معاشات منهوبة باسم القانون: أطفال ذوو الإعاقة ضحايا الولاية في مصر

آية ياسر
صُدمت رضوى الشحات (32 عاماً) بتطليق زوجها لها عام 2011، بعد أسبوع من ولادة طفلهما الوحيد (ع. ط)، الذي وُلد بمتلازمة داون. ورغم تأكيد التحاليل الطبية بالمركز القومي للبحوث خلوهما من الأمراض الوراثية، لم يتحمل الأب مواجهة المجتمع بإعاقة طفله، فهجرهما معاً.
منذ ذلك الوقت، كرّست رضوى حياتها لرعاية ابنها، وانتقلت إلى الإسكندرية ليلتحق بمدرسة تربية فكرية حديثة، واعتمدت على معاش المطلقات، وأعطت دروساً خصوصية للأطفال خلال وجود ابنها بالمدرسة، ولاحقاً استخرجت بطاقة الخدمات المتكاملة لذوي الإعاقة، وحصلت على معاش تكافل وكرامة، الذي كان من المفترض أن يصل إلى 850 جنيهاً شهرياً في نيسان/أبريل 2025.

استعلام أمني من إدارة المرور في حلوان، يفيد بحصول طه عبد الحكم والد الطفل (ع. ط) على سيارة المعاقين
لكن الصدمة الكبرى جاءت في 15 نيسان/أبريل 2025، عندما اكتشفت توقف معاش كرامة الخاص بطفلها، تزامناً مع توقف معاشها الشخصي، عقب صدور قانون الضمان الاجتماعي رقم 12 لسنة 2025. وبالاستعلام تبين أن الأب -الذي هجر ابنه منذ 14 عاماً- استغل وصايته القانونية وحصل على سيارة “المعاقين” الخاصة بالابن؛ ما أدى تلقائياً لإلغاء أحقيته في المعاش.
تقول رضوى: “عرفت من الشؤون الاجتماعية أن الحصول على السيارة يُلغي معاش كرامة للطفل ومعاش تكافل للأم. وفي المرور أخبروني أن أوراق الأب سليمة، ولا يُشترط حضور الطفل المعاق ما دام له وصي قانوني، لكن يلزم حضوره إذا كان قد وصل إلى سن 21 عاماً”.

بطاقة الخدمات المتكاملة الخاصة بالطفل (ع. ط)
تتهم الأم والد طفلها باستغلال السيارة للعمل في شركات النقل التشاركي، في حين لا يستفيد الطفل منها. وتظل الوصاية المالية للأب، مع أنه لا يدفع نفقة ابنه البالغة 1500 جنيه شهرياً إلا بالقوة الجبرية كل ستة أشهر، ما سلب الطفل كل حقوقه.

نص حكم المحكمة بالحضانة لصالح الأم رضوى الشحات أحمد
الإطار القانوني والمأزق
بموجب القانون رقم 119 لسنة 1952، يُعد الأب الولي والوصي الطبيعي على أموال الأبناء حتى بلوغهم سن الرشد، وله حق إدارة أموالهم والتصرف فيها، مع مراعاة الأحكام المقررة في هذا القانون. وهنا تكمن المشكلة، فرغم حصول رضوى على حكم قضائي بالحضانة في القضية 141 لسنة 2023، وقرار بالولاية التعليمية من إدارة العجمي التعليمية بالإسكندرية، يظل الأب هو الوصي المالي قانوناً.

قرار الولاية التعليمية من إدارة العجمي التعليمية بالإسكندرية
في 16 نيسان/أبريل 2025، حررت رضوى محضراً إدارياً رقم 2605 لسنة 2025 بقسم شرطة المعصرة ضد طليقها، لكنه حُفظ، كما قدمت في اليوم نفسه شكوى رسمية لوزارة التضامن الاجتماعي عبر منظومة الشكاوى الموحدة، تحمل الرقم 9739924، وتلقت رداً بعد خمسة أيام يفيد بإحالة الشكوى لجهة الاختصاص، من دون نتائج فعلية.
توجهت إلى مقر الوزارة في 21 نيسان/أبريل لمحاولة وقف بطاقة الخدمات المتكاملة، لكنّ الموظفين رفضوا بحجة أنها ليست الوصية القانونية، كما قصدت النيابة الحسبية -الهيئة القضائية المسؤولة عن شؤون القُصّر- لكنهم طلبوا منها إثبات دفعها لقيمة السيارة، وهو ما لم يحدث أصلاً.

