن إرادتها، وواصفة ما جرى بـ”سوء التنظيم” من قبل الجهة المتعهدة، غير أن هذا التبرير جاء بعد وقفة احتجاجية نظمها رجال دين قبل يومين من الموعد المقرر، أعلنوا خلالها رفضهم القاطع لإقامة أي حفل غنائي في المحافظة، وطالبوا البرلمان العراقي ونواب البصرة بسد ما وصفوه بـ”الثغرات القانونية”التي يتسلل منها، بحسب تعبيرهم، “دعاة التمييع”، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول حدود الحريات الثقافية، ودور الدولة في حماية الحق في التعبير والفن، بعيدا عن منطق الوصاية وفرض الرأي الواحد.

صراع على هوية البصرة المدنية
اعتبر الشاعر هشام المياحي، في حديثه لـ”عابر”، أن منع الحفلات الغنائية في البصرة يمسّ بهويتها المدنية، ويعكس توجهات لبعض الجهات التي لا ترغب في أن تتجه المدينة نحو واقع حضري حديث، رغم ما تشهده مؤخرًا من نشاط عمراني واقتصادي ورياضي واحتضانها فعاليات ومهرجانات متنوعة.
وأضاف أن رفض الحفلات ووصفها بـ”الماجنة” يعكس، من دون وصف الجهات المعترضة بالمتطرفة، محاولة لحصر هوية البصرة في إطار ديني ضيق، رغم كونها مدينة متعددة الأطياف والانتماءات، وتضم شرائح مختلفة من المجتمع العراقي.
وأكد المياحي حق الجميع في إقامة الفعاليات ضمن الأطر القانونية، مشيرا إلى أن السلطات فتحت المجال أمام تنظيم الأنشطة والفعاليات بحرية.
لا إقصاء للفن أو الدين
وقال الصحفي صفاء الفريجي إن البصرة ملك عام لجميع أبنائها، ولا يحق لأي طرف، سواء مؤيدو الحفلات الفنية أو أنصار رجال الدين، فرض وصايته عليها. وأكد أن البصرة، كحال بغداد، مدينة متعددة الطوائف والديانات، وهذا التنوع يقتضي احترام خصوصية الجميع دون إقصاء.
ويرى أن ما يقام في البصرة لا يتعارض مع العقيدة الدينية، ولا ضرر في تنظيم الفعاليات الدينية أو الثقافية أو الفنية، ما دامت لا تمس الأعراف العامة أو الذوق العام وتقام في أماكن مخصصة، لافتا إلى أن هذا الحق مكفول دستوريا وقانونيا لجميع المواطنين.
أخلاق انتقائية
مواقف وأراء رجال الدين والجهات الاجتماعية في البصرة يثير الجدل حول منع الحفلات الغنائية. في المقابل لا تظهر مواقفهم إزاء الحوادث التي تهز الراي العام ما يطرح تساؤل حول ما هي معايير الانتقاء في الاخطاب الأخلاقي.
ففي مدينة شهدت خلال الأشهر الماضية جرائم قتل، وحوادث تحرش متكررة في أحياء مختلفة، واتهامات موثقة بممارسات غير أخلاقية داخل مؤسسات أكاديمية، بدا أن الغناء تحول إلى القضية الأكثر إلحاحا، فيما تراجعت قضايا تمس الحق في الحياة والأمان والكرامة الإنسانية إلى هامش النقاش العام.
كحادثة مقتل الطبيبة بان التي جرى تداولها على نطاق واسع ، لكنها لم تحظ بنفس مستوى التفاعل أو الإدانة العلنية التي رافقت رفض الحفلات الغنائية، كما لم تقابل حوادث التحرش جماعي في أكثر من حي بسلسلة مواقف دينية أو اجتماعية صريحة، وهذا التفاوت في ردود الفعل يفتح بابا للنقاش حول أولويات الخطاب العام، وما إذا كانت بعض القضايا تختزل في بعدها الأخلاقي الشكلي، بينما يتم تجاهل مظاهر العنف والانتهاك الأعمق أثرًا على المجتمع.
حول ذلك، تقول هدى واثق، وهي مواطنة من البصرة، إنها لا تعارض إقامة الحفلات الغنائية إذا كانت “عائلية ولائقة ولا تخدش الحياء”، لكنها ترفضها في حال كانت تروج للاختلاط الذي قد يستغله البعض لارتكاب ممارسات غير أخلاقية، معتبرة أن بعض هذه التجمعات تشهد حالات تحرش يتحمل مسؤوليتها وافدون على المحافظة.
“استغرب مواقف بعض رجال الدين الذين يحتجون على إقامة الحفلات، بينما لا يصدر عنهم موقف مماثل إزاء حوادث التحرش التي تتعرض لها الفتيات، والتي شهدت تفاعلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي خلال احتفالات رأس السنة، وهذا الصمت مخجل وغير إنساني”، بحسب واثق، مؤكدة أن مثل هذه الانتهاكات تستوجب مواقف دينية واجتماعية رادعة ضد كل من ينتهك حرية المرأة وكرامتها، وهو ما لم يحدث.
وفي سياق حديثها عن الاحتجاجات الرافضة للحفلات، ترى أن الجدل الدائر يعكس ازدواجية واضحة في المواقف الاجتماعية، حيث يُنظر إلى الترفيه والاختلاط باعتبارهما خطرًا أخلاقيًا، بينما يتم تجاهل قضايا أكثر إلحاحا تمس أمن الإنسان وكرامته، وعلى رأسها ظاهرة التحرش التي تعاني منها النساء في الأماكن العامة.

