نزوح قسري ونصف مليون حياة مهددة.. لبنان في قلب الأزمة الإنسانية

عابر- لبنان

إسراء الأعرج

لما نحكي عن نزوح وعن حرب غالبا منحكي عن أرقام… بس ورا هالأرقام في حياة كاملة عم تتغير، وبالنسبة للنساء تحديداً هذا النزوح بترافق مع تحديات كبيرة وصعبة.”

بهذه الكلمات تصف الصحفية اللبنانية زينب إسماعيل واقع النزوح الذي تعيشه اليوم بعد أن اضطرت لمغادرة منزلها مثل آلاف النساء في لبنان، فبينما يتركز الحديث عادة حول أعداد القتلى والبيوت المدمرة والعائلات التي غادرت منازلها، تقول إسماعيل إن هذه الأرقام تخفي خلفها قصصا إنسانية ثقيلة، تتغير فيها حياة الناس بالكامل خلال لحظات، خصوصا النساء اللواتي يواجهن تحديات إضافية في ظل النزوح القسري.

وتوضح إسماعيل أن فقدان الاستقرار لا يعني فقط ترك المنزل، بل العيش في ظروف مؤقتة ومشاركة السكن مع آخرين، وأحيانا التخلي عن أبسط تفاصيل الحياة الخاصة، ومع ارتفاع كلفة خدمات الاتصالات والإنترنت في لبنان، تصبح القدرة على التواصل مع العائلة أو طلب المساعدة أو حتى التعبير عن الرأي أكثر صعوبة بالنسبة لكثير من النساء.

وتشير إلى أن الأزمات والنزوح غالبا ما ترافقهما مخاطر إضافية في الفضاء الرقمي، مثل التحرش الإلكتروني والابتزاز وخطاب الكراهية ونشر الصور من دون موافقة أصحابها، بما في ذلك صور الأطفال، في ظل صعوبة ملاحقة المسؤولين عن هذه الانتهاكات أو محاسبتهم.

شهدت لبنان أكبر موجة نزوح داخلي منذ سنوات مع استمرار التصعيد العسكري في البلاد منذ مطلع مارس/آذار 2026، حيث اضطر مئات الآلاف من السكان إلى ترك منازلهم والبحث عن مأوى في مناطق أكثر أمانا، في ظل أوضاع إنسانية صعبة تتفاقم مع كل يوم مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وما نتج عنها من استهدافات متكررة للضاحية الجنوبية في لبنان.

هذا النزوح لم يكن مجرد حركة سكانية عابرة، بل انعكاسا مباشرا لتدهور الأوضاع الإنسانية، خصوصا في ظل نقص الخدمات الأساسية، وتداعيات الحرب على المدنيين.

عيش يومي بلا استقرار

في منطقة جبيل، حيث تصل أعداد كبيرة من النازحين منذ بدء الأزمة الحالية، ترصد الصحفية إيمان برق لعابر الواقع اليومي لهؤلاء السكان، إذ أن العديد من الأسر مجبرة على مشاركة بيوتها مع أشخاص يعرفونهم أو ربما لا يعرفونهم، كما يعيش آخرون في منازل مستأجرة أو شاليهات وفنادق إذا توفرت لديهم القدرة المالية، أو في مدارس وجامعات ومساجد وخيم على الطرقات.

وتشير إلى أن الأزمة الإنسانية أثارت ضغطا هائلا على جميع الخدمات، ومع نقص واضح في المواد الغذائية والدوائية، أصبح الاعتماد على المساعدات الفردية أو المبادرات المحلية ضرورة يومية لسد الاحتياجات الأساسية، رغم أن هذه الجهود غالبًا غير كافية لمواجهة حجم النزوح الكبير.

وتؤكد برق أن النزوح القسري هو تجربة قهرية وصعبة، تختلف تبعًا لمكان إقامة النازحين وظروفهم، لكنها تضع جميعهم أمام فقدان الأمان والاستقرار، وضغط نفسي مستمر، خصوصا على النساء والأطفال، موضحة أن بعض النازحين يرفضون التصوير أو الظهور أمام الكاميرات، في حين يضطر آخرون للابتعاد عن المجتمع أو الاستسلام للشعور بالضعف، ما يعكس الأبعاد الإنسانية المعقدة للنزوح القسري وتأثيره العميق على حياة المدنيين الذين يحاولون الصمود وسط نقص الموارد والخدمات الأساسية.

ترحال قسري..ورفض تصوير

على أرض الواقع، رفض بعض النازحين الظهور أمام الكاميرات، معبرين عن رغبتهم في تجنب تسجيل لحظات ضعفهم أمام الآخرين، أو خوفا من استخدام صورهم خارج سياقها الحقيقي.

وفي مشهد آخر تداوله عدد من الناشطين، ظهر راعٍ يحمل قطيعه ويغادر قريته، وسط ترحال قسري نحو المجهول، ليلقي الضوء على أن النزوح لا يطال فقط المنازل، بل يشمل حياة كاملة وحتى مصاعبها اليومية.

حجم النزوح والضحايا

أظهرت بيانات رسمية وأممية أن النزوح في لبنان وصل إلى مستويات غير مسبوقة، فوفقا لتقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبيانات وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية نحو 700,000 شخص نزحوا داخل لبنان منذ بداية التصعيد، منهم ما يقرب من 200,000 طفل، 517 ألف نازح تم تسجيلهم عبر المنصة الرسمية، بينهم 117,228  داخل 538 مركزا معتمدا للإيواء.