شكوى رسمية مقدمة من رضوى الشحات، موجهة لوزارة
التضامن الاجتماعي عبر منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة
ظاهرة متكررة
كشفت رضوى أن أمهات أخريات، يواجهن المشكلة ذاتها، قد تواصلن معها؛ أزواج باعوا “جوابات” سيارات المعاقين الخاصة بأطفالهم دون علمهن، ما حرم الأطفال من معاشاتهم. لكن معظمهن رفضن تقديم شكاوى خوفاً من المشكلات الزوجية، حتى إن موظفة بالمرور أكدت لها تكرار هذه الشكاوى.
وبعد ستة أشهر من المتابعة، لا تزال المشكلة قائمة، والأسوأ أن رضوى اكتشفت وجود ثلاث بطاقات خدمات متكاملة باسم ابنها، جميعها سارية، الأولى حتى نهاية 2025، والثانية حتى 2027، استخرجها الأب من دون كشف طبي جديد، واستخدم إحداها للحصول على السيارة، في حين لم يتمكن من استلام الأخريات لعدم امتلاكه الأوراق الثبوتية.
قدمت رضوى شكوى جديدة للإدارة، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تقدمت ببلاغ على الخط الساخن 16000 (نجدة الطفل) برقم 113727، في محاولة أخيرة لاستعادة حقوق ابنها.
لم تكن رضوى الشحات وحدها في هذا المأزق، سبقتها زهرة حسين وطفلها (خ. أ)، سبع سنوات، المصاب باضطراب طيف التوحد. حصلت زهرة على حكم طلاق للضرر بعد ثلاث سنوات من النزاعات القضائية بسبب العنف الزوجي، وقضت لها المحكمة بنفقة ألف و600 جنيه وأجر حضانة 50 جنيهاً فقط؛ مبلغ لا يكفي احتياجات طفل من ذوي الإعاقة يحتاج إلى حفاضات وجلسات تأهيل.
ورغم أن طليقها يعمل موظفاً في بنك، ويتقاضى راتباً “كبيراً” ولديه أملاك، على حد قولها، فإنه استغل ولايته القانونية للحصول على سيارة المعاقين باسم (خ. أ)؛ ما أدى لإلغاء معاش كرامة تلقائياً.

بطاقة الخدمات المتكاملة الخاصة بالطفل (خ. أ) فهمي
وتبيّن أن السيارة تم ترخيصها من إدارة مرور القليوبية، مشيرة إلى أنها تمتلك بيانات سيارة ابنها ورقمها، بل ولديها صورة من مخالفة مرورية مسجلة باسم السيارة في الإسكندرية، رغم أن الطفل لم يغادر محافظة القليوبية في ذلك الوقت، معتبرة ذلك دليلاً على استخدام الأب للسيارة دون وجه حق.
وتشرح زهرة كيف أن الأب قد استولى تماماً على حقوق ابنها بالقول: “العربية بتاعة ابني مبستفدش بيها، كارت الخدمات المتكاملة مع والده وهو اللي مستفيد بيه بشكل كامل، الموضوع مؤذي (مؤذٍ) معنوياً وكمان من الناحية المادية لأنه بيستغله في مصالح شخصية”.

البيانات الأساسية للرخصة الحالية للسيارة المملوكة للطفل (خ، أ)
محاولات دون جدوى
توجهت زهرة للشؤون الاجتماعية والمرور، لكن الرد كان مماثلاً، الأب هو الوصي القانوني والأوراق سليمة، ونُصحت باستخراج بدل فاقد للبطاقة، لكن ذلك لن يعيد المعاش.
بعد تحرير بلاغ بفقدان البطاقة، حصلت على بدل فاقد في 23 تموز/يوليو 2025، لكن الأب احتفظ بالبطاقة الأصلية ويستخدمها بشكل غير قانوني. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قدمت بلاغاً للخط الساخن 16000 برقم 114205 بشأن استيلاء الأب على حقوق ابنها.

