مدنيون بلا حماية.. الحرب الإقليمية تكشف فشل الالتزام بالقانون الدولي الإنساني

عابر- الشرق الأوسط

إسراء الأعرج

منذ الـ 28 من شباط شكل المدنيون في الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية حلقة الاستهداف الأولى، بعد أن وجدوا أنفسهم محاصرين بين هجمات متسارعة، استهدفت المنشآت الحيوية والمنازل، والمدارس والأسواق، وبين أعداد الضحايا التي ترتفع يوميا، والإصابات الممتدة بين الأفراد ظهر الحجم الحقيقي لانتهاك حق الحياة والأمان والسلامة الأساسية.

هذا التقرير لا يحصي فقط خسائر الأرواح، بل يوثّق أيضا حجم الانتهاكات التي تتعارض مع القانون الدولي الإنساني، ويبحث في التداعيات النفسية والاقتصادية والاجتماعية على سكان المنطقة، ليضع أمام المجتمع الدولي مسؤوليات واضحة لضمان حماية المدنيين، والمساءلة عن أي تقصير أو تجاوز.

اضطراب بين المدنيين في الإمارات

تسببت الهجمات الإيرانية على الإمارات منذ بدء الحرب في اضطراب واسع بين السكان المدنيين، إذ أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن الدفاعات الجوية تصدت بنجاح لـ7 صواريخ باليستية و16 طائرة مسيرة في يوم واحد، بينما بلغ مجموع ما تعاملت معه القوات منذ بداية الاعتداءات 352 صاروخا باليستيا، و15 صاروخ جوال، و1789 طائرة مسيرة، هذه الهجمات أودت بحياة اثنين من العسكريين الإماراتيين أثناء أداء واجبهم الوطني.

إلى جانب مقتل ستة مدنيين من جنسيات مختلفة وإصابة 161 شخصا بجروح متفاوتة، بينهم مواطنون بحرينيون، تلقوا الرعاية الطبية اللازمة، المدنيون في أبوظبي ودبي شهدوا سقوط شظايا في أحيائهم السكنية، وألحقت الأضرار بمنازلهم ومرافقهم، بينما تأثرت المرافق الاقتصادية والمطارات بحركة النقل والسفر المدني، مما يعكس هشاشة حماية المدنيين حتى في دول مستقرة نسبيا.

السعودية بلا حصيلة للضحايا

في السعودية، وعلى الرغم من عدم صدور حصيلة دقيقة للضحايا المدنيين في البداية، إلا أن البيانات الرسمية أظهرت تعرض البلاد لنحو 19 صاروخًا و249 طائرة مسيرة، وتم اعتراض 56 منها عند محاولتها اختراق الأجواء، بما في ذلك محاولة الاقتراب من حي السفارات بالرياض. 

مساء اليوم ذاته، دمرت الدفاعات السعودية 8 مسيرات في المنطقة الشرقية والربع الخالي، وصاروخا باليستيا باتجاه محافظة الخرج. هذه الاعتداءات أثارت مخاوف متزايدة بشأن تعرض المناطق الحضرية للقذائف العرضية وسقوط الحطام، كما أوقفت بعض العمليات الاقتصادية قرب المواقع النفطية الحيوية، ما أضاف أعباء على المدنيين والاقتصاد المحلي على حد سواء.

البحرين بعيدة عن الأهداف العسكرية

الهجمات الإيرانية على البحرين أسفرت عن مقتل امرأة إثر سقوط قذيفة في حي سكني، وأكثر من خمسين إصابة بين المدنيين نتيجة الشظايا والارتداد بعيدا عن أي هدف عسكري واضح، بينما تم اعتراض العشرات من الصواريخ والطائرات المسيرة، كما أسفرت غارة بطائرة مسيرة على جزيرة سترة قرب العاصمة عن إصابة 32 مدنيا، بينهم أربعة قاصرين، أحدهم طفل يبلغ شهرين، وإصابة أربعة أشخاص بجروح خطيرة. هذه الوقائع فتحت نقاشا مجتمعيا حول ضرورة حماية المدنيين في النزاعات، خاصة عند استهداف المناطق السكنية بشكل غير مباشر.

