التحرش في العراق … جريمة ترتكب في العلن وتدفن بالصمت

عابر-العراق
أعادت حادثة التحرش الجماعي التي وقعت في مدينة البصرة خلال احتفالات رأس السنة تسليط الضوء على واقع مقلق تعيشه النساء العراقيات في الفضاءات العامة، ورغم أن هذه الحادثة كانت علنية وموثقة، إلا أنها لا تمثل سوى جزء ظاهر من مشكلة أوسع تبقى في معظمها طي الكتمان.
وخلف أسوار مؤسسات يفترض أن تتوافر فيها أعلى مستويات الحماية، تسجل حالات تحرش لا يتم الإبلاغ عنها، وفي بعض الشهادات تتطور هذه الانتهاكات إلى اعتداءات جنسية واغتصاب، يكون المتورط فيها أحيانا مسؤولا يفترض أن يكون جهة لجوء للضحية وليس مصدر تهديد لها، وفي ظل اختلال موازين القوة وغياب آليات مساءلة فعالة، تجد الضحية نفسها بين فكي افتراس “السلطة”!
تخشى كثير من الفتيات اللجوء إلى مراكز الشرطة أو المسارات القانونية، ليس فقط بسبب تعقيد الإجراءات، لكن خوفا من التشكيك في رواياتهن أو التعرض لمعاملة غير داعمة من جهات يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عنهن، هذا الواقع يدفع عددا كبيرا من الضحايا إلى الصمت، ويبقي الانتهاكات مستمرة بلا رادع.
يوثق هذا التقرير صمت الفتيات وخوفهن، ويكشف العوائق التي تحرمهن من الإبلاغ، ويطرح حلولا تعيد لهن حق الحماية والإنصاف.
حين يتحول النفوذ إلى تحرش
تروي أمل (اسم مستعار) الطالبة الجامعية ذات 25 عام تجربتها مع التحرش لـ “عابر” والتي كانت من قبل نائب برلماني سابق يدرس معها في الجامعة، يكبرها سنا بما يقارب عمر والدها، بعد أن بدأ بالتقرب منها تحت غطاء أكاديمي، مستخدما عبارات الإطراء على تفوقها الدراسي وقدرتها العلمية، قبل أن يكشف وجهه الحقيقي في أحد الأيام، حين تجاوز كل الخطوط وتحدث معها بشكل مباشر عن “إعجابه بها وبجسدها”، متوغلا في تفاصيل صدمتها وأربكتها إلى حد تقول فيه “ما عرفت شنو أحچي… حتى رجلي ما شالتني من الصدمة”.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فبعد أيام عاد ليقدم لها”عرضًا” أكثر صدمة، طالبا الزواج منها سرا، مع وعود بتوفير بيت خاص وسيارة، مستعرضا نفوذه وحمايته المرافقة له، في محاولة واضحة للضغط والإغراء معا، إلا أن الفكرة بالنسبة لأمل كانت مرفوضة تماما، ليس فقط لأنه متزوج وأب لأبناء في عمرها، بل لأن سلوكه كان مثيرا للاشمئزاز ولا يحمل أي قبول إنساني أو أخلاقي.
لاحقا، اكتشفت أمل أن ما تعرضت له لم يكن حالة فردية، بل نمطا متكررا، إذ علمت أن الشخص ذاته حاول استدراج طالبات أخريات بالطريقة نفسها، مستهدفا فتيات بعينهن، مستخدما نفوذه ووعود التعيين والمساعدة كوسيلة للضغط.
تختم أمل أنه هذه الحادثة بالنسبة لها لم تكن مجرد تحرش، بل صدمة كشفت لها كيف يمكن للسلطة والمكانة أن تتحولا إلى أداة ابتزاز، وكيف يترك هذا النوع من الانتهاكات بلا مساءلة، في صمت ثقيل يدفع الضحايا إلى الخوف بدل العدالة، خاصة وأنها خافت من الإبلاغ عليه بسبب نفوذه واكتفت بالصمت.
الإبلاغ ..خيار مؤجل مشحون بالمخاوف
تقول سارة رعد( 26 عاما)، وهي أيضا طالبة جامعية، في حديث لـ”عابر”، إن مراجعة معظم المؤسسات الحكومية لا تشكل لها مصدر قلق، إلا أن فكرة اللجوء إلى مركز شرطة تعد بالنسبة لها خطا أحمر، مبينة أن هذا الخوف لا يرتبط بالإجراء القانوني بحد ذاته، بل بما يترتب عليه من “فضيحة” ووصمة اجتماعية يصعب التعايش معها في المجتمع.