صورة مخالفة مرورية صادرة للسيارة المملوكة للطفل (خ. أ) فهمي
في ظل هذا الإطار القانوني، تحولت بطاقة الخدمات المتكاملة من أداة دعم مخصصة للأطفال من ذوي الإعاقة إلى وسيلة يستغلها بعض الآباء، للحصول على سيارات معفاة من الجمارك باسم أطفالهم، مستغلين ولايتهم القانونية على أموالهم، دون أن تعود أي منفعة فعلية على الطفل نفسه؛ فبمجرد استخراج السيارة، يُحرم الطفل تلقائياً من معاش “كرامة” والخدمات المرتبطة به، وتُستخدم السيارة لأغراض شخصية أو تجارية.
الإطار الأوسع
وفقاً للإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في كانون الأول/ديسمبر 2023، فإن نسبة الأفراد من ذوي الإعاقة بلغت 11.0 في المئة من إجمالي تعداد السكان. توفر وزارة التضامن معاشات شهرية ضمن برنامج تكافل وكرامة، لكن الحصول عليها يشترط عدم امتلاك سيارات، وعدم وجود معاش تأميني أو معاش سابق من التضامن الاجتماعي، وألا يتجاوز عمر المتقدم 18 عاماً.
ارتفع عدد المستفيدين من برنامج الدعم النقدي “تكافل وكرامة” في عام 2025 إلى 4.7 مليون أسرة مستفيدة مقارنة بـ1.7 مليون أسرة عام 2015، بإجمالي 8.1 مليون أسرة مستفيدة منذ إطلاقه عام 2015، وفق مجلس الوزراء، لكنّ ثغرات النظام تسمح بحرمان الأطفال من حقوقهم عبر استغلال الآباء لوصايتهم القانونية.
وتتضمن مميزات كارت الخدمات المتكاملة لذوي الإعاقة، في مصر مزايا تعليمية لذوي الاعاقة مثل: الدمج في المدارس والجامعات والإعفاء من المصروفات الدراسية، ومزايا صحية كالكشف المجاني في المستشفيات، بالإضافة إلى مزايا اقتصادية مثل: إمكانية الجمع بين معاشين، وتخفيضات في المواصلات، والإعفاء من الجمارك على السيارات المجهزة والأجهزة التعويضية، وتسهيل فرص العمل المستقبلية لهم؛ إذ تخصص الدولة نسبة خمسة في المئة من الوظائف “للمعاقين”.

الأب ولي طبيعي في القانون
يؤكد المحامي أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال ، أن الأب هو الولي الطبيعي على الطفل، وفق الشرع والقانون المصري، ولا تسقط ولايته إلا بوفاته، أو صدور حكم قضائي بسقوط الولاية عنه، إذا أضر بحقوق الأبناء بدرجة تتعلق بحقوقهم المالية كاستغلالهم اقتصادياً، أو إذا فقد الأب أهليته بالجنون أو الفسق، وتتولى النيابة تعيين البديل تحت إشرافها.
ويشير إلى أن الأطفال من ذوي الإعاقة يتساوون مع نظرائهم الطبيعيين في الحقوق، وإن كانوا يحتاجون إلى قدر أعلى من الحماية، مُبيناً أن هناك مادة من قانون العقوبات أضيفت إلى قانون الطفل، تخص جريمة الاستغلال الاقتصادي للطفل، وتصل عقوبتها للسجن خمس سنوات، وتُضاعف حال كان مرتكبها أحد القائمين عليه، وهي المادة “291 مكرر” من قانون العقوبات.

قانون قديم لا يواكب الواقع
يوضح المحامي مالك عدلي، مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن الولي تكون له “ولاية طبيعية” على الطفل بحكم القانون المصري والشريعة، وتكون للأب غالباً، أما الوصي فيُعين بقرار قضائي لإدارة أموال القاصر، بينما الحاضن، وغالباً ما تكون الأم، فيختص برعاية الطفل مادياً ومعنوياً دون أن تكون له ولاية على المال.
ويرى أن قانون الولاية على المال بصيغته الحالية غير متناسب مع الواقع الاجتماعي، لكونه لا يتضمن أسباباً كافية أو مرنة لسقوط ولاية الأب، سوى في حالات محددة جداً، كأن يكون الأب محجوراً عليه أو سفيهاً أو فاقد الأهلية، لكنه لا يتعامل مع حالات الإضرار المتعمد بالأبناء أو استغلالهم مالياً، ولا يتيح للأم الحاضنة الحصول على الولاية المالية على أطفالها في وجود الأب، وإنما يتيح لها الوصاية عبر إجراءات معقدة يتعذر على غالبية الأمهات القيام بها.
ويرى عدلي أن استغلال الآباء للأطفال من ذوي الإعاقة، عبر سيارات المعاقين، اعتداء مالي واقتصادي يستلزم تدخلاً تشريعياً، مستشهداً بتجربة “الولاية التعليمية” كمثال لإمكانية سحب بعض أنواع الولاية دون مساس بمبدأ الولاية الطبيعية.
موقف المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة
تشرح دكتورة إيمان كريم، المشرفة العامة على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، أن بطاقة الخدمات المتكاملة تخضع لضوابط قانونية واضحة، وأن الخدمات موجهة بالأساس للطفل، لكن إدارتها تتم قانوناً عبر الولي القانوني، مثل: الحصول على السيارة المجهزة أو المعاش المخصص، وأن الولاية على الطفل تبقى للأب ما لم يصدر حكم قضائي بنقلها، حتى لو كانت الأم هي الحاضنة الفعلية.
ووفقاً للمادة (20) من القانون “إذا أصبحت أموال القاصر في خطر بسبب سوء تصرف الولي أو لأي سبب آخر فللمحكمة أن تسلب ولايته أو تحدّ منها”. وبناء على ذلك، تنصح دكتورة إيمان الأمهات المتضررات بتقديم شكوى للجمارك ضد الأب، ثم تقديم تظلم للوزارة لإعادة المعاش بعد حصول الدولة على مستحقاتها.

