من نزاع محلي في خبات إلى أزمة حريات.. توتر أمني ونزوح قسري وتضييق على صحفيي أربيل

عابر – العراق

شهد قضاء خبات في محافظة أربيل خلال الأيام الماضية واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الإقليم منذ سنوات، بعد انفجار توترات اجتماعية وأمنية بدأت على خلفية خلافات قد تبدو في ظاهرها محلية مرتبطة بفرص العمل في منشآت الطاقة والنزاعات على الأراضي الزراعية لكنها سرعان ما تحولت إلى اشتباكات دامية كشفت عن جذور أعمق تتعلق بالثقة بين السكان والحكومة، ومكانة العشائر في المشهد السياسي، وميل السلطة في الإقليم إلى التعامل الأمني السريع بدل المعالجة السياسية والاجتماعية للأزمات.

فوفق مصادر محلية وشهادات من أبناء المنطقة، بدأ التوتر عندما تصاعدت الخلافات بين مجموعات من الأهالي والقوات الأمنية على خلفية مطالب تتعلق بفرص العمل، إضافة إلى نزاعات متراكمة على الأراضي الزراعية ومع غياب حلول واضحة، خرجت الأمور عن السيطرة خلال ساعات، وتحولت إلى مواجهات عنيفة سقط خلالها قتلى وجرحى، ما دفع عشرات العائلات -خصوصاً من عشيرة الهركي- إلى ترك قراهم والنزوح نحو مناطق أكثر أمناً.

غضب عشائري بعد وعود انتخابية غير معلنة

جذور الأزمة وفق شهادات متعددة من أبناء عشيرة الهركي، أعمق مما ظهر في المشهد الأمني فالعشيرة التي تتمتع بثقل سكاني في مناطق غرب أربيل وتقول إنها قدّمت دعماً انتخابياً واسعاً للحزب الديمقراطي الكردستاني في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بعد تفاهمات غير معلنة تحدّث عنها أبناء العشيرة، وتقضي بمنحهم ثلاثة مقاعد نيابية مقابل الأصوات.

غير أن هذه الوعود بحسب روايات متداولة داخل الأوساط العشائرية لم تتحقق، ما خلق شعوراً بالخذلان والغضب، وفتح الباب أمام احتجاجات واسعة امتدت من الاعتراض السياسي إلى مشاهد الاحتجاج العنيف. وقد بلغ الغضب ذروته عند إحراق مقر للحزب الديمقراطي في خبات.

هذه الخلفية السياسية، التي حاول بعض القادة المحليين تجنب الحديث عنها علناً، تُعد جزءاً مهماً في تفسير سبب تحول أي خلاف صغير في المنطقة إلى انفجار واسع، إذ تشعر العشيرة أن وزنها السياسي يتم استثماره انتخابياً دون ترجمة حقيقية في السلطة، بينما ترى الحكومة أن المطالب تجاوزت الإطار السياسي إلى تحدي مباشر لسلطة الدولة.

انفجار الأزمة

مشاهد النزوح أثارت موجة واسعة من القلق، حيث شبّه أحمد هركي، أحد أبناء العشيرة، ما جرى بذكريات “الأنفال”، موضحاً لـ عابر، أن “خروج الأهالي وبقائهم في العراء لساعات أو ليوم كامل هو مشهد لا يتطابق مع معايير حقوق الإنسان، فكان منظراً مؤلماً بكل معنى الكلمة”.

وأكد في الوقت نفسه أن الموقف داخل خبات ما يزال “معلقاً”، وأن اعترافات ظهرت خلال التحقيقات “تحمل علامات استفهام قد تغيّر مسار الأحداث”، مع تدخل أطراف من خارج الإقليم، مؤكداً أنه ينتظر بياناً من حزبه قبل الإدلاء بمواقف تفصيلية.

وأضاف هركي أن غياب منظمات حقوق الإنسان عن موقع الأحداث يعكس مشكلة بنيوية، معتبراً أن “الحقوق ليست تقارير تُكتب، بل سلوك وممارسة، لكننا في الإقليم دخلنا في ثقافة الحزب الواحد وعسكرة المجتمع، وهذا ما يجعل العنف جزءاً من الواقع اليومي”.

