مدارس غير آمنة للطلاب …. تحرش واعتداءات داخل مدارس دولية في مصر يهز التعليم

عابر- مصر
لم تعد عبارة “المدرسة الآمنة” في مصر توصيفًا مطمئنًا كما كانت، بل تحوّلت خلال الشهور الأخيرة إلى سؤال ثقيل يتردد في بيوت آلاف الأسر، اثارته قضية مدرسة “سيدز الدولية” بالقاهرة، وما كُشفته من وقائع تحرش واعتداءات بحق تلاميذ صغار، تلك الحادثة لم تُعامل كحادثة معزولة أو تصرفات فردية، بل فتحت الباب أمام مخاوف أوسع تتعلق بتنامي الانتهاكات داخل بعض المؤسسات التعليمية الخاصة والدولية مع تكرار مصل تلك الحوادث فيها .
تلك المخاوف تعززها أرقام رسمية تشير إلى ارتفاع بلاغات التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال بنسبة تجاوزت الثلث خلال العامين الأخيرين، ما يضع ما جرى في “سيدز” ضمن سياق أوسع، تتقاطع فيه شهادات الأهالي مع فجوات الرقابة والإشراف داخل المدارس.
انهيار الثقة بالتعليم
يقول مينا، وهو ولي أمر لطفلين في الصفين الثاني والثالث الابتدائي بمدرسة “سيدز الدولية”، إن زيارته للمدرسة لم تكن بدافع الفضول، بل بدافع القلق الحقيقي، “كنت سامع كلام كتير، ومش قادر أكتفي بالإشاعات لازم أسمع من أولادي”.
جلس مينا مع طفليه في محاولة للحديث بهدوء، لكن ما سمعه منهما زاد من شعوره بالاضطراب، فيؤكد أن الطفلين تحدثا عن أماكن داخل المدرسة، وعن تفاصيل لا تتناسب مع أعمارهم، وهو ما جعله يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي، هذه التفاصيل، بحسب قوله، توافقت لاحقًا مع ما تداوله أولياء الأمور عن أماكن يُشتبه بوقوع حوادث داخلها.
الأكثر إرباكًا بالنسبة له كان إدراكه أن الأطفال يمكن أن تم إبعادهم عن نطاق الكاميرات، ومن ثم إعادتهم دون أن يلاحظ أحد، ورغم تأكده من أن كاميرات المراقبة تعمل، وأن تسجيلاتها محفوظة لمدة أربعين يوما، وأن الجهات الأمنية تسلمت هذه التسجيلات، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لاستعادة شعوره بالأمان.
يقول مينا إن القضية بالنسبة له لم تعد مرتبطة بواقعة محددة فقط، بل بانهيار الثقة، متسائلا كيف يمكن لمؤسسة تعليمية يفترض أنها آمنة أن تشهد مثل هذه الوقائع؟ وهل كان ما حدث نتيجة إهمال جسيم، أم تقصير إداري، أم تستر؟ أسئلة يؤكد أنها لا تخصه وحده، بل تمثل قلقًا جماعيًا لدى عشرات الأسر.

سلوكيات غير معتادة
لم تخرج تفاصيل الواقعة إلى العلن دفعة واحدة، بل بدأت كتسريبات وشهادات متفرقة، قبل أن تتحول سريعًا إلى قضية رأي عام، فرضت نفسها على وزارة التربية والتعليم وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول آليات حماية الأطفال داخل المدارس الخاصة والدولية.
وقبل أي بيان رسمي أو قرار وزاري، كانت مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات أولياء الأمور هي الساحة الأولى لانفجار القضية، إذ انتشرت خلال أيام قليلة روايات متداولة عن تعرض طلاب صغار لاعتداءات داخل الحرم المدرسي، بعضها جاء على شكل شهادات مجهولة المصدر، وبعضها الآخر نُقل عن أطفال عادوا إلى منازلهم وهم يحملون سلوكيات وأسئلة غير معتادة.
ومع تصاعد الغضب بين أولياء الأمور، أعلنت وزارة التربية والتعليم وضع مدرسة “سيدز الدولية” تحت الإشراف المالي والإداري الكامل، وإحالة المسؤولين عن الواقعة إلى الشؤون القانونية، واعتبر القرار من أقسى الإجراءات التي يمكن اتخاذها بحق مدرسة خاصة، وعكس حجم خطورة ما كشف.
الوزارة أكدت أن ما جرى يمسّ بشكل مباشر حق الطفل في الأمان، وأن التدخل جاء بعد رصد قصور واضح في منظومة الرقابة والإشراف داخل المدرسة، مشددة على أن حماية الطلاب ليست شأنًا إداريًا داخليًا، بل مسؤولية تخضع للمساءلة القانونية.
هذا التحرك لم يكن معزولًا عن سياق أوسع، إذ فتح باب التساؤل حول أوضاع مدارس خاصة ودولية أخرى، ومدى التزامها الحقيقي بتطبيق سياسات حماية الطفل، لا والاكتفاء بإدراجها في لوائح مكتوبة.

