سجل حقوق الإنسان عربيا بين فكي الحروب والقمع في العام 2025!

عابر– الوطن العربي

بدا العالم العربي في عام 2025 كمنطقة على صفيح ساخن وقودها الإنسان، فلم تكن الاضطرابات السياسية وحدها ما يثقل صدور الناس، بل تراكم النزاعات المسلحة، وارتفاع حالات القمع، وانكماش المجال العام حتى ضاق على أنفاس من يحاول التكلم، في شوارع المدن كما في المعتقلات في كل الدول، كانت القصص المؤلمة تتكرر.

هذا العام كشف هشاشة الحياة اليومية لملايين البشر، حيث اجتمعت التحديات، لتصبح الحقوق الإنسانية نفسها عرضة للتجاهل والانتهاك، من استهداف المدنيين في مناطق النزاع، إلى التضييق على الحريات، والعنف ضد الأقليات والفئات الهشة، ليعيد هذا العام سؤال الحقوق إلى الواجهة: كيف يمكن للإنسان أن يعيش في مكان تصبح فيه الحياة نفسها موضع تفاوض؟

في هذا الملف، توثق منصة عابر أبرز الانتهاكات والاعتداءات على حقوق الإنسان التي شهدتها المنطقة العربية خلال عام 2025، لا يقدم التقرير سردا شاملا لكل ما جرى، بل يركز على الأحداث الأكثر تأثيرا وانتشارا وأشدها خطورة على واقع حقوق الإنسان العربي.

فلسطين ..انتهاكات الاحتلال وحقوق المدنيين

تواصلت الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين خلال 2025، سواء عبر الهجمات المتكررة على المدنيين في غزة أو الملاحقات والاعتقالات الواسعة في الضفة الغربية. وأسفرت العمليات العسكرية عن 71266 شهيدا و171222 مصابا، وسط استهداف متكرر للمستشفيات والطواقم الطبية وتدهور حاد في الخدمات الأساسية وإغلاق المعابر، وفق تقارير حقوقية عربية.

ولم تقتصر الانتهاكات على ساحات القتال، بل امتدت إلى داخل السجون الإسرائيلية، حيث استشهد 77 أسيرا خلال عامين، ووثق بحسب نادي الأسير الفلسطيني نحو 20 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية وحدها، في ظل ظروف احتجاز وصفت بأنها تعسفية، تتخللها سوء معاملة وإهمال صحي، وبذلك، بات ملف الأسرى شاهدا حيا على منظومة انتهاكات مستمرة تتجاوز الحرب إلى بنية القانون والممارسة الإسرائيلية نفسها.

السودان يتصدر المشهد

أما السودان فقد تصدر في أخباره لهذا العام سلم الانتهاكات الحقوقية والإنسانية في الوطن العربي، إذ استمر النزاع فيه في عام 2025 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مما أدى إلى أعمق أزمة إنسانية، بعد أن قتلت الحرب عشرات الآلاف من المدنيين، وهجر الملايين داخليا وخارجيا، مع انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والمياه.

اليونيسف أشارت إلى أن أكثر من 30 مليون شخص في السودان أي نحو ثلثي السكان بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية، بينهم 16 مليون طفل يعانون من آثار النزاع من الجوع وسوء التغذية والعنف الجنسي.

ومن أبرز فصول الانتهاكات في 2025 كانت في ولاية شمال دارفور، وخاصة في مدينة الفاشر، حيث سقطت تحت سيطرة قوات الدعم السريع بعد حصار طويل، وتحدثت تقارير أممية ومحلية عن عمليات قتل جماعي غير قانونية، اغتصاب، تعذيب واختطاف للسكان المدنيين خلال الهجوم على مخيمات النازحين، وأيضا بعد الاستيلاء على المدينة نفسها.

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وثق أن هذه الأفعال تشمل إعدامات ميدانية بحق المدنيين الذين يحاولون الفرار واعتقالات جماعية، ما يشير إلى “ظروف قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية” في حالة إثباتها.

سوريا .. أمان وهمي وأقليات في المهب

عقب سقوط نظام الأسد وصعود الحكم الجديد، شهدت سوريا في 2025 موجة انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، خصوصًا على خلفيات طائفية. ففي مارس، سُجلت عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية بحق مدنيين من الأقلية العلوية في اللاذقية وطرطوس وحماة، حيث وثق تقرير مشترك لـهيومن رايتس ووتش وسوريون للحقيقة والعدالة مقتل أكثر من 1400 شخص بين 7 و10 مارس، كثير منهم نساء وأطفال، عبر استهداف مباشر وانتماء طائفي مُسبق.

