أثارت واقعة فحص عشاء طفلة تبلغ 9 سنوات في مستشفى 15 مايو التخصصي بالقاهرة، جدلًا حول حدود الفحص الطبي للأطفال، بعدما تحولت ملاحظات تتعلق بغشاء البكارة إلى إحالة الطفلة للطب الشرعي، رغم أن دخولها المستشفى كان لتلقي العلاج من حصوات في الكلى والحالب.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام مصرية، كانت الطفلة تستعد للخضوع لتدخل بالمنظار، عندما أثار الطبيب ملاحظة تتعلق بغشاء البكارة، فاستُدعي طبيب نساء لفحصها. وأبلغ المستشفى النيابة بالواقعة، التي أمرت بإحالة الطفلة إلى الطب الشرعي للتحقق من الاشتباه بعدم وجود غشاء أو وجود علاقة جنسية.
وأظهرت نتائج الفحص الشرعي، وفق التقارير المنشورة، عدم وجود إصابات أو آثار تدعم الاشتباه، فيما قالت وزارة الصحة المصرية إن الطبيب أُحيل إلى المساءلة الطبية والقانونية.
لكن الواقعة تطرح سؤالًا يتجاوز نتيجة الفحص: متى يكون الفحص التناسلي لطفل ضرورة طبية، ومتى يتحول إلى ما يسمى “فحص العذرية” الذي لا يستند إلى أساس علمي؟
بين الضرورة الطبية و”فحص العذرية”
قد تستدعي بعض الحالات الطبية فحص الأعضاء التناسلية للأطفال إذا كانت هناك ضرورة سريرية مرتبطة بالأعراض أو التشخيص. لكن فحص “العذرية” مفهوم مختلف؛ إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن شكل غشاء البكارة لا يمكن أن يثبت ما إذا كانت الفتاة أو المرأة قد مارست علاقة جنسية، وأنه لا يوجد فحص طبي قادر على إثبات تاريخه.
وتصف المنظمة، إلى جانب وكالات أممية أخرى، “فحص العذرية” بأنه ممارسة لا تستند إلى أساس علمي أو سريري، وقد تكون مؤذية ومهينة وتنتهك حقوق الإنسان.
لذلك، لا يمكن الجزم من المعلومات المنشورة بأن الفحص الذي خضعت له الطفلة في مستشفى 15 مايو كان “فحص عذرية” بالمعنى الطبي أو الحقوقي للمصطلح.
ماذا يقول الأطباء في مصر؟
يتزامن ذلك مع دراسة مصرية منشورة في يناير 2026 بحثت معرفة أطباء النساء والتوليد ومواقفهم وممارساتهم المتعلقة بفحص العذرية.
وشملت الدراسة 120 طبيبًا في عيادات ومستشفيات خاصة بمحافظة الإسماعيلية، ووجدت أن 82.5 في المئة منهم لم يتمكنوا من تحديد فحص العذرية بصورة كافية، فيما أبلغ 54.2 في المئة عن مواقف سلبية تجاه الممارسة. وكان استبعاد وجود غشاء بكارة غير مثقوب من أكثر الأسباب التي ذكرها الأطباء لإجراء الفحص.
وتظل نتائج الدراسة محدودة؛ إذ أجريت في محافظة واحدة وعلى عينة من 120 طبيبًا، ولا تمثل جميع أطباء النساء والتوليد في مصر.
وفي سياق طبي مصري، قال خالد أمين، عضو مجلس نقابة الأطباء، إن “فحص العذرية ليس من اختصاص طبيب النساء والتوليد ولا يعتبر ممارسة طبية على الإطلاق”. وقد جاء التصريح في سياق منفصل عن واقعة طفلة مستشفى 15 مايو، لكنه يعكس موقفًا مهنيًا مصريًا حديثًا من هذه الممارسة.
حين يصبح غشاء البكارة مسألة “شرف”
المشكلة لا تتوقف عند الجانب الطبي. فربط غشاء البكارة بمفهوم “العذرية” و”الشرف” قد يحول مجرد الشبهة إلى مصدر خطر على النساء والفتيات.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن ممارسات مرتبطة بمفهوم “العذرية” قد تؤدي إلى أذى نفسي وجسدي، وفي الحالات القصوى قد تصل إلى قتل النساء والفتيات باسم “الشرف”.
وفي مصر، رصدت مؤسسة إدراك في تقرير عن عام 2020، 165 حالة قتل لنساء وفتيات مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، بينها 14 حالة مرتبطة بـ”الشرف” أو الاشتباه في السلوك. وهذه الأرقام ليست إحصاءً وطنيًا رسميًا، وإنما حالات تمكنت المؤسسة من رصدها من المصادر المنشورة والبيانات المتاحة.
وهذه الحالات لا تعني أن غشاء البكارة كان سبب القتل، فلا توجد إحصاءات رسمية تفصل جرائم قتل النساء على أساس حالة الغشاء. لكنها توضح الخطر الأوسع عندما تتحول تصورات “العذرية” و”الشرف” إلى أساس للحكم على سلوك النساء والفتيات.
ماذا قالت مصر للأمم المتحدة؟
في رد قدمته الحكومة المصرية إلى لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عام 2023، قالت إنه “لا يوجد ما يسمى بفحص العذرية كتعريف قانوني أو طبي”، موضحة أن فحوص الطب الشرعي تُجرى في بعض القضايا الجنائية، ومنها حالات العنف والاعتداءات الجنسية والاغتصاب، بناء على تكليف من النيابة وباستخدام أساليب فنية متخصصة.
فيما وثقت منظمات حقوقية مصرية ودولية خلال السنوات الماضية حالات لإخضاع نساء وفتيات لما يسمى “فحوص العذرية”، واعتبرت هيومن رايتس ووتش هذه الممارسة غير صالحة علميًا وتنتهك أخلاقيات المهنة والحقوق الأساسية، ودعت إلى وقفها.