حرية الصحافة… الحلقة الأضعف وسط الاضطرابات

لم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود النزاع الأمني والسياسي، بل امتدت إلى مجال حرية الصحافة، فيقول الناشط الإعلامي محمود ياسين كردي لـ عابر إن “كل أزمة تحدث في الإقليم تبدأ باستهداف الصحفيين”، موضحاً أن الأجهزة الأمنية “لا تحترم العمل الصحفي رغم أن قانون 2007 يمنع الاعتداء على الإعلاميين”.

كردي يشير إلى أن نسب الاعتداءات على الصحفيين شهدت ارتفاعاً كبيراً، مؤكداً أن “هذه الاعتداءات لا يمكن أن تحدث لولا سماح الجهات المسؤولة بها”، مع انتقاده غياب هيئة مستقلة للإعلام في الإقليم، بعكس بغداد التي تمتلك هيئة الإعلام والاتصالات، فيما تتولى وزارة الثقافة حالياً إدارة ملفات الإعلام رغم كونها جزءاً من السلطة.

هذا الواقع يجعل تغطية أي حدث أمني محفوفاً بالمخاطر ويدفع الكثير من الصحفيين إلى تجنّب تغطية الملفات الحساسة خوفاً من الاعتقال أو المصادرة أو المنع.

الصمت الإعلامي تجاه أحداث إقليم كردستان

رغم اشتداد الأزمة في خبات واستهداف الصحفيين، ظل صدى الأحداث في وسائل الإعلام العراقية والعربية أضعف بكثير مقارنة بمناطق أخرى من العراق. ويرى مراقبون أن الصمت يعود أساساً إلى ارتباط بعض المؤسسات الإعلامية بأحزاب أو جهات سياسية داخل الإقليم، ما يجعلها تتجنب التغطية المباشرة خوفاً من اتهامها بالانحياز أو تأجيج النزاع.


كما يشير الخبراء إلى أن غياب بنية إعلامية مستقلة وقوية في الإقليم يحد من قدرة الصحفيين على نقل الأخبار بحرية، في ظل حظر بعض التغطيات ومصادرة معدات صحفية خلال الأحداث. ويؤكد المرصد العراقي للحريات الصحفية أن التغطية غالباً ما تتأثر بالانتماءات السياسية للقنوات والصحف، ما يفسر ضعف متابعة ما يحدث في كردستان مقارنة بمناطق وسط وجنوب العراق.

ستة انتهاكات بحق الصحفيات منذ بداية العام

وفي سياق متصل، أعلنت منظمة المراسلين للحقوق والتنمية في إقليم كردستان خلال الأيام الماضية تسجيل ستة انتهاكات بحق الصحفيات منذ مطلع العام الجاري.

وقال مسؤول المنظمة هوزان قادرفي تصريح إن خمساً من هذه الحالات تضمنت تعرض مراسلات للاختناق نتيجة استخدام الغاز المسيل للدموع خلال التغطيات الميدانية، محذراً من أن هذه الاعتداءات تمثل خطراً واضحاً على حرية التعبير وبيئة العمل الإعلامي.

وبحسب قادر، فإن بعض الصحفيات جرى إنهاء مهامهن بقرارات فردية من مديري المؤسسات الإعلامية، رغم أن أكثر من 1500 امرأة يعملن في قطاع الصحافة في الإقليم ويواجهن تحديات ميدانية يومية تتطلب حماية أكبر وضمان بيئة آمنة.

الاعتداءات تتصاعد كلما كانت القضايا حساسة

من جهته، قال الناشط في حقوق الإنسان هلشو عبد الفتاح إن الاعتداءات على الصحفيين “تتكرر في العراق عموماً، وفي أربيل والسليمانية خصوصاً”، مشيراً إلى أن الهجمات ترتفع كلما كانت القضايا حساسة أو تتعلق بملفات سياسية أو اقتصادية مهمة.

