وثائق مفقودة وأراض مستغلة وسكان مغيبين قسرا .. الملكية في غزة من حق محمي إلى متنازع عليه

عابر- فلسطين
إسراء الأعرج
أعادت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تشكيل واقع الملكية، متجاوزة مسألة فقدان الوثائق أو تدميرها لتطال جوهر العلاقة بين الإنسان وأرضه، بدءا من النزوح القسري، وتقييد الحركة، وإعادة رسم السيطرة على الأرض، وحتى العوامل التي فرضت واقعا تدار فيه الملكيات في غياب أصحابها، ما فتح المجال لاستغلال الأراضي والتصرف بها دون علم مالكيها أو قدرتهم على الاعتراض، في ظل بيئة قانونية وأمنية عاجزة عن توفير الحماية أو الإنصاف في الوقت الحاضر.
امتداد هذه الانتهاكات إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية يجعل الملف أكثر تعقيدا وتشابكا، ومع تصاعد الحديث عن إعادة الإعمار والاستثمارفي القطاع، تتداخل إشكاليات الإثبات مع التغيرات التي فرضتها الحرب على جغرافية الأرض، بما يهدد بإعادة تشكيل خريطة الملكيات بشكل قد لا يعكس حقوق أصحابها الأصليين .
تأجيرأملاك الغير
يروي “بلال سليمان” (اسم مستعار) لعابر، وهو أحد النازحين من بلدة خزاعة شرق خان يونس، تفاصيل معاناة يومية يعيشها مع عشرات العائلات التي وجدت نفسها مضطرة للإقامة على قطعة أرض في منطقة النصيرات منذ ثاني أيام الحرب، إذ تقيم نحو 35 خيمة على الأرض، جميع سكانها من عائلات نزحت من خزاعة.
“كنا أقارب وأهل، وجينا هون لأنه ما كان فيه مكان نروح له”، ويوضح أنهم في البداية اعتقدوا أن الأرض قد تكون عامة أو متاحة للإيواء، قبل أن يتبين لاحقا أن شخصا واحدا يتولى تحصيل مبالغ مالية منهم بدعوى أنه صاحب الأرض أو مخول عنها
“تفاجأنا إنه المبلغ 8500 شيكل بالشهر على دونم واحد”، يقول سليمان إذ أن السكان اضطروا لتقاسم المبلغ رغم ظروفهم القاسية. ومع مرور الوقت، لم يعد بإمكانهم الالتزام بالمبلغ ذاته، فباتوا يجمعون ما يقارب 150 شيكل من كل أسرة، ليصل المجموع إلى نحو 5000 شيكل، إلا أن ذلك لم يوقف الضغوط، “بحكيلي بسجل عليك كل شهر ألف شيكل زيادة” في إشارة إلى تهديدات مبطنة بتراكم ديون عليهم.
ويصف سليمان حالة من العجز الكامل في مواجهة هذا الواقع، خاصة مع غياب أي جهة يمكن اللجوء إليها. “رحنا نحكي مع الشرطة، وما كان في حل تركونا نواجه مصيرنا، وين نروح إذا طلعنا؟ عالشارع ؟”في شهور ما كان معي أدفع، وبضطر أروح أستدين من أقاربي… وأنا قبل الحرب ما كنت محتاج حدا”، فالمعاناة لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد إلى أوضاع إنسانية قاسية داخل المخيم، حيث تعيش حالات مرضية صعبة، بينها أشخاص من ذوي الإعاقة وأطفال يعانون من التوحد، إلى جانب نقص حاد في الموارد.

انتهاك الملكيات الخاصة
أما مالك عبدو (إسم مستعار) من إحدى مناطق وسط قطاع غزة، يروي قصة تعد أحد الأشخاص على قطعة أرض يملكها، مساحتها نحو دونم واحد، تحولت خلال غيابه وسفره خارج القطاع إلى مساحة مفتوحة للتصرف من قبل آخرين دون علمه أو موافقته.