وفي يوليو، اندلعت مواجهات دامية بين الدروز وعشائر بدوية في السويداء، وسط فشل محاولات تثبيت التهدئة؛ وقدّر المرصد السوري لحقوق الإنسان حصيلة القتلى بنحو 1895 شخصا خلال الأسابيع الأولى، بينهم مدنيون وعناصر مسلحة من مختلف الأطراف.

فيما هز تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بحمص أثناء صلاة الجمعة، ما أدى إلى 8 قتلى و18 مصابا، في حادثة لاقت صدمة واسعة بوصفها اعتداء على مكان عبادة وساعة صلاة، ومؤشرا على هشاشة الأمن واستمرار الانتهاكات بحق المدنيين.

الانتهاكات في سوريا لم تنتهي حتى الساعات الأخيرة من عام 2025 فقد استهدف المتظاهرين العلويين في غرب سوريا في وقفات احتجاجية وقتل على إثرها 3 منهم جراء إطلاق النارعليهم بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

العراق … أوضاع حقوقية معقدة

واجه العراق في 2025 أوضاعا حقوقية معقدة تمثلت في الاعتقالات التعسفية، الإفلات من العقاب، والقيود على الحريات المدنية، خاصة في ظل توترات أمنية داخلية، و تناولت تقارير مثل المراجعة الدورية الشاملة أمام الأمم المتحدة تزايد المخاوف المتعلقة بقتل واعتراضات وإساءة التعامل مع الناشطين، مع إشارة إلى أن المدافعين عن الحقوق يواجهون مخاطر واضطرابات مباشرة عند التطرق لقضايا حساسة مثل الاعتقالات والاختفاءات التي وقعت خلال احتجاجات سابقة.

كما تعاني السجون العراقية من الاكتظاظ الحاد وظروف الاحتجاز السيئة، بما في ذلك ما ورد عن تكدس أكثر من ضعف الطاقة الاستيعابية للمنشآت، ما يعرض السجناء لحالات سوء المعاملة ونقص الرعاية الصحية ويشكل خرقا صريحا لالتزامات الدولة في حماية حقوق الإنسان داخل منظومة العدالة الجنائية، بالإضافة لمطالبته بمواجهة استخدام عقوبة الإعدام وزيادتها في بعض الحالات، وهو ما أثار انتقادات حقوقية دولية باعتباره انتهاكا لمعايير حقوق الإنسان المتعارف عليها.

أما كردستان العراق فقد شهدت أحداثا برزت فيها تدهور خطير وتراجع في حماية حقوق الصحفيين وحرية التعبير، بيانات حقوقية محلية أدانت تصاعد الانتهاكات بحق الإعلاميين، حيث أبلغت منظمات مدافعة عن حرية الإعلام عن اعتداءات جسدية ومضايقات ومصادرة معدات صحفية واعتقالات بحق صحفيين ومراسلي مواقع إعلامية مستقلة.

العراق من منظور حقوقي

يقول الخبير في حقوق الإنسان كامل هشام لـ “عابر”، إن واقع حقوق الإنسان في العراق خلال عام 2025 ما يزال يعاني من فجوة عميقة بين النصوص الدستورية والتطبيق العملي. ورغم أن الدستور خصص أكثر من ثلاثين مادة لحماية الحقوق والحريات، من بينها المادة (38) التي تكفل حرية التعبير والصحافة والتظاهر السلمي، والمادة (16) التي تنص على مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، إلا أن هذه المبادئ لم تفعل بشكل مستقر أو فعلي على أرض الواقع حتى الآن.

ويؤكد هشام أن حرية التعبير بقيت قائمة شكليا، لكنها شهدت خلال هذا العام تصاعدا في القيود العملية المفروضة على الصحفيين والناشطين والمحتجين في العراق، أبرزها استخدام السلطات وخاصة هيئة الإعلام والاتصالات صلاحيات خارج الإطار الدستوري في التعامل مع وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ما خلق بيئة ضاغطة للخطاب الحر.

ورغم عدم تسجيل حالات اختفاء قسري ممنهجة بالمعنى القانوني هذا العام، يشير هشام إلى استمرار الاعتقالات التعسفية بحق ناشطين ومشاركين في الاحتجاجات، بعضها جرى دون أوامر قضائية وباستخدام قوة مفرطة، مع بقاء مصير بعض المعتقلين مجهولا لأسابيع، ما يعقد قدرة ذويهم على الوصول إليهم أو توفير محامين لمتابعة أوضاعهم.