وتستذكر حادثة تعرضت لها إحدى زميلاتها، انتهت بتوقيفها في أحد مراكز الشرطة، مؤكدة أن تلك الواقعة غيرت مسار حياة الفتاة بالكامل، إذ اختفت عن الأنظار بعدها، ولم تعد تظهر في الجامعة، فيما تحولت قصتها إلى مادة للحديث بين الطلبة، حيث جرى التعامل معها باعتبارها “فتاة سجون!”، وهو توصيف ظل يلاحقها ويختزل هويتها، ما عزز لدى سارة قناعتها بأن اللجوء إلى الشرطة قد يكون ثمنه الاجتماعي أثقل من تحمله.
وتعكس سارة هذا الخوف في حديثها عن الطرق التي تلجأ إليها الفتيات لحماية أنفسهن في ظل غياب شعور كاف بالأمان فتقول إن بعض الحلول التي تعتمدها ليست نابعة من قناعة، بل من شعور دائم بالتهديد، موضحة أنها تحمل أحيانا أدوات بسيطة للدفاع عن النفس كالسكين الصغير “تحسبا لأي موقف” في إشارة إلى انعدام الثقة بوجود حماية فورية عند التعرض للخطر ورغم خطورتها، باتت هذه الطرق شائعة بين الفتيات كبديل عن اللجوء الرسمي للشرطة.
وتضيف أن التعامل مع التحرش اللفظي غالبا ما يقتصر على التجاهل أو الابتعاد، بينما يبقى طلب المساعدة من الجهات الأمنية خيارا مؤجلا ومشحونا بالمخاوف، مؤكدة على أن هذا الواقع لا يعكس شجاعة بقدر ما يكشف حجم القلق الذي تعيشه الفتيات، حيث يترك لهن عبء حماية أنفسهن في مجتمع لا يوفر لهن مسارا آمنا وواضحا للشكوى أو الدعم.
ما تعبر عنه الفتيات حول مخاوفهن لم يأتِ من فراغ، خاصة بعد حادثة هزت الوسط المجتمعي في العراق، ففي 7 يناير 2025 نشرت منصة “عابر” تقريرا أشار إلى تعرض فتاة قاصر للاعتداء والاغتصاب على يد مدير مركز شرطة في محافظة النجف، بعد لجوئها إلى المركز طلبا للحماية، وأثار هذا الحادث صدمة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تداول المستخدمون الخبر بشكل مكثف وطالبوا الحكومة ووزارة الداخلية بالكشف عن ملابسات الحادثة ومحاسبة الضابط المتورط بأقصى العقوبات الممكنة، وقد ساهمت هذا الواقعة بشكل مباشر في زيادة شعور الفتيات بالخوف والقلق من اللجوء إلى مراكز الشرطة، فالإبلاغ لا يضمن سلامتهن، وقد يعرضهن لمخاطر أكبر من أي حماية متوقعة.

“مو بكيفي ولا برضاي”
تؤكد المدونة نور القيسي لـ “عابر” أن مخاوف الفتيات من اللجوء إلى مراكز الشرطة ليست مبالغا فيها، خاصة بعد تداول حوادث اغتصاب داخلها شملت نساء ورجالا على حد سواء، خاصة أن بعض المحققين يتعاملون مع الضحايا كما لو كانوا سببا بالجريمة نفسها، ما يزيد شعورهم بالإهانة والخوف ويجعل فكرة الإبلاغ شبه مستحيلة، بينما تثقل الوصمة الاجتماعية كاهل الفتيات وعائلاتهن وتجعل المجتمع ينظر إلى الجسد الأنثوي كأداة للعار أو السيطرة.
وتستذكر القيسي حادثة امرأة تعرضت لاعتداء جنسي، وعند تقديم إفادتها وجه لها ضابط التحقيق أسئلة محرجة للغاية، ما جعل القصة تنتشر على مواقع التواصل تحت عبارة “مو بكيفي” في إشارة إلى أنها مجبرة، وتوفيت لاحقا، وسط تداول روايات مختلفة عن سبب وفاتها، منها حريق أو اتهامات لابنها، ما يعكس مدى تعقيد وتغول الثقافة الذكورية على العدالة.