القانون لا يجرم الموسيقى في العراق
الدكتور قيس الكناني، رئيس قسم الفنون الموسيقية في كلية الفنون الجميلة، قال لـ”عابر” إن بعض الحركات ذات الطابع الديني لا تعارض الغناء بحد ذاته، بل تستهدف الثقافة الفنية البصرية عموما، في محاولة للحد من حضورها ومنع توسعها، معتبرا أن الصراع الحقيقي هو مع مشروع ثقافي يسعى لإخراج البصرة من حالة الانغلاق.
ودعا الكناني الحكومة إلى محاسبة الجهات التي تعطل إقامة الحفلات والفعاليات الفنية، مؤكدًا أن مواقفها تتعارض مع القانون العراقي وتسيء إلى صورة البصرة وهويتها الثقافية، ومشدّدًا على ضرورة تدخل الحكومة المحلية لحسم هذا الجدل.
وأشار إلى تصاعد مخاوف الفنانين في ظل تهديدات غير مباشرة، متسائلًا عما إذا كان الفن بات مجرّما في نظر البعض، رغم مراعاة الفعاليات الموسيقية للذوق العام وطابعها العائلي، ومؤكدًا حاجة المجتمع إلى فضاءات فنية آمنة تخفف من ضغوط الحياة اليومية.
وأكد الكناني أن البصرة مدينة متعددة الثقافات والانتماءات، وأن القانون العراقي لا يجرّم الغناء أو الموسيقى، متسائلا عن مصير مئات خريجي معاهد وكلية الفنون الجميلة في ظل هذا التضييق، ومشيرا إلى أن الإشكالية لا تكمن في الفن، بل في غياب الحوار بين الموسيقيين الأكاديميين وبعض رجال الدين.
لا وصاية على الإبداع في البصرة
من جانبه قال رئيس فرع نقابة الفنانين في البصرة، فتحي شداد المياحي، في حديث لـ”عابر” إن حالة التخوف التي يعيشها بعض الفنانين من إقامة حفلات أو نشاطات فنية لا تخدم صورة البصرة ولا تنسجم مع روحها المدنية، مؤكدا أن الحوار هو السبيل الأمثل لمعالجة أي خلاف، بعيدا عن سياسات المنع أو التخويف أو فرض الوصاية، “كانت وستبقى مدينة للحياة والفن والثقافة، مدينة تجمع ولا تفرق، تحترم الدين كما تحترم الإبداع، وتؤمن بأن التنوع مصدر قوة لا تهديد”.
وأضاف أن نقابة الفنانين العراقيين فرع البصرة تحترم جميع الآراء والمعتقدات الدينية، لكنها تشدد في الوقت ذاته على أن الفن جزء أصيل من الهوية الثقافية والتاريخية للمدينة، ولا يتعارض مع القيم الأخلاقية للمجتمع متى ما قُدّم ضمن الأطر القانونية والرسمية.
وأشار المياحي إلى أن البصرة، بحكم تاريخها وموقعها الجغرافي، مدينة منفتحة وليست منغلقة، فهي بوابة العراق البحرية وميناء للتجارة والتواصل الحضاري، تستقبل يوميا وفودا عربية وأجنبية عبر البحر، تحمل معها ثقافات وتجارب مختلفة شكلت، وما تزال، مصدر غنى وتنوع للمدينة.
وبين أن النقابة تعمل ضمن شراكات ثقافية وإنسانية مع ممثلين عن مختلف الديانات والمكونات، في إطار من الاحترام المتبادل والتعايش السلمي، وهو ما عرفت به البصرة عبر تاريخها الطويل كمدينة للتسامح والتعدد.

قراراتنا تمثل الشارع البصري!
من جهته وقال عضو مجلس محافظة البصرة علي العبادي، في حديث لـ”عابر”، إن الحكومة المحلية ومجلس المحافظة تعد الممثل الرسمي لأبناء المحافظة، والمسؤولة عن تحديد توجهاتهم العامة وتمثيل رغباتهم، مشيرا إلى أن الطابع الاجتماعي السائد في البصرة يتسم بشيء من التحفظ.
وأكد في الوقت ذاته أن الحكومة لا تمنع أي نشاط ما دام منسجما مع القانون ولا يتعارض مع الذوق العام أو النظام العام، لافتا إلى أن القرارات تتخذ في إطار السعي للوصول إلى ما يريده الشارع البصري.
وأوضح العبادي أن رجال الدين يعدون جزءا أصيلا من النسيج الاجتماعي في البصرة، ولا يمكن عزلهم عن المشهد العام للمحافظة.
وفيما يخص دور محافظ البصرة، أكد العبادي أن أسعد العيداني هو أعلى سلطة تنفيذية في المحافظة، وأن قراراته تحظى عادة بدعم واسع من المجلس.