الكويت ليست ساحة قتالية 

الكويت شهدت اعتراض الدفاعات الجوية لمئات الصواريخ والطائرات المسيرة، وأسفرت الهجمات عن إصابة 32 مدنيا بسبب سقوط الشظايا، وألحقت أضرارً بشبكات الكهرباء وعدد من المرافق المدنية الحيوية، فيما أُغلقت بعض الشوارع مؤقت لحماية السكان. 

منذ بداية العدوان الإيراني، رصدت الكويت 251 صاروخا و472 طائرة مسيرة، تمكنت الدفاعات من التعامل مع معظمها، بينما سقطت بعض المقذوفات داخل المناطق المأهولة، مما يعكس التعرض المستمر للمدنيين حتى في دول لم تصبح ساحة قتالية مباشرة. 

قطر إجراءات دفاعية مكثفة

الهجمات الإيرانية على قطر أثرت على مناطق حضرية حتى مع إغلاق المجال الجوي بشكل كامل لحماية المدنيين، وأسفرت عن إصابة 16 مدنيا بشظايا صواريخ اعترضتها الدفاعات الجوية، الشظايا ألحقت أضرار في محيط مطار حمد الدولي وشوارع عامة، وأجبرت السلطات على إصدار تحذيرات رسمية للابتعاد عن مواقع سقوط الحطام. هذه الهجمات تعكس أن حتى الإجراءات الدفاعية المكثفة لا توفر حماية كاملة للمد نيين من آثار النزاع.

عُمان استهدافات لوجستيه

في سلطنة عُمان، استهدفت الطائرات الإيرانية مناطق لوجستية مثل موانئ الدقم وصلالة، ما أدى إلى مقتل ثلاثة عمال وإصابة خمسة آخرين كانوا يعملون في مواقع خدمية، كما ألحق الهجوم أضرارًا مادية بالمرافق العامة وتعطيل بعض العمليات التجارية. هذه الهجمات تبين أن الحرب شملت ضربات أثرت في المدنيين والاقتصاد المحلي، حتى خارج نطاق الخطوط الأمامية للنزاع.

العراق والأردن في مرمى الصواريخ

في العراق والأردن، بالرغم من عدم وقوع اشتباكات واسعة، فإن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية عبرت الأجواء، وأسفرت عن إصابات طفيفة وذعر بين السكان المدنيين في المناطق الحدودية، مما يعكس الضغط النفسي والمادي المستمر على المدنيين، حتى دون وجود مواجهات أرضية مباشرة. في الأردن، أعلنت القوات المسلحة اعتراض وتدمير 222 صاروخا ومسيرة هوجمت بها مواقع حيوية، بينما لم تتمكن الدفاعات من اعتراض 18 صاروخا ومسيرة.

لبنان ضحايا مدنيين ونزوح هائل

الحصيلة الإقليمية

تجاوز عدد القتلى في مختلف الدول بما في ذلك المدنيين أكثر من 3230 شخصا، بينهم 1406 مدنيين و210 أطفال على الأقل. الآلاف جرحوا بسبب الصواريخ والشظايا، ما يعكس تأثير الحرب على الحياة المدنية والبنية التحتية والطاقة والنقل والتعليم والصحة، ويؤكد الحاجة الملحة لتدخل المجتمع الدولي لحماية المدنيين والامتثال للقانون الدولي الإنساني. 