يقول عبدو: “بنيت غرفة ومرافق بسيطة، مشان أحافظ على الأرض ما كانت مجهزة للسكن، بس كانت علامة إنه إلها صاحب”، لكن ما لم يكن يتوقعه، هو أن يقوم حارس أرض مجاورة بتأجيرها لعدة أشخاص، مدعيا أنه يتصرف نيابة عن المالك.
ورغم أن اسمه ورقم هاتفه كانا مثبتين على الجدران، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار التعدي، “واحد من الناس اللي سكنوا تواصل معي قبل سنة ونص، وكان الحارس طالب منهم يرفع الإيجارد هون عرفت شو بصير”، يقول عبدو.
وأوضح عبدو أنه وبشكل مباشر أخبر المستأجر أن السكان موجودون في العقار دون إذنه، وأن الحارس لا يملك أي صفة قانونية تمثله أو تخوله التصرّف بالملكية، مؤكدا أنه لم يطالب بأي إيجار، مراعاة للظروف الإنسانية القائمة، ولا يمنح أي طرف الحق في التصرف بالأرض أو فرض واقع جديد عليها.
تعكس حالة عبدو واحدة من الإشكاليات المتزايدة في سياق النزاعات، حيث تتعرض الملكية الخاصة لانتهاكات غير مباشرة، وبحسب ما يؤكده، فإن أي تصرف في الأرض هو باطل، لأنه صادر عن شخص لا يملك أي وكالة أو حق قانوني.
ورغم وضوح التعدي، يختار عبدو عدم التصعيد حاليا لوجوده خارج غزة مع عدم رغبته بوجود أي مشاكل في هذه الظروف،”بس هذا السكوت مش تنازل حقي بالأرض ثابت، ورح أرجعله لما تسمح الظروف”.
انتفاع غير مشروع
مدير قسم تقصي الحقائق في الهيئة المستقلة لحقوق الانسان بكر التركماني يقول لعابر، إن حقوق الملكية للأراضي والشقق في غزة تعد من أكثر الملفات تعقيدا وذلك لوجود مواطنين قاموا باستغلال تلك الأملاك بدافع الانتفاع غير المشروع خلال الحرب.
ويضيف أن الحرب الحالية تسببت بتعقيدات أكبر من الحروب السابقة بسبب وفاة الكثير من ملاك الأراضي، علاوة عن مسح عائلات من السجل المدني ما يجعل عمليات التدليس والتزوير في تزايد خلال إثبات ملكية الأراضي والولاية والوصاية خاصة في المناطق التي شهدت أضرار كبيرة خلال الحرب، ما يعكس الحاجة الملحة بضبط هذا الملف لضمان عدم ضياع حقوق المواطنين.
فقدان الوثائق وانهيار المنظومة
من جانبه حذر الدكتور صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) لعابر، من تداعيات تدمير مقار البلديات والمحاكم وسجلات الأراضي في غزة التي فقد نتيجة لها جزء من سجلات الطابو والخرائط العقارية وانهيار منظومة التوثيق الورقي والإلكتروني وفقدان عقود بيع وإرث محفوظة لدى المحامين والبلديات وتعطل “سلسلة الإثبات القانونية”التي تقوم عليها الملكية.
وقال أن الملكية تحول من حق مسجل إلى حق يحتاج إلى إثبات بالقرائن وخاصة مع ظهور نزاعات الإرث خلال وفاة أصحاب الأملاك دون وثائق قسمة أو غياب بعض الورثة بسبب النزوح أو الوفاة أو صعوبة حسم الأنصبة إضافة إلى نزاعات الحيازة خلال تنازع بين المالك القديم والمقيم الفعلي جراء تزايد التنازع بين الملكية الواقعية والورقية
وأضاف أن نمط بيع عقار واحد لأكثر من طرف بعقود عرفية واعتماد شهادات شفوية بدل التسجيل الرسمي يعد من أكثر عقود إثبات الملكية خطورة لعدم وجود توثيق فعلي لاثبات الملكية، بينما النمط الرابع ينحصر في استغلال النزوح أو الدمار.
