في غزة، لا تتوقف مأساة آلاف الأفراد عند فقدان أحبابهم وذويهم تحت الأنقاض، بل تمتد إلى الخوف من أن تضيع جثامينهم مع إزالة الركام. وبين الحاجة إلى رفع الأنقاض وفتح الطرق، وضرورة الوصول إلى الرفات وانتشالها وتوثيقها قبل نقلها أو تفتيتها، تبرز مخاوف من أن تؤدي عمليات الإزالة، ولا سيما في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، إلى تغيير مواقع الجثامين أو فقدانها وطمس ما قد يساعد على التعرف إلى أصحابها.
ثلاثة منازل بلا وداع
ثلاثة منازل، وعشرات الجثامين تحت الركام. بعضهم انتُشل، وبعضهم بقي في مكانه، وبعضهم لم يعد الشاب أنس زينو وعائلته يعرفون حتى أين يبحثون عنه. ثم تغيّر كل شيء: تحت الركام، تغيرت معالم المكان، وأصبحت المواقع خلف الخط الأصفر (تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي)، في مناطق لا يستطيع أهلها الوصول إليها.
في حي التفاح بمدينة غزة، لا يبحث زينو (30 عامًا)، عن بيت يعود إليه، بل عن أفراد عائلته العالقين تحت ما تبقى من ثلاثة منازل قصفتها إسرائيل خلال الحرب. من أحدها نجا هو من الموت “بمعجزة”، بعدما كان داخل بيت جده لحظة القصف الذي استشهد فيه 22 شخصًا، بحسب شهادته، فيما أصيب هو إصابة خطيرة. وفي منزلين آخرين، بقيت جثامين أقاربه تحت الأنقاض، بعدما تحولت البيوت إلى طبقات متراكمة من الركام.
يروي لـ”عابر”، أن الجثامين تتوزع بين ثلاثة مواقع، منزل آل البهتيمي وهي عائلة زوج شقيقته في منطقة الشعف بحي التفاح، وبيت أخواله في منطقة النشاش، وبيت جده في شارع يافا. حيث وقعت عمليات القصف في أوقات متقاربة من بداية الحرب؛ استشهد أفراد المنزل الأول في الأسابيع الأولى، وبعد نحو خمسة أيام استشهد أفراد بيت أخواله، فيما قُصف بيت جده في ديسمبر (كانون الأول) عام 2023.
“في بيت أخوالي، أمضت العائلة نحو أسبوع كامل وهي تحاول انتشال الجثامين. تمكنت من إخراج بعضها، لكن خمسة جثامين بقيت تحت الركام. كان المنزل المؤلف من خمسة طوابق قد انهار بالكامل، ولم تكن العائلة تملك المعدات اللازمة للوصول إلى من بقي تحته” يقول زينو.
ويتابع، في منزل آل البهتيمي في الشعف، كان المبنى أيضًا مؤلفًا من خمسة طوابق قبل أن ينهار بالكامل. حاولت العائلة الوصول إلى الجثامين، لكن بُعد المكان وخطورة التنقل والحركة جعلا الاستمرار في البحث شبه مستحيل، وأصبح الركام هو قبر الشهداء.
حاولت العائلة بعد ذلك الوصول إلى شقيقة والدته العالقة تحت الأنقاض، لكن ما حال دون ذلك: “تعرضت العمارة التي أسكن فيها مع عائلتي والقريبة من ركام بيت جدي للقصف، فأصبح الاقتراب من الموقع أكثر خطورة، وتوقفت محاولات الانتشال” وذلك بعد 5 أيام فقط.

العجز سيد الموقف
المواقع الثلاثة بحسب زينو أصبحت خلف الخط الأصفر، في مناطق لم يعد بإمكان العائلة الوصول إليها. هناك، لم يعد السؤال فقط كيف يرفعون الركام، بل كيف يصلون أصلًا إلى موقع الرفات. ومع انعدام القدرة على الوصول، اضطر أنس وعائلته إلى التسليم بواقع أن الجثامين قد تبقى هناك، من دون أن يتمكنوا من انتشالها. هو شعور العجز ليس أكثر.
في بعض المنازل في غزة، استشهد جميع من كانوا في الداخل، ولذلك لم يكن هناك ناجون يستطيعون تحديد أماكن وجودهم تحت الأنقاض. ومع تغير معالم المواقع وتحرك الركام أو إزالته، أصبحت مهمة تحديد مواقع الجثامين أكثر تعقيدًا.
7 آلاف مفقود
زينو ليس وحده في انتظار جثمان يعرف مكانه. إذ يقدّر رئيس وحدة المعلومات في وزارة الصحة في غزة، زاهر الوحيدي، عدد الشهداء الذين ما زالوا تحت الأنقاض بنحو 7400 شهيد.
ويوضح الوحيدي أن التعرف إلى الجثامين لا يعتمد على فحص واحد، إذ يمكن الاستعانة بالفحص الفيزيائي والظاهري، والبحث عن الكسور أو آثار العمليات الجراحية، والمتعلقات الشخصية، إضافة إلى قياسات العظام وغيرها من الإجراءات، فيما يبقى فحص الحمض النووي أحد الخيارات الأساسية عند توفره.
ويشير إلى أن قطاع غزة استقبل على عدة دفعات 486 جثمانًا كانوا لدى إسرائيل، جرى التعرف إلى 107 منها، فيما دُفنت الجثامين المتبقية كحالات مجهولة الهوية، مع الاحتفاظ بعينات منها إلى حين توفر فحص الحمض النووي ومطابقتها.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بطرق التعرف إلى الجثامين، بل بالوصول إليها قبل أن يتحرك الركام من مكانه.
فمن جانبه يوضح المتحدث الرسمي باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل لـ”عابر”، أن جثامين آلاف الشهداء لا تزال عالقة تحت الركام، فيما لم تتمكن فرق الدفاع المدني من الوصول إلى كثير منها وانتشالها، في ظل استمرار إزالة أنقاض المباني ونقلها.
ويقول بصل إن هذه الجثامين ما تزال تنتظر انتشالها بما يحفظ كرامة أصحابها الإنسانية ويتيح لعائلاتهم دفنهم بصورة تليق بهم.

