على وقع الخرائط… لا مناورات كويتية حديثة ولا تهديد باجتياح بغداد

عابر – تحقق
إسراء الأعرج
يعود خور عبدالله إلى الواجهة العراقية الكويتية، مصحوبا بصور الدبابات والمناورات العسكرية وأصوات “الاجتياح الوشيك”، هكذا هي المزاعم بعد إيداع العراق إحداثيات حدوده البحرية لدى الأمم المتحدة، ففي فترة سياسية دقيقة، أعادت مواقع التواصل إنتاج مشهد مألوف في المنطقة لدبابات تتحرك في الصحراء الكويتية معنونة بـ ” الحشود على الحدود” و”رد عسكري وشيك”.
وبين الضجيج الرقمي والوقائع الرسمية والحديثة اتسعت الفجوة، بفيديو قديم تم إعادة نشره على أنه “مناورات حديثة قرب الحدود العراقية”، وتصريح مفبرك نسب إلى أمير الكويت يتوعد بـ”حرب خاطفة لإسقاط بغداد” لتتحقق عابر منها وتؤكد أنها مضللة.
من تمرين قديم إلى “تصعيد عاجل”!
بدأت القصة بمقطع فيديو يظهر آليات عسكرية تتحرك في منطقة صحراوية كويتية، مع تصاعد أعمدة دخان ومشاهد توحي بتمرين قتالي، أرفقته بعض الصفحات المقطع بعبارات من قبيل “مناورات عسكرية حديثة للجيش الكويتي قرب الحدود العراقية”، وتزامن نشر الفيديو مع الجدل حول خطوة العراق البحرية، ما أعطى الانطباع بأن هناك ردا عسكريا ميدانيا مرتقبا.



غير أن البحث العكسي عن المقطع كشف أنه ليس حديث بل نشر في أكتوبر 2024 على حساب في منصة “تيك توك”، كما ظهرت لقطات أخرى من الحدث نفسه في مارس 2024، مع الإشارة إلى أنه تمرين عسكري مشترك.
فيديو مسجل من تيك توك يظهر فيه تاريخ النشرقديم
التحقق أظهر أن المشاهد تعود إلى تمرين”تكامل/1″ الذي انطلق في 26 نوفمبر 2023 بقيادة الجيش الكويتي، وبمشاركة تشكيلات من القوة البرية وقوات درع الجزيرة، وكان ضمن الخطة التدريبية المعلنة آنذاك، وجرت تغطيته رسميا عبر وسائل إعلام كويتية.
بمعنى آخر، الفيديو لا يمت بصلة زمنية أو سياقية للتطورات الحالية، لكن إعادة نشره في لحظة حساسة منحته معنى آخر، بصورة تصعيدية لا تدعمها أي بيانات رسمية.

“الحرب الخاطفة”… خطاب تحريضي
بالتوازي مع تداول الفيديو، انتشر ادعاء أكثر خطورة منسوب لأمير الكويت مشعل الأحمد الجابر الصباح يهدد بالتدخل العسكري في العراق إذا لم يسحب الاعتراض المتعلق بخور عبدالله، مذكور فيه بقيام “حرب خاطفة لإسقاط بغداد”،وقاد التحقق من هذا الادعاء إلى نتيجة واضحة، بأنه لا وجود لأي تصريح رسمي بهذا المضمون أو السياق.

كما تداولت صفحات على مواقع التواصل تصريحا منسوبا لوزير الدفاع الكويتي جاء فيه أن “قواتنا على أهبة الاستعداد للدفاع عن وطننا، وحال الكويت ليس كما كان عام 1990″، غير أن التحقق من البيانات الرسمية ووسائل الإعلام الكويتية لم يظهر صدور أي تصريح بهذا المضمون، ما يرجح أن الاقتباس مفبرك ومدرج في سياق تصعيدي لا يستند إلى مصدر موثوق.

