كورنيش هايبر”.. فخ الموت الذي ابتلع العشرات بلا إنذار أو مخرج: مأساة تتكرر في حرائق العراق

“اتصلت بي زوجتي وطلبت مني مسامحتها لأن ابننا مات في الحريق، ثم انقطع الهاتف، لأجدها بعد ذلك في الهايبر ماركت متفحمة، وهي تحتضن ابننا.”

هذه كانت إحدى شهادات ذوي ضحايا حريق “هايبر ماركت الكوت” الذي خلّف عشرات القتلى.

فيما تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لشاب يبحث بين الرماد عن بقايا والدته التي لم يُعثر على رفاتها،

بينما نشر ناشطون صورًا لعوائل وقفوا فوق سطح مركز التسوق والنار تطوّقهم على أمل أن تصل إليهم المساعدة،لكنهم بحسب الشهود احترقوا جميعًا في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية إيلامًا خلال عام 2025 بالعراق ، حيث شهدت مدينة الكوت، مركز محافظة واسط، مساء امس الأربعاء، حريقًا مروّعًا اندلع داخل مركز تسوق “كورنيش هايبر ماركت”، ما أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصًا وإصابة العشرات، وسط تحركات حكومية وتشريعية لكشف ملابسات الفاجعة ومحاسبة المقصّرين.

وبحسب وزارة الصحة العراقية، فإن عدد الضحايا بلغ حتى مساء الخميس 61 قتيلاً، بينهم 14 جثة متفحمة لم تُحدد هوياتها، إلى جانب نحو 45 مصابًا، في حين لا تزال عمليات البحث عن مفقودين مستمرة في أروقة المبنى المحترق.


من مكان الحادث.. السوداني يعلن قرارات مشددة

ووصل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني اليوم الخميس ، إلى موقع الحادث برفقة عدد من الوزراء والمسؤولين الأمنيين. وخلال تفقده المكان المنكوب، أعرب السوداني عن “ألمه الشديد لهذه الكارثة المؤلمة”، وأصدر توجيهات فورية شملت:

  • إحالة جميع المسؤولين المحليين عن منح التراخيص والإشراف إلى التحقيق الفوري.
  • تشكيل لجنة تحقيق وزارية عليا، تضم ممثلين عن وزارات الداخلية والإعمار والصحة والدفاع المدني وهيئة النزاهة.
  • إلزام المحافظات كافة بـ مراجعة تراخيص المباني التجارية والمنشآت العامة والتأكد من التزامها بمعايير السلامة.
  • تكفّل الدولة بعلاج المصابين وتعويض ذوي الضحايا.
  • ووجه السوداني بصرف تعويضات عاجلة لعوائل الضحايا (10 ملايين دينار لكل أسرة)، كما أعلن الحداد في محافظة واسط لمدة ثلاثة أيام.

الوثائق تكشف: الترخيص مطعم والواقع هايبر ماركت

وفي تطور لافت، كشفت هيئة النزاهة العراقية عن وثائق رسمية أولية تُظهر أن الموافقة الأصلية على المشروع كانت لبناء “مطعم سياحي”، وليس “هايبر ماركت تجاري” متعدد الطوابق، كما هو واقع الحال.

وبحسب الوثائق، فإن تغيير استخدام البناء جرى دون مراجعة الجهات المعنية أو استحصال الموافقات القانونية اللازمة، ما يطرح تساؤلات جدية حول تورط جهات محلية في تسهيل التغيير بشكل غير قانوني.

وأكد مصدر في الهيئة أن اللجنة المختصة بصدد استدعاء مسؤولين في بلدية الكوت ودائرة الاستثمار في واسط، لمساءلتهم بشأن آلية منح الموافقة وتجاهل اشتراطات السلامة والوظيفة الأصلية للمشروع.

موجة غضب واتهامات بالتقصير

أثارت الكارثة غضبًا شعبيًا واسعًا، حيث اعتبر كثيرون أن ما جرى “نتيجة مباشرة لفساد إداري وإهمال رقابي”، لاسيما أن المركز افتتح رسميًا قبل أقل من أسبوع واحد فقط من وقوع الحادث، وسط احتفالات محلية.

وكتب ناشطون أن الحادث يذكّر بكوارث مشابهة وقعت في العراق خلال الأعوام الأخيرة، مثل حريق قاعة أعراس الحمدانية عام 2023، ومستشفى الحسين في الناصرية عام 2021، مطالبين بتحقيقات شفافة تنتهي بمحاسبة فعلية لا إعلامية

تفاصيل الفاجعة

وبحسب تحقيقات أولية، بدأ الحريق بسبب تماس كهربائي في وحدة تكييف بالطابق الثاني، ثم انتشر بسرعة إلى جميع الطوابق لغياب أنظمة الإنذار والإطفاء، وعدم وجود مخارج طوارئ. وأكد شهود عيان أن معظم الضحايا قضوا اختناقًا داخل دورات المياه والمخازن المغلقة.

وسارع المواطنون إلى توثيق لحظات الهلع داخل المبنى، حيث أظهرت مقاطع مصورة محاولات يائسة للفرار من النوافذ وسط صراخ واستغاثات.

كما وأفاد شهود عيان بأن إدارة المبنى لم توفر مخارج طوارئ كافية، كما لم تُسمع أي أجهزة إنذار قبل انتشار الحريق، ما ساهم في حبس العشرات داخل الحمامات والمخازن دون فرصة للهروب.

وقالت إحدى الناجيات: “دخلنا الحمام بعد أن بدأ الدخان، وفجأة أصبح المكان أسود بالكامل، لا أرى شيئاً، لا نوافذ، لا مخارج، ولا أحد أنقذنا”.

يرى عدد من الخبراء أن تكرار هذه الحرائق يعود إلى عوامل مشتركة تتمثل في:

  • ضعف تطبيق معايير السلامة والحماية المدنية.
  • نقص تجهيزات الدفاع المدني، وتأخر الاستجابة.
  • تراكم المواد القابلة للاشتعال، وعدم التزام المحال والمستشفيات وإدارة قاعات المناسبات بإجراءات الوقاية.
  • ضعف الرقابة الحكومية والتشريعات المتعلقة بسلامة المنشآت.

الدكتور أحمد علي، خبير إدارة الكوارث، يشير إلى أن “الأخطاء البشرية والتقصير في صيانة الأجهزة ومعدات السلامة تشكل أكبر مخاطر على سلامة المواطنين، إضافة إلى نقص التدريب والتأهيل لدى فرق الطوارئ.”

كما تؤكد الناشطة فاطمة حسن أن “غياب التوعية المجتمعية وعدم التزام الجهات المختصة بخطط الطوارئ يجعل العراق عرضة لكوارث متكررة قد تكون أكثر مأساوية في المستقبل.”

دعوات للإصلاح والتطوير

يتفق المختصون على ضرورة:

  • تحديث القوانين والتعليمات الخاصة بالسلامة المهنية.
  • تحسين قدرات الدفاع المدني وتأهيل فرق الإطفاء.
  • تعزيز حملات التوعية والتدريب المنتظمة للعاملين في الأسواق والمستشفيات وقاعات المناسبات.
  • فرض رقابة صارمة على تطبيق الإجراءات الوقائية.
  • إنشاء بنية تحتية متطورة لمكافحة الحرائق والتعامل مع الطوارئ