أزمة المجلس الوطني للصحافة في المغرب: شرعية متآكلة وغضب مهني يتصاعد

عابر – المغرب

تصاعدت في الأسابيع الأخيرة موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات داخل المنظومة الصحفية المغربية، عقب تسريب فيديو من داخل لجنة الأخلاقيات، اعتُبر “القشّة التي قصمت ظهر البعير” وأطلقت حملة واسعة تطالب بإسقاط المجلس الوطني للصحافة وإعادة تأسيسه على أسس مهنية جديدة.

شرارة الأزمة: تسريب يهزّ الثقة

بدأت الأزمة تتدحرج بقوة بعد انتشار فيديو مسرّب للصحافي حميد المهداوي خلال جلسة سرية وتخصّ لجنة الأخلاقيات. ظهر في الفيديو أعضاء من اللجنة في نقاشات وصفت بالشخصية والانتقامية، والمتجردة من الطابع المهني. فلم يكن الفيديو مجرد حادث معزول، بل دليلًا دامغًا على “تحوّل اللجنة إلى غرفة لتصفية الحسابات”، كما قال الصحافي المغربي محمد تغروت.

التسريب أخرج إلى العلن ما كان يُقال همسًا: اللجنة لم تعد جهة ضبط مهني، بل آلية للضغط والتأديب والعقاب، تستخدم “أخلاقيات المهنة” كذريعة لاستهداف الأصوات المزعجة.

خلفية قانونية مهزوزة: لجنة انتهت ولايتها

يرى كثير من الصحافيين المغربيين أن أصل الأزمة يرتبط بـ اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، فكما نوه الصحفي تغروت، فإن مدة انتداب اللجنة انتهت في أكتوبر الماضي، وفق قانون تشكيل اللجنة الذي حدد ولايتها عامين دون تمديد. ولكن واصلت اللجنة إصدار القرارات، ما يجعلها ـ حسب رأيه “فاقدة للشرعية” ويضع أعضائها “في خانة انتحال الصفة”.

ويشرح أن هذه اللجنة كانت مكلفة حصراً بالتحضير لانتخابات المجلس الوطني للصحافة، لكنها فشلت في ذلك، فتم اللجوء إلى حلول استثنائية انتهت إلى تعميق الأزمة بدل حلّها.

ويرى تغروت أن التسريبات الأخيرة، خصوصاً جلسة مناقشة ملف حميد المهداوي التي صُوِّرت دون علمه، أظهرت بوضوح انحراف اللجنة عن وظيفة “قضاء الزملاء” لتكتشف ايضا عن استعمال غير مبرر لاسم النيابة العامة والمجلس الأعلى للقضاء داخل الاجتماعات، وحضور أشخاص لا صفة لهم في مداولات سرية، وتضاربًا في الأدوار المخصصة للاعضاء.

وأشار إلى أن الخروقات طالت ملفات أخرى، مثل قضية موقع “لوديسك” التي انتقلت فيها اللجنة إلى منزل المشتكي بدل مثوله أمام اللجنة، وهو ما يعد سلوكاً غير قانوني وغير مسبوق.

ويضيف أن  اللجنة باتت تفرض هندسة جديدة من خلال الدفع نحو استبدال الانتخابات بالتعيينات وفق رقم المعاملات المالي لضمانها السيطرة على المجلس. وفي رأيه، ما يتعرض له بعض الصحافيين، وعلى رأسهم المهداوي الذي يواجه شكايات من وزير العدل ويُحرم من البطاقة المهنية، يجسد انتهاكاً لكرامة الصحافي وتحويل الاجراءات التأديبية إلى أداة للضغط والإخضاع.

رفض “القرارات الانفرادية”

أكثر من 300 صحفي أكد من خلال التوقيع على بيان لهم على أن سبب انطلاق الحملة، نتيجة للقرارات الانفرادية للحكومة في تمديد المجلس وتغيير تركيبته دون إشراك الجسم الصحافي، وتحويله إلى آلية ضبط سياسي بدل تنظيم مهني .

ويرفض البيان استمرار المجلس بصيغته الحالية، ويرى أن الهيكلة الجديدة تم تمريرها في البرلمان “دون نقاش عمومي، ودون استشارة أهل المهنة الذين يُفترض أن المجلس يمثلهم”.

“سيف ديموقليس على رقاب الصحافيين

الصحافي المغربي المستقل محمد المساوي شدد لعابر على أن الأمر ليس مجرد خلل، بل منظومة كاملة تعمل على إسكات الصحافيين من خلال الإجراءات التأديبية التي تُستعمل لمعاقبة الأصوات المستقلة، والتسريب دليل بالصوت والصورة على هذا المنحى.”

ويضيف أن المناخ الحالي دفع كثيرًا من الصحافيين الشباب إلى ممارسة رقابة ذاتية شديدة خوفًا من المتابعات، ووفقًا له، فالقضايا التي طالت صحافيين مثل بوعشرين والريسوني والراضي خلّفت شعورًا عامًا بأن “القضاء يُستخدم كامتداد لمعركة سياسية”.