كما لم تنشر وكالة الأنباء الكويتية أو أي جهة رسمية كويتية بيانا يتضمن تهديدا عسكريا مماثلا، بل إن الخطاب الرسمي الكويتي في ملف الحدود البحرية ظل ضمن الإطار القانوني والدبلوماسي، من خلال إعلان الكويت استدعاء القائم بالأعمال العراقي وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية، معتبرة أن الإحداثيات والخريطة العراقية تمس بسيادتها على مناطق بحرية ثابتة ومستقرة لم تكن محل خلاف، مع تأكيد الخارجية الكويتية بتمسكها بالقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ودعت العراق إلى احترام التفاهمات والاتفاقيات الثنائية.
وبالالتفات إلى لغة الادعاء نفسها فإنها تكشف طبيعته من خلال استخدام تعبيرات “إسقاط بغداد” و”حرب خاطفة” فهي أقرب إلى خطاب تحشيدي لا ينتمي إلى القاموس الدبلوماسي المعتمد في البيانات الرسمية، وبذلك تحول تصريح غير موجود إلى مادة متداولة على نطاق واسع، في وقت حساس سياسيا، ما ساهم في تغذية التوتر الشعبي على منصات التواصل الاجتماعي.
ما الذي حدث فعليا؟
أعلنت وزارة الخارجية العراقية في يناير من العام الجاري عن إيداع قوائم إحداثيات خط الأساس للبحر الإقليمي والمناطق البحرية لدى الأمم المتحدة، وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
وأوضحت أن الإيداع جرى بتاريخي 19 يناير و9 فبراير 2026، متضمنًا الإحداثيات الجغرافية وخريطة توضيحية لتحديد خطوط الأساس وفق النظام الجيوديسي العالمي WGS-84.
هذا الإجراء يعد ممارسة قانونية سيادية، تستخدمها الدول لتثبيت نطاقات مياهها الإقليمية ومناطقها البحرية وفق القانون الدولي، غير أن حساسية الموقع الجغرافي لخـور عبدالله جعلت الخطوة محط اهتمام سياسي وشعبي واسع.
خور عبدالله… تاريخ طويل من التعقيد
يمثل خور عبدالله ممرا مائيا استراتيجيا يربط العراق بالخليج العربي عبر ميناء أم قصر، ما يجعله شريانا بحريا حيويا للاقتصاد العراقي، وبعد حرب الخليج عام 1991، أصدر مجلس الأمن القرار 833 عام 1993، الذي ثبت ترسيم الحدود البرية والبحرية بين العراق والكويت.

وفي عامي 2012 و2013، تم التوقيع والمصادقة على اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبدالله بين البلدين، غير أن الجدل عاد بقوة عام 2023، عندما قضت المحكمة الاتحادية العراقية بعدم دستورية قانون التصديق على الاتفاقية، ما أعاد الملف إلى الساحة السياسية والقانونية داخل العراق، وبالتالي فإن الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لسجال قانوني وسياسي طويل حول آليات تنظيم الملاحة وتفسير الترسيم البحري.
كيف تتولد “المعارك الرقمية”؟
البيئة الرقمية في أوقات التوتر الإقليمي تميل إلى التضخيم السريع، فإعادة نشرة فيديو قديم، وفبركة تصريح، شكلا معا رواية تصعيدية جذابة وسريعة الانتشار، إلا أن الرواية لم تكن مدعمة ببيانات عسكرية أو دبلوماسية، لكنها اعتمدت على عنصرين مؤثرين هما الصورة وزمن الانتشار وحساسيته
وحتى اللحظة، لا توجد مؤشرات رسمية على تحركات عسكرية مرتبطة بإيداع الخرائط، ولا تهديد معلن من القيادة الكويتية باستخدام القوة، ولكن ما يجري فعليا هو سجال قانوني ودبلوماسي حول تفسير الإجراءات البحرية وحدود الاختصاص، وهو مسار يخضع في العادة للقنوات الرسمية والآليات الدوليةغير أن الفضاء الرقمي أعاد صياغة المشهد بوصفه مواجهة عسكرية وشيكة، مستندا إلى مواد خارج سياقها وتصريحات غير موجودة.