في لبنان، ارتفعت حصيلة الضحايا نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر على البلاد إلى 1072 قتيلا و2966 جريحًا منذ 2 مارس، مع نزوح أكثر من مليون شخص، في ظل غارات جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب والشرق، وتوغل بري محدود في جنوب البلاد

قراءة حقوقية .. المدنيون الطرف الخاسر 

يقول المحامي المتخصص في الحماية الدولية الدكتور كمال المشرقي في حديثه لـ عابر إنه في هذه الحرب “العبثية”، لا يوجد منتصر، فالحقيقة الأكثر وضوحاً والأكثر إيلاماً أن الخاسر الوحيد هم المدنيون. فالهجمات المتبادلة التي اجتاحت الإقليم، واستهدفت الأحياء السكنية والمطارات والمنشآت المدنية والاقتصادية والنفطية، لم تخلف سوى القتل والإصابة والتشريد والتهجير القسري، في انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي، وعلى رأسها القواعد الآمرة التي تحمي الإنسان في زمن النزاعات المسلحة.

وتابع إن ما نشهده اليوم يتجاوز كونه تصعيداً عسكرياً تقليدياً، ليصل إلى مستوى تفكيك ممنهج لمنظومة الحماية الدولية التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية، والتي كرست في ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف لعام 1949، ومنظومة حقوق الإنسان الدولية. فاستهداف البنية التحتية المدنية، ولا سيما المنشآت النفطية، لم يفضِ فقط إلى خسائر بشرية جسيمة، بل أدى إلى كوارث بيئية وصحية واسعة النطاق، بما يشكل انتهاكا مباشرا للحق في الحياة والحق في الصحة والحق في بيئة سليمة.

ويؤكد المشرقي أن هذا النمط من العمليات العسكرية يكشف عن تحول خطير في طبيعة النزاعات، حيث لم تعد الحرب تدور حول تحييد القدرات العسكرية للخصم، بل باتت تستهدف مقومات الحياة المدنية ذاتها، في تقويض واضح للقاعدة الأساسية في القانون الدولي الإنساني التي تفرض حماية المدنيين في جميع الأوقات.

ولفت إلى أن هذه الهجمات انتهاكات خطيرة لمبادئ وقواعد القانون الدولي وبالتحديد ميثاق الأمم المتحدة وتهدد السلم الإقليمي والدولي وأيضا تعتبر مصدرا لنسف الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بل يتعدى الى الأقاليم الأخرى. 

 وأشار المشرقي إلى أن ما يظهره هذا الصراع هو انهيار نموذج ساحة القتال المحدد واتساعه رقعته بشكل مستمر وتمدده الى افاق غير محددة، إذ أن من المظاهر الملفتة في هذا الصراع استخدام الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي بشكل لافت،ؤواندماج الحرب الاقتصادية بالحرب العسكرية، بالإضافة الى توسع الهجمات العابرة للحدود وضعف إمكانية حماية المدنيين وفق النماذج القانونية التقليدية وتجاهل أنماط الحماية للمدنية تعتبر تهديدا لسيادة القانون الدولي نفسه  

 وأكد على الاثار الكارثية لهذا الصراع فالهجوم على مصافي النفط والابار تساهم في التلوث وتعتبر آثار كارثية على الطاقة والبيئة والصحة العامة. وأيضا تهدد سلاسل التوريد من خلال التهديد المستمر للملاحة البحرية والمعابر وتساهم في رفع أسعار الطعام والطاقة وتؤثر عل بالأمن الغذائي في الدول العربية، بالاضافة لأثر مهم يهدد سلامة المدنيين وهو قطع الانترنت والاتصال أثتاء الهجمات ما حرم المدنيين من الإنذار المبكر وهدد حقهم في الحياة.

وفي هذا السياق، قال المشرقي أنه لا يمكن تجاهل أن النزاع الدائر يستخدم، في أحد أبعاده، كغطاء لممارسات تتعارض مع قواعد القانون الدولي، بما في ذلك الاحتلال المستمر، والتوسع الاستيطاني، والتهجير القسري، وهي أفعال محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وترقى في بعض صورها إلى جرائم دولية جسيمة.