وتشير القيسي إلى أن بعض المنتسبين في هذه المراكز هم بالأساس متحرشون، بما في ذلك بعض عناصر الدفاع وجهات أخرى، كالذين يستخدمون ألفاظا بذيئة تجاه النساء، وتتساءل “لنتخيل للحظة كيف سيكون الوضع إذا كنت تحت سلطتهم ومحتجزة؟” كما تنتقد المجتمع لعدم اتخاذ أي إجراءات ضد المسؤولين عن الاعتداء على الأطفال أو الضحايا الآخرين داخل المراكز.
وترى القيسي أن جزءا كبيرا من تفشي الذكورية وعدم احترام المرأة يعود إلى نظام العشيرة، الذي ينظر إلى المرأة بشكل دوني ويعتبر جسدها سلعة يمكن تبادلها لضمان مصالح بعض الرجال، كما يحدث أحيانا في عمليات الفصل العشائري.
“لو مستورة كان تحرش بيها”
أما المدونة سمر جمعة فتقول أن التحرش أصبح سلوكا خطيرا يمس كرامة النساء وينتهك حقهن في الأمان، ويترك آثارا نفسية عميقة تقلل من ثقتهن بأنفسهن وتعيق اندماجهن في المجتمع، إذ أن الضحية غالبا ما تواجه صعوبة في تقديم شكوى لعدة أسباب، أولها اللوم المجتمعي الذي يلقى عليها وكأنها فتحت المجال للجاني، وثانيها تبريرات المجتمع للمتحرش بعبارات مثل، “لو مستورة كان تحرش بيها” أو “شعدها طالعة المرة مكانها البيت؟”، ما يعزز شعور الجاني بالدعم ويمنحه شعورا بأنه مسنود من قبل المجتمع.
وترى سمر أن الحلول لمثل هذه الظواهر الدخيلة على مجتمعنا يجب أن تكون شاملة وعملية، تشمل إدخال مادة التربية الأخلاقية في جميع المراحل الدراسية حتى الجامعية، وإلزام موظفي الدولة بتوقيع عهود بالالتزام بالأخلاق والآداب العامة، وأيضا إعادة النظر في الخدمة الإلزامية للشباب كوسيلة لصقلهم وتنظيم أوقات فراغهم، والحد من البطالة، وخلق فرص للتجمعات المنظمة، إضافة إلى فتح ساحات لتعليم وتطوير مهارات الشباب، وتوفير منح مالية بسيطة لدعم مشاريع تتناسب مع إمكانياتهم، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر وعيا ومسؤولية.
وفقا لإحصائيات غير رسمية صادرة عن منتدى الصحفيات العراقيات (IWJF)، تتعرض نحو 77% من النساء العراقيات للتحرش، وتشير البيانات إلى أن أغلب هذه الحوادث تحدث في أماكن العمل، ورغم هذه النسبة المرتفعة، يظل الوضع الإحصائي الرسمي غامضا، إذ كثير من الضحايا لا يقمن بتسجيل شكاويهن في المحاكم أو مراكز الشرطة، خوفا من الوصمة الاجتماعية، ومن العادات والتقاليد التي تفرض صمتا ثقافيا على النساء، أو لحل هذه الحالات خارج أسوار المؤسسات الحكومية لتفادي الفضائح.

رغم الحصانة لم يسلمن
من جانبها تقول المحامية إسراء العبيدي في حديث لـ”عابر” إن النساء يتخوفن كثيرا من تقديم الشكاوى واللجوء إلى مراكز الشرطة، إذ يعتقدن أنهن قد يتعرضن لنفس الانتهاكات هناك، ما يدفع كثيرات منهن إلى تجنب الإبلاغ والاكتفاء بتلافي الموضوع. وتوضح أن هذا الخوف يعزز سلوك المتحرشين ويشجعهم على التمادي في أفعالهم.
وأكدت على أن مثل هذه الحالات قد تحدث فعليا داخل بعض مراكز الشرطة، فقد شهدت في إحدى مراجعاتها فتاة تتعرض لمضايقات من بعض العاملين في المركز، لكنها تحذر من تعميم الأمر على جميع المراكز أو جميع الموظفين، مشيرة إلى أن الشخص نفسه يمكن أن يتصدى للمتحرش بحزم ويمنعه.