ويرى عبد الفتاح أن السبب الرئيس وراء استمرار هذه الانتهاكات هو غياب تطبيق القانون وتقاسم مؤسسات الدولة بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم، حيث تمتلك كل جهة قوات أمنية تابعة لها، ما يجعل الصحفيين عرضة للاستهداف خلال تغطية أي حدث يخص تلك المؤسسات.

ويؤكد عبد الفتاح أن اتحاد نقابة الصحفيين في الإقليم بصدد إصدار الإحصائية السنوية لانتهاكات 2025 قريباً، والتي يتوقع أن تظهر حجم التدهور في بيئة العمل الصحفي.

لم يكن هجوماً سياسياً

وفيما يتعلق بالأحداث نفسها، قال غياث السورجي، القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، إن التظاهرات والاعتصامات والهجوم على المقرات الحزبية في خبات ولاجان لم تكن “هجوماً سياسياً”، بل جاءت بسبب مطالب عشيرة الهركي بالتعيين في الشركة النفطية الواقعة ضمن حدود مناطقهم.

وأوضح السورجي أن المواجهات أدت إلى مقتل شخصين أو ثلاثة إضافة إلى عدد من الجرحى، وأن بعض وسائل الإعلام تعرّضت لتعديات خلال التغطية رغم محاولاتها نقل الأحداث منذ اليوم الأول.

وأضاف أن المنطقة تقع ضمن نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني، وأن محاولات اتهام الاتحاد الوطني أو الحشد الشعبي “بلا أساس”، مؤكداً أن الأزمة “اجتماعية اقتصادية” بالدرجة الأولى وليست سياسية.

اتهامات بالعنف والتخريب

الاشتباكات التي بدأت كمطالب حقوقية واجتماعية تطورت لاحقاً إلى أعمال عنف واسعة، فذكرت مصادر أمنية في الإقليم أن عدداً من الأشخاص اعتُقلوا بعد اتهامهم بإثارة الشغب وتنفيذ أعمال تخريب في قرية لاجان وقضاء خبات، وقيامهم بحرق الإطارات وقطع الطرق، وبث مقاطع مباشرة على مواقع التواصل لدعوة مناصريهم إلى المشاركة في التصعيد.

وبحسب المعلومات التي نشرتها وسائل إعلام كردية، فإن بعض المعتقلين كانوا يحملون أسلحة فردية واستخدموا العيارات النارية بين المدنيين؛ في محاولة لصناعة رواية مضللة مفادها أن الضحايا سقطوا برصاص القوات الأمنية، كما قاموا بمهاجمة منشآت مدنية بينها صيدلية ومحطة وقود، وتحطيم كاميرات مراقبة لإخفاء هويات المشاركين.

وتكشف الصور والمقاطع التي تداولتها وسائل إعلام محلية عن هجوم منظم على عدد من الدوائر الحكومية، شمل تفجير عبوات قرب الحراس واقتحام المباني ونهب محتوياتها قبل حرقها، وكان أبرز هذه الاعتداءات حرق دائرة السجل المدني في خبات، ما أدى إلى ضياع سجلات رسمية لمواطنين وتسبب بأضرار كبيرة في الممتلكات العامة.

واعترف أحد المعتقلين، وفق ما نشرته وسائل إعلام قريبة من الحكومة، بتنفيذ هذه الأعمال ضمن “خطة منظمة” تستهدف زعزعة الاستقرار.

أزمة لم تُغلق… وتوتر قابل للعودة

ورغم إعلان السلطات السيطرة على الوضع وبدء الإجراءات القانونية بحق المتورطين، إلا أن التوتر ما يزال قائماً فالأسباب السياسية والاجتماعية التي فجّرت الأزمة من قضية الوعود الانتخابية إلى غياب الثقة بين السكان والسلطات لم تُعالَج بعد بشكل جذري، كما أن بقاء ملف العشائر مفتوحاً يزيد احتمالات تجدّد الاحتجاجات مع أي شرارة جديدة.

أما مشاهد النزوح، وأعمال العنف، والاعتداءات على الصحفيين، فتعكس جميعها أزمة مركّبة تضرب عمق العلاقة بين المواطن والسلطة في الإقليم، وتكشف هشاشة التوازنات السياسية والاجتماعية التي تعتمد عليها أربيل منذ سنوات.