وبالنسبة للمساوي، الأزمة أعمق من مجرد تجاوز أخلاقي إذ أن اللجنة أصبحت تشتغل ضمن أجندة متكاملة مع القضاء وأطراف سياسية في الحكومة، وبهدف محاصرة الصحفيين المهنيين.

ويشير المساوي إلى أن الجسم الصحفي يعيش حالة إنهاك تنظيمي. فالنقابة التقليدية “مكبلة بالبيروقراطية” وهناك تنظيمات متفرقة بلا قوة ضغط. لذلك فإن التواصل مع الحكومة “شبه منعدم”، ما دفع عددًا من الصحافيين إلى إطلاق الحملة الميدانية والاحتجاجية.

“معركة وجودية من أجل إعلام مستقل

أما هاجر الريسوني، صحافية ورئيسة تحرير منصة “هنّ” وعضوة في لجنة “بيان من أجل حل المجلس الوطني للصحافة”، فقالت لعابر أن الأزمة الحالية تتجاوز الخلافات المهنية لتصبح معركة وجودية من أجل استقلالية الصحافة وحماية حق المجتمع في إعلام حر.

وتشير إلى أن المجلس الوطني في صيغته السابقة أُفرغ من دوره وحوّل إلى أداة للضبط والسيطرة بدل حماية حرية الصحافة، وأن المشروع الحالي الذي تم طرحه للنقاش في البرلمان يُمثّل المشروع الحكومي وليس المشروع المهني للصحافيين ، لصياغته دون مشاركة الجسم الصحفي وبأسلوب تعيين إداري بدلاً من انتخاب ديمقراطي.

وتؤكد الريسوني على أن الحل يبدأ بـ سحب القانون وفتح نقاش عمومي يشارك فيه جميع الصحافيين، مع ضمان تمثيل مهني حر ومستقل من خلال انتخابات ديمقراطية حقيقية، وفصل واضح بين الجهاز التنفيذي والمجلس لضمان استقلاليته، والمطالبة بتشكيل لجنة أخلاقيات شفافة لا تُستعمل لتصفية الحسابات، ووضع معايير مهنية واضحة ومعلنة تحمي الصحافي بدل أن تكون وسيلة لمعاقبته، مع إعادة بناء الثقة بين الصحافيين والمؤسسة عبر تدبير شفاف للدعم والتأديب.

حراك متصاعد: من العرائض إلى الشارع

وتوضح الريسوني أن الحملة الحالية ليست رمزية فقط، بل وصلت إلى قرابة 300 توقيع والرقم يزيد، واشتملت على وقفات احتجاجية أمام وزارة الثقافة والاتصال تعبيراً عن رفض المحاولات لتحويل المجلس إلى أداة للتأديب الانتقامي أو الهيمنة السياسية، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات تصعيدية للحفاظ على كرامة الصحافيين وحقهم في ممارسة مهنتهم بحرية.

رأي معاكس وبناء الثقة

وزير الشباب والثقافة والاتصال محمد مهدي بن سعيد قال أن “فلسفة التنظيم الذاتي للمهنة الصحفية تقوم على تحسينها”، وهو ما ينعكس، حسب قوله، في المشروع الجديد رقم ° 26.25 ، المبني على مبادئ الحرية والمسؤولية، وإذ نشير إلى أننا “نواجه اليوم التحدي المتمثل في التوفيق بين حرية الصحافة كأمر مسلم به وضرورة التنظيم الذاتي للمهنة”.

وأشار بن سعيد إلى أن مشروع القانون يهدف إلى بناء الثقة بين المواطنين ووسائل الإعلام، من خلال منح المجلس صلاحيات واضحة وفعالة للإشراف على المهنة، وضمان احترام أخلاقيات الصحافة، ومعالجة الشكاوى، ومكافحة التضليل، ودعم التغييرات المرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، من أجل الحفاظ على جودة المحتوى الإعلامي.

 بين معركة شرعية ومعركة بقاء

من الطبيعي أن تفقد المؤسسات المهنية ثقة الصحافيين حين تتحول إلى أدوات عقابية، إذ أجمع المتحدثون الثلاثة على أن الشفافية غائبة، والاستقلالية منعدمة، والقرارات لا تُتخذ بناء على معايير مهنية، ويرى كثيرون أن المجلس أصبح “طرفًا سياسيًا” بدلًا من أن يكون “حَكَمًا مهنيًا”.

الأزمة التي يعيشها قطاع الصحافة في المغرب ليست عابرة، بل تكشف عن صراع على طبيعة الإعلام نفسه:هل هو إعلام مستقل يمارس دوره الرقابي؟ أم جهاز تابع يخضع للإدارة والضبط؟

الحراك المهني المتصاعد، وعودة النقاش إلى الواجهة بعد تسريب واحد فقط، كلها مؤشرات على أن الصحافيين لم يعودوا يقبلون الصمت. وأن المعركة المقبلة لن تتعلق فقط بهيكلة المجلس، بل بأساس العلاقة بين السلطة والصحافة في المغرب.