ويضيف هشام أن الإفلات من العقاب لا يزال يمثل أحد أكبر التحديات في ملف الانتهاكات الجارية، حيث تبقى الممارسات المخالفة للقانون بلا محاسبة رادعة.

أما فيما يخص حقوق النساء والناجيات من العنف، فيصفها هشام بأنها ما زالت محاصرة بمنظومة قانونية غير مكتملة وضغوط سياسية واجتماعية، وضعف في الإرادة التشريعية والتنفيذية، ما يجعلها بحاجة إلى إصلاحات جذرية تتسق مع الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

بين لبنان واليمن انتهاكات مشتركة
رغم اختلاف الظروف والسياقات السياسية بين لبنان واليمن، إلا أن العام 2025 كشف عن قواسم مشتركة في أنماط الانتهاكات التي طالت المدنيين في البلدين. ففي اليمن، أسفرت النزاعات المسلحة والهجمات المتبادلة مع الاحتلال الإسرائيلي عن سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين واستهداف مناطق سكنية ومرافق حيوية في محافظات عدة، بينما شهدت مناطق جنوب لبنان وعلى طول الحدود الجنوبية توتراً أمنياً وهجمات عبر الحدود وقصف إسرائيلي تسببت بوقوع ضحايا وإصابات وتضرر الممتلكات والبنى التحتية وفي ذلك انتهاك صريح للحق في الحياة والأمن وحماية الأعيان المدنية وفق القوانين الدولية.

كما ترافقت الأزمات الأمنية في كلا البلدين مع تدهور حاد في الظروف المعيشية والخدمات الأساسية، ما انعكس مباشرة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للسكان. اليمن لا يزال يعيش أسوأ أزماته الإنسانية مع تراجع خطير في خدمات الصحة والتعليم والمياه، وارتفاع معدلات الفقر ونقص الغذاء والدواء في أغلب المناطق، بينما يتواصل في لبنان الانهيار الاقتصادي الذي بدأ قبل سنوات، ما أدى إلى تراجع قدرة المواطنين على الحصول على خدمات أساسية مثل الكهرباء والرعاية الصحية والتعليم، وإلى توسع مظاهر الفقر وتدهور نوعية الحياة.

ليبيا .. نزاعات مهددة للحياة

ليبيا مثل غيرها من الدول العربية، شهدت انتهاكات حقوقية كثيرة ففي العاصمة طرابلس قتل عدد من المواطنين وتضررت عدد من المنازل عقب اندلاع اشتباكات بين التشكيلات المسلحة، في حين تعرضت عدد من النساء في المنطقة الغربية للقتل مثل المواطنة خنساء المجاهد التي قتلت في وضح النهار.

وأعيد في هذا العام فتح ملف الإخفاء القسري في ليبيا، بعد انتشار مقطع فيديو لعضو مجلس النواب إبراهيم الدرسي وهو مكبل ويعامل بطريقه غير إنسانية عقب اختفائه العام السابق في بنغازي دون معرفة مصيره.

شكل ملف المهاجرين في ليبيا إحدى أبرز الانتهاكات الحقوقية خلال 2025، حيث وثقت المنظمة الدولية للهجرة اعتراض 26940 مهاجرا وإعادتهم قسريا إلى مراكز احتجاز، إضافة إلى 1190 وفاة وفقدان في البحر، واتهم خفر السواحل الليبي والتشكيلات المسلحة بارتكاب انتهاكات تشمل الاستخدام المفرط للقوة ومنع سفن الإنقاذ الدولية من العمل، في مخالفة للقانون الدولي الإنساني، بينما سجل برنامج تتبع النزوح وجود 928839 مهاجرا من 44 جنسية داخل ليبيا وسط ظروف معيشية متفاوتة وتحديات أمنية وإنسانية حادة.

التضييق على الحرية الفكرية

في تونس، رصدت تقارير حقوقية استمرار اعتقال ناشطين على خلفيات سياسية، وتدخلات في حرية التظاهر، مع استمرارية الجدل حول استقلالية القضاء وحرية الإعلام.

وفي الجزائر، يستمر التضييق على المنابر المستقلة، بينما يواجه الناشطون الاجتماعيون والمواطنون عموما صعوبات في التعبير بحرية عن آرائهم دون تدخل أمني أو تحريك إجراءات قانونية بحقهم.