ولفتت العبيدي إلى أن عددا كبيرا من المحاميات يتخوفن من مراجعة مراكز الشرطة، بسبب الاعتقاد بأن المنتسبين فيها “وحوش”، رغم النصائح التي توجهها لزميلاتها بأن المحامي في هذه الأماكن يعد خط أحمر ويتمتع بحصانة قانونية لا يمكن المساس بها.
وتضيف العبيدي أنها شخصيًا لم تواجه أي مضايقات داخل مراكز الشرطة أو خارجها، بسبب الصرامة والوضوح في التعامل مع الآخرين، فهي ما يفرض الاحترام ويحد من الانتهاكات، وأن التعامل الرسمي والمحدود هو أساس حماية حقوقها وحقوق من تمثلهم.
آثار نفسية مدمرة
توضح الباحثة الاجتماعية سجى وليد أن التحرش بالفتيات ليس سلوكا عابرا كما يعتقد البعض، بل تجربة صادمة تترك آثارا نفسية عميقة، سواء كان لفظيا أو جسديا، مستدلة بتجربة فتاة تبلغ من العمر 17 عاما تعرضت لتحرش من شخص مقرب من زوجة والدها، وكانت الحلقة الأضعف داخل المنزل، ما دفعها للصمت رغم المعاكسات المتكررة، مؤكدة على أن التدخل المهني، عبر توجيه الفتاة لتقديم بلاغ للشرطة المجتمعية، ساهم في حماية الفتاة واستعادة جزء من ثقتها بنفسها.
وتلفت إلى أن كثيرا من الضحايا يحتاجن إلى دعم نفسي متخصص للتعافي، إلا أن الوصمة الاجتماعية والعوائق الثقافية تمنع العديد من الفتيات من اللجوء للعلاج النفسي، خوفا من النظرة المجتمعية أو تأثير ذلك على مستقبلهن، بما في ذلك الزواج.
وتضيف أن العزوف عن اللجوء إلى مراكز الشرطة يعود للقيود الأسرية والعادات الاجتماعية وضعف الثقة بقدرة الفتاة على اتخاذ قرار الشكوى، رغم وجود نصوص قانونية صريحة تحمي المرأة، كالمواد (393، 396، 402) من قانون العقوبات العراقي.
وتختتم بالتأكيد على ضرورة تمكين النساء معرفيا وقانونيا، وكسر دائرة الصمت، واللجوء إلى الشرطة المجتمعية التي تضم عناصر نسوية قادرة على التعامل مع هذه القضايا بخصوصية واحترام، كخطوة أساسية لحماية الضحايا ومنع تكرار الانتهاكات.

الداخلية العراقية توضح
في السياق ذاته يوضح العقيد عباس البهادلي، المتحدث باسم وزارة الداخلية لـ”عابر”، أن الوزارة حريصة على حماية حقوق المواطنين وتسهيل الإجراءات، من خلال الانتقال إلى الفضاء الرقمي واستحداث رقم الاتصال الموحد 911، الذي يتيح لأي شخص تقديم بلاغات بشأن القضايا الجنائية والحوادث المختلفة بسهولة وأمان.
ويشير البهادلي إلى أن كل البلاغات تتم مع ضمان كامل للخصوصية، سواء كانت متعلقة بالتحرش أو أي نوع آخر من الجرائم، مؤكدا على أن المعلومات الخاصة بالمشتكي لا تسرب تحت أي ظرف.
ويؤكد على أن الوزارة لا تتسامح مع أي انتهاك لحقوق المواطنين، وأنها ستتعامل بحزم مع كل من يقوم بأفعال مخالفة للحياء أو تضييق للحريات، مشيراً إلى أن حماية المجتمع واحترام القانون هي أولويات مطلقة.
فيما أفاد البهادلي أن وزارة الداخلية تقوم بحملات توعية مستمرة، بالتعاون مع وسائل الإعلام ووزارتي التربية والتعليم العالي ومنظمات المجتمع المدني، لتعزيز ثقافة احترام الحقوق والقوانين بين الشباب، وضمان التزام الجميع بالقواعد الدستورية والاجتماعية.