صدفة صادمة
قبل أسابيع من تفجر قضية “سيدز”، تكشفت واقعة مشابهة داخل مدرسة دولية شرق الإسكندرية، بدأت بمحض صدفة، فتروي احدى اولياء الأمور أنها توجهت في بداية اليوم الدراسي للبحث عن “جاكيت” فقدته ابنتها داخل المدرسة.
وأثناء تجولها، وصلت إلى منطقة جانبية شبه معزولة بجوار ملعب المدرسة، تعرف بين الأطفال باسم “الجنينة”، هناك شاهدت عاملا يخرج من زاوية جانبية في حالة ارتباك واضحة، أعقبته طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.
تقول الشاهدة إن غياب أي إشراف في تلك المنطقة، رغم وجود أطفال في سن رياض الأطفال، أثار شكوكها على الفور، الإحساس كان أقوى من أي دليل.
استدراج للاطفال
بحسب رواية والدة الطفلة، أكدت لها ابنتها أن العامل استدرجها بحجة “هنلعب مع بعض جمباز”، قبل أن يعتدي عليها داخل نطاق المدرسة، ومع انتشار تفاصيل الواقعة، تقدم أولياء أمور آخرون ببلاغات مماثلة، ما كشف عن نمط متكرر من الانتهاكات.
التحقيقات الأولية أظهرت أن وجود مساحات غير مؤمّنة، وضعف الإشراف في بعض الفترات، سهّلا وقوع الاعتداءات دون اكتشافها سريعًا، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول الرقابة اليومية داخل المدارس.

الواقع أخطر مما يعلن
طارق العوضي، محامي الدفاع عن تلاميذ مدرسة الإسكندرية الدولية، يؤكد أن عدد الضحايا يتجاوز ما أُعلن عنه رسميًا، إن البلاغات المقدمة كانت تخص خمسة أطفال، لكنه يمتلك معلومات موثوقة عن حالات أخرى لم تتقدم أسرها ببلاغات.
ويشير إلى أن جلسات التحقيق شهدت حضور أولياء أمور لأطفال إضافيين، وتم تسجيل حالاتهم الطبية وتوثيقها لدى المباحث، ويصف ما سمعه خلال الجلسات بأنه من أصعب ما واجهه خلال مسيرته المهنية الممتدة لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا.
ويكشف العوضي أن بعض الوقائع تشير إلى علم أو تواطؤ عاملين آخرين داخل المدرسة، بل ومشاركة بعضهم في تسهيل الاعتداءات أو التعامل مع الأطفال بعد وقوعها، مؤكدًا أن هذه المعلومات موثقة في بلاغات رسمية.
ويناشد المحامي أولياء الأمور الذين لديهم أي اشتباه أو معلومات بالتوجه فورًا إلى نيابة المنتزه ثان، مشددًا على أن النيابة تكفل السرية الكاملة، ومختتمًا تحذيره بالقول إن الإبلاغ اليوم قد ينقذ طفلًا غدًا.

أرقام ناقصة وظاهرة أكبر من المعلن
بحسب بيانات المجلس القومي للأمومة والطفولة، ارتفعت بلاغات التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال بنسبة تقارب 35% خلال العامين الماضيين، استنادًا إلى سجلات خط نجدة الطفل والبلاغات الواردة للمجلس.
وعلى المستوى الدولي، تشير تقديرات اليونيسف لعام 2025 إلى أن طفلًا واحدًا من كل ثمانية أطفال حول العالم يتعرض لشكل من أشكال الاعتداء الجنسي قبل سن الثامنة عشرة، وهي أرقام تُستخدم كمؤشر عام في ظل غياب بيانات وطنية دقيقة في عدد من الدول، من بينها مصر.
وحول ذلك يعلق الخبير النفسي والأسري حسن صبري بأن هذه الأرقام “تعكس جزءًا ظاهرًا فقط من المشكلة، إذ إن كثيرًا من الحالات لا تُبلّغ بسبب الخوف أو الوصمة الاجتماعية”، كما أن المدرسة حين تفشل في بناء بيئة آمنة نفسيًا، فإنها لا تكتفي بعدم حماية الطفل، بل تسهم أحيانًا في إسكات الضحية، مشددا على أن الاعتداء الجنسي جريمة مكتملة الأركان، لا يمكن تبريرها أو اختزالها في اضطراب نفسي للمتحرش.

ما بعد الصدمة… أسئلة لا يمكن تجاهلها
بين القاهرة والإسكندرية، تتشابه التفاصيل وتختلف الأسماء، لكن النتيجة واحدة: أطفال تعرّضوا لانتهاك داخل مؤسسات كان يفترض أن تحميهم، ومع استمرار التحقيقات، تبقى الأسئلة معلقة حول فعالية الرقابة، ومسؤولية الإدارات، ودور الدولة في ضمان ألا تتكرر هذه الجرائم.
في هذه القضايا، لا يكفي التحرك بعد انكشاف الجريمة، لأن الثمن يدفع من الطفولة نفسها، وحين تفشل المدرسة في حماية الطفل، فإنها لا تفقد ثقة الأسرة فقط، بل تهدم أحد أكثر المفاهيم الإنسانية قدسية وهي أن يكون الطفل آمنا وهو يتعلم.