الولي من يستخدم كارت الخدمات
يستفيد 1,2 مليون شخص من ذوي الإعاقة، من الدعم النقدي “كرامة” بتكلفة إجمالية 10,2 مليار جنيه سنوياً، وتم إصدار 1,3 مليون بطاقة خدمات متكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، وهناك 200 بطاقة قيد المراجعة والطباعة، وهناك 600 ألف مواطن من ذوي الإعاقة استفادوا من خدمات الرعاية والتأهيل والأجهزة التعويضية في 163 مؤسسة و86 مركز تأهيل ومركز علاج طبيعي بتكلفة تقديرية 550 مليون جنيه، وفقاً لـبيان وزارة التضامن الاجتماعي، في 30 حزيران/يونيو 2024.
يرى أحمد حنفي، استشاري حماية الطفل، أن القوانين واضحة ومنصفة، ولا يعتقد أن قانون الولاية يحتاج إلى تغيير بقدر تفعيله بدقة وتيسير إجراءاته، إلا أن الإشكاليات الأساسية تكمن في آليات التنفيذ داخل الجهات المعنية، فقواعد البيانات لا تُحدّث بشكل تلقائي في وزارة التضامن الاجتماعي عند وقوع الطلاق أو انتقال الحضانة.
ويؤكد أن قيام بعض الآباء بسحب سيارات الأطفال ذوي الإعاقة، أو إصدار بدل فاقد لكارت الخدمات المتكاملة دون علم الحاضن، يعد مخالفاً للقانون، وأن المجلس القومي للأمومة والطفولة يمكنه أن يتدخل من خلال الوحدة القانونية لخط نجدة الطفل (16000) لحل مثل هذه النزاعات، إذا قامت الحاضن بتقديم بلاغ رسمي، ليقوم المجلس بمتابعة الإجراءات القانونية حتى استعادة الحقوق.

رد وزارة التضامن الاجتماعي
يؤكد خليل محمد خليل، رئيس الإدارة المركزية لشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة بوزارة التضامن الاجتماعي، أن الإدارة ترصد حالات إساءة الاستخدام عبر منظومة الشكاوى والمتابعة الميدانية، وتتخذ الإجراءات اللازمة بالتنسيق مع الجهات المختصة، لكنّه يشير إلى أن الجهات القضائية هي من تختص بالفصل في النزاعات، ويقتصر دور الإدارة على تنفيذ الأحكام والقرارات الرسمية.
ويشير إلى أن الإدارة المركزية لديها منظومة إلكترونية متكاملة، يتم من خلالها تسجيل بيانات المتقدمين والمستفيدين كافة من بطاقة الخدمات المتكاملة، وتتضمن المنظومة بيانات تفصيلية مستمدة من استمارة البيانات الأساسية التي يتم استيفاؤها قبل إجراء التقييم الوظيفي، بما يتيح استخراج الإحصائيات الدقيقة وفق عدة متغيرات.
حلقة مفرغة
رغم مليارات الجنيهات المنفقة سنوياً على دعم ذوي الإعاقة، يبقى أطفال مثل (ع. ط) و(خ، أ) محرومين من الدعم المخصص لهم، بسبب قانون الولاية الذي يضع الأمهات الحاضنات بين خيارين؛ الحرمان من الدعم أو اللجوء لمسارات التقاضي طويلة الأمد، التي تتطلب موارد مالية غير متاحة لهن.
وحتى يعترف المُشرّع بالحاجة إلى تعديل تشريعي يمنح القائم الفعلي بالرعاية حق إدارة شؤون الطفل من ذوي الإعاقة، ستبقى أمهات مثل رضوى وزهرة عالقات بين أروقة المحاكم، فيما يُحرم أطفالهن من حقوقهم رغم كونهم الفئة الأضعف والأكثر احتياجاً.
أنجز هذا التحقيق بدعم من أريج.