وأشار عبد العاطي إلى أن البدائل القانونية لإثبات الملكية حاليا رغم فقدان الوثائق تكون بالشهادة من الجيران أو أصحاب الاختصاص أو الحيازة الفعلية السكن أو الزراعة أو الإدارة المستمرة للعقار وهي قرينة قوية في غياب الطابو أو العقود العرفية القديمة ويمكن استخدامها كدليل داعم.
ونوه أن إدارة النزاعات حاليا في ظل ضعف المؤسسات تستند على الشهود والقرائن يفصل في النزاع دون وجود سجل رسمي مكتمل أمام القضاء أو اللجوء إلى تسويات عرفية من خلال المخاتير والوجهاء أو اللجوء إلى اللجان المحلية الطارئة من خلال تثبيت “الوضع القائم” مؤقتا دون حسم نهائي للملكية.
وبين عبد العاطي في حالة الاستيلاء وفقدان الوثائق يتطلب إجراءات فورية خلال توثيق واقعة الاعتداءات وجمع الأدلة وتقديم شكوى رسمية ورفع دعوى “إثبات ملكية” أو “منع معارضة” موكدا أن الملكية لا تضيع بفقد الورق إذا ثبتت الحيازة وسلسلة القرائن.

تدارك تسهيل العقارات
أما مدير سلطة الأراضي “الطابو” بغزة موفق علوان لفت لعابر، إلى أن القانون لم يمنح سلطة الأراضي أي سلطة لمباشرتها في الدفاع عن أملاك المواطنين موكدا أن نظام الارشفة الالكتروني لايزال فعال ومحافظ عليه ما يمنح الملاك قدرة استخراج شهادات أملاك تؤكد ملكيتهم للأراضي في حال فقدانهم للأوراق الثبوتية الخاصة بهم.
وأشار علوان أن سلطة الأراضي تواجه معضلة في اثبات ملكية المواطنين للشقق السكنية لعدم تسجيلها لدى السلطة من قبل المواطنين على الرغم من منح الملاك ما قبل الحرب تسهيلات لتسجيلها بما يضمن حقهم وهذا ما يجعلنا اليوم أمام قضية حساسة سترمي بظلالها على إثبات ملكية المواطنين لحقوقهم الملكية على العقارات، ما يتطلب سن قوانين وتفعليها تتضمن تسجيل العقارات لتقليل من تداعيات هذه المعضلة ولضمان ملكية أصحابها في وقت تزايدت الاعتداءات ولا يوجد جهات رادعه لتلك التجاوزات.
ملكية الأراضي في خطر
ونوه مسؤول الدائرة القانونية ببلدية غزة رامي أبو جبل إلى أن حكومة غزة عملت على استحداث نظام لتسجيل الأراضي باسم ملاك الوحدات السكنية بحيث ينظموا عمليات تسجيل الوحدات بين الملاك داخل العقار ولكن على أرض الواقع لا يوجد نظام لتسجيل الوحدات ويتم إصدار إذن خدمات له من خلال عقد البيع وهو عقد فرعي ولا يوجد قانون ينظم العملية بشكل كامل.
وتابع أن البلدية حاليا بصدد تنظيم مشروع قانون لموضوع تنظيم الملكيات للوحدات السكنية وهو ليس اختصاص البلدية وحدها وإنما يحتاج لتظافر الجهود مع الجهات أخرى ذات اختصاص.
وأكد أن القطاع حاليا يعاني من ظاهرة وضع اليد عنوه على الأراضي ويوجد عدد من الشكاوي الموجهة للنيابة العامة والتي تعمل بشكل جزئي بناء على قوة مقدم الشكوى، كما قدمت البلدية حاليا شكاوى لدى الجهات المختصة موضحا عدم وجود خطوات فعلية لاسترجاع الأرض “لا نتملك القدرة على مباشرة مهامنا” هذا يجعل ملكية الأراضي حاليا في منعطف خطير وسيحمل معه الملف تعقيدات كبيرة سيكون القضاء الفصل بها.