بالإضافة إلى أنه وبحسب آخر إحصائيات وزارة الصحة العامة فتم تسجيل أكثر من 486  قتيل وأكثر من 1,313 جريح، من بينهم 83  طفل و42 امرأة.

وفي يوم واحد فقط، سجلت تقارير ارتفاعا بنحو 100,000 نازح إضافي، ما يعكس سرعة تفاقم الأزمة، هذه الأرقام تعكس جانبا من حجم الأزمة، لكنها لا تعبر وحدها عن الواقع المعيشي اليومي للنازحين ولا عن التحديات التي تواجههم على الأرض.

احتياطات بوتيرة سريعة

قبل موجة النزوح الرسمية، بدأ العديد من السكان يشعرون بقلق متزايد مع تصاعد الأخبار حول احتمالات توسع القتال في تلك الفترة الانتقالية، لجأ البعض إلى استئجار شقق في مناطق “أكثر أمانا”، أو كانوا يتنقلون بين منازلهم في أوقات الشعور بالخوف.

ولكن مع بدء إطلاق الصواريخ باتجاه الأراضي اللبنانية الجنوبية، تحول هذا القلق إلى نزوح فعلي واسع النطاق، دفع عائلات بكاملها إلى مغادرة البيوت سريعا، متجهين نحو مناطق الوسط والشمال اللبناني بعيدا عن الاستهدافات الإسرائيلية.

تنوع الخيارات ونقص الموارد

توزعت أماكن إقامة النازحين بين عدة خيارات منها مساكن لدى معارف أو غرباء إذ أن  بعض العائلات استقبلتها منازل معارف أو أقارب، وأحيانا حتى مع عائلات لم يعرفوهم من قبل، كما لجأ عدد محدود من النازحين لشقق وفنادق.

أما الغالبية فقد لجأت لمراكز إيواء رسميةوالتي تشكل  نحو 538  مركز افتتحت لاستقبال النازحين، منها مدارس وجامعات ومساجد وحسينيات تمت تهيئتها مؤقتا، بالإضافة لملاجئ غير رسميةف العديد من العائلات لجأت إلى التخييم على الطرقات، أو حتى الشارع العام، نتيجة امتلاء المراكز الرسمية أو عدم القدرة على الوصول إليها.

لكن رغم تنوع الحلول، تؤكد الجهات المحلية أن القدرة الاستيعابية للمراكز غير كافية لتلبية احتياجات الجميع، وأن الكثير من الأسر لا تزال تعيش في ظروف صعبة ومزدحمة تفتقر حتى للخصوصية.

أزمة نزوح غير مسبوقة!

بدوره أكد رئيس الصليب الأحمر اللبناني أن البلاد تواجه أزمة نزوح غير مسبوقة تؤثر على نحو نصف مليون شخص، و أن الموارد المتاحة للجمعية غير كافية لمواجهة حجم التدفقات السريعة للنازحين من الجنوب وضاحية بيروت، مع نقص بالغ في الغذاء والإمدادات الطبية والمأوى.

وأضاف أن ثلاثة مستشفيات في بيروت خرجت عن الخدمة، ما يزيد من صعوبة إسعاف الجرحى وتقديم الرعاية الصحية العاجلة، في ظل هذه الظروف، تواجه فرق الإغاثة ضغطًا هائلًا لضمان استمرار تقديم الخدمات الأساسية للنازحين، مما يعكس حجم التحديات الإنسانية التي يفرضها النزوح القسري على المدنيين والمرافق العامة على حد سواء.

الجهود الرسمية

من جانبها وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية في بيان رسمي، إنها تعمل على توثيق أعداد النازحين عبر المنصة الإلكترونية، بهدف تنظيم الدعم وتوزيعه بشكل أكثر فعالية. وأشارت إلى أن الوزارة بالتعاون مع الجهات المعنية تعمل على توسيع عدد مراكز الإيواء في مختلف المناطق، وتجهيز مرافق جديدة لاستيعاب المتزايد من الأسر.

كما أكدت الوزارة التنسيق مع المؤسسات الدولية لتوفير الموارد الأساسية، وعملت على تجهيز بعض المراكز في مرافق عامة مثل المدينة الرياضية في بيروت لتكون مراكز إيواء إضافية.

مع ذلك، أقرت الوزارة أن الاحتياجات تفوق الإمكانات الحالية، وأن العمل يتطلب دعمًا من المجتمع الدولي والجهات الإنسانية لضمان الاستجابة المناسبة.

تحذيرات بشأن الأطفال

في بيان رسمي، شددت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) على أن الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة في هذه الأزمة، محذرة من الآثار النفسية والاجتماعية لنزوح طويل الأمد، فمنذ 2 مارس 2026، ومع تصاعد الأعمال القتالية في لبنان، قتل 83 طفلًا وأصيب 254 آخرون خلال الأسبوع الماضي، بينما أُجبر مئات الآلاف من العائلات، منهم عدد كبير من الأطفال على النزوح والبحث عن أمان وسط تداعيات الحرب القاسية.”

وقالت المنظمة إن عدد الأطفال المتضررين كبير جدا، وأن انقطاعهم عن المدارس، وغياب الأمن النفسي والمعيشي، يجعلهم في مواجهة مخاطر متعددة تشمل الصحة والتعليم والحماية من العنف.

وأكدت اليونيسيف ضرورة استدامة الخدمات الأساسية للأطفال النازحين، بما في ذلك الدعم النفسي والاجتماعي والتعليم، لضمان عدم تراجعهم عن مسار حياتهم الطبيعي.