كيف واجهت السلطات الإيرانية مطالب شعبية بالقمع والدم؟!

عابر – إيران
انتهت موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران بعد تدخل أمني مكثف، خلفت معه أرقاما مقلقة من الانتهاكات، شملت قتلى وجرحى ومعتقلين، وكانت البلاد قد دخلت قبل ذلك مرحلة جديدة من الاضطرابات الداخلية، مع اندلاع واحدة من أوسع موجات الاحتجاجات الشعبية في تاريخها الحديث، والتي بدأت على خلفية تدهور حاد في الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وانهيار متواصل في قيمة العملة الوطنية.
ما بدأ كغضب اقتصادي مشروع، تحول خلال أيام إلى تعبير جماعي عن سخط عميق من بنية الحكم نفسها، في بلد يعيش منذ سنوات طويلة تحت وطأة القيود السياسية والقمع الأمني، وبحلول 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع في طهران لتشمل أكثر من 22 نقطة استراتيجية في العاصمة، وامتدت شرارتها إلى مدن كبرى مثل همدان وقشم.
معركة السيطرة على الحقيقة
الصحفيون والناشطون واجهوا منذ الأيام الأولى للاحتجاجات صعوبة بالغة في توثيق ما يحدث، نتيجة القيود الصارمة التي فرضتها السلطات الإيرانية على وسائل الإعلام والاتصالات، وفي 8 يناير/كانون الثاني 2026، شهدت البلاد انقطاعا شبه كامل للإنترنت، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها محاولة ممنهجة لإخفاء حجم الانتهاكات ومنع إظهار حقيقة المشهد الذي تعيشه البلاد.
هذا التعتيم جعل عملية التوثيق تحديا بالغ الصعوبة، ما أجبر المنظمات الحقوقية الاعتماد على شبكات محلية، وشهادات عائلات الضحايا، وتسريبات محدودة من داخل البلاد، ما يفسر التباين الكبير في الأرقام المتداولة حول أعداد القتلى والمعتقلين.
حصيلة أولية لدم كثير
ووفقا لوكالة نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية (HRANA)، بلغ عدد القتلى حتى منتصف يناير/كانون الثاني 2026 أكثر من 2680 مواطنا، فيما بلغ عدد المعتقلين نحو 19907 محتجين في مختلف أنحاء البلاد، فيما تشير تقديرات إعلامية وحقوقية دولية إلى أن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أعلى بكثير ويزيد عن 12 ألف، في ظل استمرار التعتيم الإعلامي وصعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة.
حتى في أدنى هذه التقديرات، وصفت هذه الحملة كواحدة من أكثر موجات القمع دموية في إيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، ما يعكس حجم العنف المستخدم ضد المدنيين.


قوة مفرطة بلا ضوابط
وثقت منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، استخدام قوات الأمن الإيرانية بما يشمل الشرطة، وقوات الباسيج، والحرس الثوري أساليب قمعية ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
تشير هذه التقارير إلى أن القوات الأمنية لم تكتف بتفريق التظاهرات، بل استخدمت الرصاص الحي بشكل مباشر ضد متظاهرين عزل، إضافة إلى إطلاق ذخيرة معدنية مغلفة بالرصاص المطاطي، استهدفت في كثير من الحالات رؤوس المتظاهرين وصدورهم.
كما جرى استخدام مكثف للغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، ليس فقط لتفريق الحشود، بل لترهيب السكان ومنعهم من التجمع.
تقارير طبية مسربة من مستشفيات في طهران ومدن أخرى تحدثت عن وصول مئات المصابين بجروح خطيرة، بينها فقدان البصر، وكسور معقدة، وإصابات دائمة، ما يعكس نمطا ممنهجا في استهداف الجسد البشري وليس مجرد تفريق احتجاجات.
انتهاكات في المستشفيات والمناز
لم يتوقف العنف عند حدود الشارع، بحسب شهادات طبية وتقارير صحفية ومقاطع فيديو، اقتحمت قوات أمنية مستشفى إيلام بحثا عن متظاهرين جرحى، في انتهاك صارخ لحرمة المرافق الطبية، وفي بعض الحالات، تم اعتقال مصابين أثناء تلقيهم العلاج، أو الاعتداء عليهم جسديا داخل غرف الطوارئ.
وكشفت وسائل إعلام بريطانية عن تكدس غير مسبوق للجثث والجرحى داخل المستشفيات الإيرانية مع تصاعد الاحتجاجات، نتيجة إطلاق قوات الأمن النار مباشرة على المتظاهرين.
وبحسب شهادات أطباء، امتلأت ثلاجات الموتى واضطرت بعض المستشفيات إلى وضع أكياس الجثث في الأفنية بسبب نقص المساحات والمعدات، في وقت تصل فيه الضحايا بشكل متواصل عبر سيارات الإسعاف، وشاحنات صغيرة، وسيارات خاصة، وحتى محمولين سيرًا على الأقدام من قبل ذويهم.
ويشير التقرير إلى محاولات ممنهجة لإخفاء حجم الضحايا، حيث منع جرحى من الوصول إلى المستشفيات بسبب الطوق الأمني، واضطرت عائلات إلى علاج المصابين أو الاحتفاظ بجثث القتلى في المنازل خوفا من مصادرتها. كما وثق اقتحام قوات أمنية لمرافق طبية واعتقال مصابين أثناء تلقيهم العلاج، في انتهاك صارخ لحرمة المستشفيات. ووفق شهادات نقلها التقرير، قد يكون العدد الحقيقي للضحايا أعلى بكثير من الأرقام المعلنة، في واحدة من أعنف موجات القمع التي شهدتها إيران في تاريخها الحديث.
كما نفذت القوات الأمنية مداهمات ليلية لمنازل مشتبه بمشاركة سكانها في الاحتجاجات، ما زرع الخوف في أحياء كاملة، وحول البيوت التي يفترض أن تكون ملاذا آمنا إلى أماكن مهددة.