إزالة غير مدروسة
وفي السياق نفسه، يقول الناطق الرسمي باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، محمد أبو مصبح، لـ”عابر”: إن دور الهلال الأحمر في عمليات انتشال الجثامين يتركز أساسًا في التعامل مع الجثامين الموجودة في الطرقات، بينما تتولى فرق الدفاع المدني والجهات المختصة مهمة التعامل مع الجثامين الموجودة تحت الأنقاض.
ويؤكد أن نقص المعدات والكوادر الهندسية المتخصصة يمثل أحد أبرز العوائق أمام رفع الأنقاض والوصول إلى الجثامين، خصوصًا في المناطق التي شهدت دمارًا واسعًا. محذرا مما يقوم به الاحتلال إذ أن التعامل العشوائي مع الركام قد يؤدي إلى تغيير معالم بعض الجثامين أو فقدانها بالكامل، ما يزيد صعوبة التعرف لاحقًا.
ويوضح أبو مصبح أن الحفاظ على الجثمان في وضعه قدر الإمكان يساعد في تحديد هويته، من خلال العلامات والمؤشرات الجسدية والمتعلقات الشخصية التي يمكن أن تساعد في التعرف إليه، إلى جانب الإجراءات الرسمية المتبعة لدى الصحة في توثيق الجثامين والتعامل معها.
كرامة الموتى.. واجب قانوني
يقضي القانون الدولي الإنساني بوجوب التعامل مع رفات من ماتوا أثناء النزاعات المسلّحة، بطريقة ملائمة وصون كرامتهم. ويقضي أيضاً بوجوب البحث عن القتلى وجمع جثثهم وإجلائها، للمساعدة في ضمان عدم وجود أشخاص في عداد المفقودين.
وتضم فروع أخرى من القانون الدولي، كالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي لمواجهة الكوارث، أحكاماً ترمي إلى ضمان التعامل الملائم مع الموتى وصون كرامتهم، وتحتوي كذلك على أحكام توجب الكشف عن مصير المفقودين واستجلاء أماكن وجودهم، سواء كانوا مفقودين لأسباب تتصل بنزاع مسلح أو لأسباب أخرى.

حقيقة الأمر
وتأتي إزالة الركام، وفق ما تعلنه الأمم المتحدة وشركاؤها، ضمن الحاجة إلى التعامل مع حجم الدمار الهائل، وفتح الطرق أمام المستشفيات والمدارس وأماكن العمل، وتمكين العائلات من العودة إلى أحيائها، وتسهيل وصول المساعدات والخدمات. وفي يوليو (تموز) 2026، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي مشروعًا بقيمة 15 مليون يورو لإزالة الركام ومعالجته وإعادة استخدامه، إلى جانب تعزيز قدرات استعادة الرفات البشرية وفحصها والتعرف إلى أصحابها.
لكن ما يجري في المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية يثير مخاوف مختلفة. إذ حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من عمليات قال إن الجيش الإسرائيلي ينفذها بالتعاون مع شركات إسرائيلية لتفتيت ركام الأحياء والمنشآت المدمرة ونقله إلى مواقع غير معلنة، مشيرًا إلى أن هذه العمليات تتم قبل إتاحة المجال أمام فرق الطب الشرعي والأدلة الجنائية لفحص المواقع وتوثيق ما فيها.
وقال المرصد إن معطياته الأولية تشير إلى إزالة وتفتيت ونقل ما لا يقل عن 10 ملايين طن من الركام من مواقعها، فيما تعمل نحو 400 آلية للحفر والهدم والتكسير والنقل في مناطق مختلفة من شرقي وجنوبي غزة، مع حركة تقارب 100 شاحنة يوميًا تنقل الركام إلى مواقع غير معلنة داخل إسرائيل وأخرى في جنوب الضفة الغربية المحتلة.
ويحذّر المرصد من أن تفتيت الركام ونقله قبل فحص المواقع قد يؤدي إلى طمس أدلة مرتبطة بعمليات القصف والقتل، وتعريض رفات آلاف المفقودين للخطر، مشيرا إلى أن استخدام المعدات الثقيلة قد يؤدي إلى سحق الرفات أو تشتيتها وخلطها بالركام، وفصلها عن المتعلقات التي قد تساعد في التعرف إلى أصحابها.
وبينما تتعامل غزة مع ركام حرب خلّفت دمارًا هائلًا، يبقى ملف المفقودين أحد أكثر الملفات إلحاحًا، ليس فقط لمعرفة عدد من رحلوا، وإنما لتوثيق ما حدث لهم وحفظ أثرهم في سجل الحرب. فحين يغيب الجثمان وتغيب معه المعلومات، تبقى قصة الضحية ناقصة، وتبقى الحقيقة نفسها معلقة.
