من “غسل العار” إلى جرائم الدسيم الطفولة تغتال بأوجه متعددة في العراق

عابر – العراق
ما تزال أخبار قتل الطفلات واغتصابهن تتوالى في العراق، إذ لم يكد المجتمع يلتقط أنفاسه بعد حادثة مقتل الطفلة كوثر الحسيجاوي، التي قتلت وسط أهازيج الفرح ضمن مراسم لـ”غسل العار” من قبل أسرتها، حتى اشتعلت البلاد من جديد على وقع جريمة اغتصاب وتعذيب لطفلتين انتهت بمقتل طفلة لا يتجاوز عمرها أربع سنوات فقط.
وقعت الجريمة في منطقة الدسيم شرقي العاصمة بغداد، حيث أفادت مصادر أمنية أن ثلاثة متهمين أقدموا على اختطاف طفلة تبلغ من العمر أربع سنوات، برفقة فتاة قاصر تبلغ 15 عاما، في حادثة وصفت بأنها من أبشع ما شهدته المنطقة مؤخرا.
وبحسب المعلومات الأولية، فإن المتهمين بحسب اعتراف واحد منهم استدرجوا الفتاتين في الطريق قبل أن يقوموا بالاعتداء عليهما بطريقة وحشية وبالتناوب، وسط ظروف صادمة انتهت بتعرض الطفلة الصغيرة لاعتداء شديد أودى بحياتها لاحقا، فيما تمكنت الفتاة الأكبر سنا من الفرار بعد تعرضها للضرب ومحاولة اعتداء.
وتشير المصادر إلى أن الجناة أقدموا بعد ذلك على إلقاء الطفلة في المياه الراكدة داخل المنطقة في محاولة لإخفاء معالم الجريمة، حيث عثر عليها بحالة حرجة قبل أن تنقل إلى المستشفى، لكنها فارقت الحياة متأثرة بالإصابات البالغة التي تعرضت لها.
وترجح التحقيقات الأولية أن المتهمين كانوا تحت تأثير المواد المخدرة أثناء ارتكاب الجريمة، فيما تستمر الجهات المختصة باستكمال التحقيقات والفحوصات الطبية والمخبرية لكشف جميع ملابسات القضية التي أثارت صدمة وغضبا واسعا في الشارع.
ووفقا لتقارير أممية حول الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال في مناطق النزاع، فقد تم توثيق أكثر من 9000 حالة قتل أو تشويه للأطفال في العراق منذ عام 2008، إلى جانب تسجيل حالات منفصلة من الانتهاكات شملت الاختطاف والعنف الجنسي والتجنيد القسري، ضمن سياقات العنف وعدم الاستقرار.
القانون والطفولة في العراق
بحسب الدكتور الحقوقي احمد فارس ادريس، فان موقف قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل من العنف ضد الاطفال يقوم على مبدأ تجريم كافة اشكال الايذاء الجسدي والجنسي الواقع على الاشخاص، بما فيهم القاصرين، ضمن الاطار العام لجرائم الاعتداء على النفس والكرامة الجسدية.
ويشير الى ان القانون العراقي يتعامل مع كون الضحية طفلا كظرف مشدد للعقوبة في العديد من الجرائم، خصوصا تلك المتعلقة بالاعتداء الجسدي أو الجنسي، ما يرفع من مستوى المسؤولية الجزائية على الجاني.
كما يلفت الى ان قانون رعاية الاحداث رقم (76) لسنة 1983 يشكل إطارا إضافيا لحماية الفئات العمرية غير البالغة من الاهمال وسوء المعاملة، من خلال تنظيم التدابير الخاصة برعاية الاحداث وضمان حمايتهم ضمن النظام القانوني.
ويؤكد ادريس أن الاشكالية لا تكمن فقط في النصوص القانونية، بل في مستوى تطبيقها الفعلي، وفاعلية اجراءات الحماية والردع في مواجهة الجرائم التي تستهدف الاطفال.
كما أن العراق صادق على اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، التي تلزم الدول الأطراف بحماية الطفل من جميع أشكال العنف والإساءة والاستغلال، واتخاذ التدابير التشريعية والإدارية اللازمة لضمان الوقاية، والتحقيق، والمحاسبة، وتوفير الحماية للضحايا.
ورغم هذا الإطار القانوني، تشير تقارير دولية وحقوقية إلى استمرار تحديات تتعلق بتطبيق القوانين وآليات الحماية الفعلية، خصوصاً في ما يتعلق بالإبلاغ عن الانتهاكات وسرعة الاستجابة لها وضمان حماية الأطفال داخل البيئة الأسرية والمجتمعية.
أزمة متصاعدة في حماية الطفولة
وفي تعليقها على الحادثة، قالت الناشطة في مجال حقوق الإنسان تبارك مجيد إن ما يشهده العراق من جرائم متكررة بحق الأطفال يعكس أزمة عميقة في منظومة الحماية القانونية والاجتماعية، مشيرة إلى أن هذه الانتهاكات لم تعد حالات معزولة بل باتت تتكرر بوتيرة مقلقة.
وأضافت أن غياب التشريعات الفعالة لحماية الطفل، إلى جانب تعثر إقرار قوانين العنف الأسري، ساهم في ترك الأطفال في مواجهة مباشرة مع العنف دون ردع حقيقي، معتبرة أن ضعف الاستجابة المؤسسية يفاقم من حجم الكارثة.
كما شددت على أن بعض هذه الجرائم تكشف هشاشة التدخل المبكر داخل البيئات الاجتماعية، ما يجعل الطفل الحلقة الأضعف في أي خلل أسري أو اجتماعي، داعية إلى اعتبار ملف حماية الطفولة أولوية تشريعية وإنسانية عاجلة.
غضب الشارع العراقي
على منصات التواصل الاجتماعي وفي الشارع العراقي عبر ناشطون ومواطنون عن صدمتهم من تكرار جرائم العنف ضد الأطفال خلال فترة قصيرة، معتبرين أن ما يجري تجاوز حدود “الحوادث الفردية”ليشكل نمطا خطيرا من الانتهاكات، التي من الممكن أن تستمر بحق الطفولة.
وطالب كثيرون بإنزال أقصى العقوبات بحق المتورطين وعدم السماح بتأخير مسار العدالة أو تحويل القضية إلى أي تسويات اجتماعية أو عشائرية، مشددين على ضرورة التعامل مع هذه الجرائم بوصفها قضايا رأي عام لا تحتمل التأجيل أو المساومة.
كما دعا ناشطون إلى توفير حماية فورية للطفلة الناجية، ونقلها إلى رعاية رسمية تضمن سلامتها الجسدية والنفسية، وسط تحذيرات من تعرضها لمخاطر اجتماعية لاحقة.
تشديد القوانين وحماية الأطفال
وفي ظل تكرار جرائم العنف ضد الأطفال، تتصاعد الدعوات الحقوقية إلى مراجعة شاملة للتشريعات العراقية، بما يضمن توفير حماية حقيقية وفعالة للقاصرين من أي شكل من أشكال الاعتداء، بغض النظر عن صلة الجاني بالضحية وقرابته التي لم تعد توفر بيئة آمنة.
ويؤكد ناشطون أن الأولوية يجب أن تكون لتجريم كافة أشكال العنف والاستغلال بحق الأطفال، وتغليظ العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم، مع ضمان عدم الإفلات من العقاب تحت أي ظرف أو مبرر اجتماعي أو عائلي، حتى داخل الأسرة نفسها.