لكن الأخطر من ذلك بحسب قوله، أن هذه الحرب بامتدادها العشوائي لم تعد تكتفي بانتهاك القواعد، بل أصبحت تفرغها من مضمونها. فقد بات المدنيون في قلب الاستهداف المباشر، لا كضحايا عرضيين، بل كأهداف فعلية، يُقتلون ويُشردون، ويحرمون حتى من وسائل الحماية الأساسية.

وأضوح المشرقي أنه من زاوية القانون الدولي العام، فإن ما يجري يمثل خرقا واضحا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها ما نصت عليه المادة  2 / 4 من حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما أن اللجوء إلى القوة خارج إطار الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة (51)، وبغياب شرطَي الضرورة والتناسب، يفقد هذه العمليات أي مشروعية قانونية.

أما من منظور القانون الدولي الإنساني، فيوضح إن الانتهاكات المرتكبة تمس صميم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها هذا القانون. فمبدأ التمييز، الذي يفرض الفصل بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، تم انتهاكه بشكل جسيم من خلال استهداف منشآت مدنية بحتة. كما أن مبدأ التناسب تم تقويضه في ظل الهجمات التي أسفرت عن خسائر مفرطة في صفوف المدنيين مقارنة بأي ميزة عسكرية محتملة. أما مبدأ الاحتراز، الذي يلزم أطراف النزاع باتخاذ جميع التدابير الممكنة لتقليل الأضرار على المدنيين، فقد أصبح شبه غائب في ظل نمط العمليات العسكرية الحالية، وخاصة مع استخدام الأسلحة ذات الطبيعة الواسعة التأثير في مناطق مأهولة.

وفي ظل القصور المستمر في أداء مجلس الأمن لولايته الأساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين، ولا سيما في الحالات التي يعاق فيها اتخاذ قرارات فعالة نتيجة لاستخدام حق النقض، يؤكد المشرقي إلى الحاجة الملحة إلى تفعيل الآليات البديلة التي أقرّها النظام الدولي، وفي مقدمتها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (377) “الاتحاد من أجل السلام” إذ يتيح هذا القرار للجمعية العامة الاضطلاع بدور تكميلي، بل وحاسم، من خلال التوصية باتخاذ تدابير جماعية، بما في ذلك الإجراءات السياسية والاقتصادية، في مواجهة التهديدات الجسيمة للسلم والأمن الدوليين.

وفي هذا السياق، يشير لضرورة الدفع نحو تعزيز منظومة المساءلة الدولية أهمية مضاعفة، بما يرسّخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب كقاعدة آمرة في القانون الدولي، ويعيد الاعتبار لوظيفة الأمم المتحدة بوصفها الإطار الناظم لحماية السلم والأمن الدوليين. كما يقتضي ذلك اطلاعاً أكثر فاعلية من قبل أجهزة الأمم المتحدة المختلفة، سواء على مستوى الرصد أو التوثيق أو التوصية باتخاذ تدابير ملزمة أو شبه ملزمة.

وتابع لا يقل أهمية عن ذلك، ضرورة الانخراط الجاد في تطوير البنية المؤسسية للعدالة الجنائية الدولية، من خلال بحث سبل توسيع نطاق الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية، بما يضمن شمولها لكافة الجرائم المرتكبة في سياق هذا النزاع، أو- عند تعذر ذلك- النظر في إنشاء محكمة دولية خاصة أو آلية قضائية هجينة، تتولى التحقيق والملاحقة القضائية، بما يضمن تحقيق العدالة للضحايا، وترسيخ مبدأ المحاسبة على الجرائم الدولية الجسيمة.

وختم المشرقي إن ما نشهده اليوم لا يمثل مجرد أزمة إقليمية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة النظام القانوني الدولي على الصمود. وإذا استمر هذا التراجع في احترام القواعد، فإن المخاطر لن تقتصر على المنطقة، بل ستمتد إلى تقويض الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي بأسره.