أما في المغرب، فتظهر المؤشرات الحقوقية بعض الانفتاح المقيد في الحريات الاجتماعية، بيد أن قضايا مثل حرية التجمع، والحريات الأكاديمية، وحقوق العمال والفئات الهشة لا تزال تواجه تحديات ملموسة. وقد أعربت منظمات حقوقية عربية عن قلقها من استمرار بعض الإجراءات التي تقيد الأنشطة المدنية بشكل لا يتوافق تماما مع المعايير الدولية للحقوق المدنية والسياسية.

على مقربة من ذلك، تشهد موريتانيا مؤشرات متباينة في ملف حقوق الإنسان، إذ تظهر تحسينات في بعض الجوانب المدنية، بينما تظل مجالات مثل حقوق العمال، وحقوق المهاجرين، والمساواة في الحصول على الخدمات الأساسية دون مستوى متقدم مقارنة بالالتزامات الدولية.

وفي الأردن، بالرغم من بعض المبادرات التي تهدف إلى تطوير الأطر التشريعية المرتبطة بالحقوق الأساسية، فإن الضغوط على حرية التعبير، والتنظيم المدني، وتقييد التجمعات السلمية لا تزال قائمة، مما يحول دون تحقيق نهضة حقوقية شاملة في البلاد.

تقييم مؤشرات الحريات في المنطقة العربية لعام 2025

يقول المستشار في حقوق الإنسان الدكتور رياض صبح لـ “عابر” أن المشهد العام للحريات في العالم العربي مع نهاية عام 2025 يتوزع بين الجمود والتراجع، مع غياب الطابع الموحد وظهور فروقات واضحة بين دولة وأخرى، على الرغم من وجود محاولات إصلاحية متفرقة، إلا أن المنطقة لا تزال بعيدة عن تبني نهج مستدام يضمن الحقوق الأساسية ويحمي الحريات المدنية والسياسية وفق المعايير الدولية.

وبحسب صبح، فإن عدة دول عربية حافظت على وضعية “المراوحة”دون تحسن ملموس، حيث لم تشهد تغييرات جوهرية في الحريات أو انفتاحا سياسيا، دول مثل العراق ومصر وتونس والأردن والمغرب تعيش حالة تذبذب بين السماح بهوامش للنقاش من جهة، وفرض قيود متفاوتة على المجتمع المدني وحرية التعبير من جهة أخرى، ما يجعل تقييم وضعها الحقوقي محكوما بعوامل متغيرة وسياقات داخلية شديدة التعقيد.

ويتابع أما الدول التي تشهد نزاعات مسلحة، وعلى رأسها فلسطين والسودان واليمن وسوريا، فهي تسجل أسوأ المؤشرات الحقوقية في المنطقة، نتيجة استمرار أنماط الانتهاكات التقليدية مثل القتل خارج القانون، الاعتقالات التعسفية، التعذيب، الاغتصاب، الاستهداف القائم على الهويةالطائفة، وغياب العدالة.

 ويعتبر صبح أن هذه الدول تعيش وضعًا لا يسمح بتطور فعلي للحريات، إذ أن الحرب والصراع المسلح تُعيد إنتاج الانتهاكات وتمنع بناء منظومات حماية حقوقية مستقرة.

وفي السياق ذاته، يشير صبح إلى أن سوريا تحديدا تمثل حالة استثنائية من حيث التحول النسبي، فبعد سقوط النظام السابق، ورغم استمرار الانتهاكات وتحديات المرحلة الانتقالية، شهد العام 2025 تحسنًا نسبيًا في مساحة النقاش العام وحرية الرأي بالمقارنة مع السنوات السابقة. ذلك لا يعني أن الوضع جيد أو مستقر، لكنه يمثل ارتفاعًا محدودًا في سقف الحريات، سمح بوجود النقد العلني وتعدد المواقف في الإعلام والفضاءات الاجتماعية والثقافية، وهو تحسن قياسي مقارنة بالماضي وليس بالمطلق.

أما دول الخليج، فيصف صبح وضعها بأنه الأقرب إلى التحسن التدريجي خلال 2025، نتيجة الانفتاح النسبي في مجالات معينة – تحديدا ما يتعلق بالتفاعل مع الآليات الدولية والتعاون مع مؤسسات حقوق الإنسان مؤكدا أن ذلك لا يعني تحقق نموذج مثالي للحريات أو الوصول إلى مستوى مرتفع، بل يمثل خطوات محسوبة وبطيئة نحو إدراك أوسع لأهمية حقوق الإنسان، مع استمرار القيود السياسية والإعلامية المعروفة.