الاعتقال التعسفي
إلى جانب القتل، شكلت الاعتقالات الجماعية أحد أبرز أدوات القمع، آلاف المحتجين احتجزوا دون أوامر قضائية واضحة، ودون ضمانات لمحاكمات عادلة.
تقارير حقوقية تحدثت عن احتجاز المعتقلين في ظروف غير إنسانية، تشمل الاكتظاظ، وسوء المعاملة، والحرمان من التواصل مع المحامين والعائلات، إضافة إلى مزاعم موثقة عن التعذيب الجسدي والنفسي.
وتتعدى تداعيات الاعتقالات المعتقل نفسه، لتطال عائلات بأكملها تعيش حالة من القلق والانتظار دون معلومات واضحة عن مصير أبنائها أو مكان احتجازهم، وهو ما يفاقم من التأثير النفسي والاجتماعي لهذه السياسة الأمنية، وتشير تقارير الحقوقيين إلى أن الخوف من المداهمات والاعتقال يحول دون تواصل الأسر مع أبنائها داخل السجون، ما يزيد من حالة التوتر وعدم اليقين في المجتمع.
حياة يومية تحت الخوف
في ظل هذه الظروف، تحولت الحياة اليومية لملايين الإيرانيين إلى سلسلة من المخاوف المتواصلة، أُغلقت مدارس ومؤسسات في بعض المدن، وتجنب كثيرون مغادرة منازلهم خشية الاعتقال أو التعرض لإطلاق النار.
انقطاع الإنترنت فاقم العزلة، وحرم العائلات من الاطمئنان على أقاربها داخل البلاد وخارجها، ما خلق أزمة نفسية جماعية، خصوصًا بين عائلات الضحايا والمفقودين.

إدانات بلا أدوات ضغط كافية
على الصعيد الدولي، توالت الإدانات من دول أوروبية ومنظمات حقوقية، مع مطالبات بوقف القمع، والإفراج عن المعتقلين، وفتح تحقيقات مستقلة.
كما دعت منظمات حقوق الإنسان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى عقد جلسة طارئة لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
في المقابل، تواصل السلطات الإيرانية تبني خطاب رسمي يصف المحتجين بأنهم “مثيرو شغب” أو “عملاء لقوى خارجية”، رافضة أي اعتراف بالانتهاكات الموثقة.
انتهاكات جسيمة لالتزامات دولية ملزِمة
من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، تظهر الممارسات التي وثقتها منظمات حقوقية مستقلة في إيران نمطا واضحا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق أساسية مكفولة بموجب الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إذ تعد إيران طرفا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يلزم الدول باحترام الحق في الحياة، وضمان حرية التعبير، وحماية الحق في التجمع السلمي، ومنع التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
استخدام القوة المميتة ضد متظاهرين سلميين، كما وثقته تقارير حقوقية متعددة، يعد انتهاكا مباشرا للمادة (6) من العهد، التي تنص على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان ولا يجوز حرمان أحد منه تعسفا.
كما أن الاعتقالات الواسعة دون أوامر قضائية واضحة، واحتجاز المحتجين دون تمكينهم من التواصل مع محامين أو عائلاتهم، تشكل خرقا للمادتين (9) و(14) المتعلقتين بالحرية الشخصية وضمانات المحاكمة العادلة.
أما اقتحام المستشفيات واعتقال الجرحى من داخل المرافق الطبية، فيعد انتهاكا مضاعفا، لا يقتصر على خرق الحق في السلامة الجسدية، بل يمس أيضا المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي وأخلاقيات العمل الطبي، التي تفرض حماية المرضى والكوادر الصحية في جميع الظروف.
وتشير منظمات دولية إلى أن هذه الانتهاكات، إذا ثبت طابعها المنهجي والواسع النطاق، قد ترقى إلى جرائم خطيرة بموجب القانون الدولي، ما يفتح الباب أمام آليات المساءلة الدولية.
