صوت آية … حين يصبح البيت ساحة اعتداء والعدالة تنتظر في مصر

عابر – مصر
“تم تحديد موعد أول جلسة للحكم في القضية… شكري لا يكفي للنيابة العامة المصرية على إنصافي ومنحي الأمل بعد فترة طويلة من الألم… وجود جهة عادلة تستمع وتحرك الدعوى أعاد لي جزء من شعوري بالأمان… ثقتي كاملة في عدالة القضاء المصري الذي ننتظر منه الكلمة الأخيرة”، بهذه الكلمات أعلنت آية محمد التحرك في قضيتها، بعد تحديد موعد أول جلسة للنطق بالحكم، والتي لطالما سعت لأجلها.
طوال الستة أشهر الماضية انفجرت صرخة آية، صرخة لم تكن مجرد منشور على وسائل التواصل، بل صوت ألم ممتد منذ الطفولة، تحول إلى مواجهة علنية هزت الرأي العام العربي، لتكسر جدار الصمت حول أحد أكثر أشكال العنف المسكوت عنها وهو العنف داخل الأسرة لفتاة هي الضحية والجاني والدها!
آية محمد، شابة مصرية تبلغ من العمر 22 عاما وأم لطفلة صغيرة، اختبرت هذا الألم بشكل مباشر واختارت ألا تصمت، فما بدأت به من معاناة طفولة لم تشفى، تكرر مع “محاولة والدها تدمير حياتها مرة أخرى”، ما دفعها إلى الصراخ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بحثا عن العدالة التي تأخرت ستة أشهر حتى الآن.
قصتها ليست مجرد تجربة فردية، بل مرآة لصمت اجتماعي وقانوني طويل تجاه ضحايا العنف الأسري، ولحاجة ملحة إلى فتح الملفات التي غالبا ما تدفن خلف جدران العائلة والخوف والوصمة، وهي أيضا اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على حماية النساء والأطفال، ومنع الإفلات من العقاب في القضايا الأكثر حساسية وتعقيداً.
في سرد لما حدث تعرضت آية في 27 أغسطس/ آب 2025 لاحتجاز غير قانوني واعتداء جنسي بالإكراه من قبل والدها، بحضور طفلتها، مرفقا بتهديدات مباشرة بالقتل، في واقعة وصفتها بأنها كسرت ما تبقى لديها من شعور بالأمان والانتماء.

المصدر: الصفحة الشخصية لآية محمد على فيسبوك
آية لم تتوانى للحظة بل تقدمت ببلاغ رسمي، وخضعت ضمن سلسلة الإجراءات لفحص الطب الشرعي بأسرع وقت ممكن، والذي أثبت وجود أدلة مادية تدعم بلاغها، إلا أنها بحسب أقوالها “تعرضت لمحاولات ممنهجة لتشويه والاضرار بسمعتي من خلال نشر ادعاءات كاذبة بخصوص صحتي النفسية بهدف التأثير على الرأي العام وتقويض مصداقيتي “.


المصدر: الصفحة الشخصية لآية محمد على فيسبوك
وتضيف أن المتهم غادر مصر لاحقا، لتنتظر بعدها ستة أشهر إلى حين تحديد جلسة قضائية للنظر في القضية بالرغم من وجود بلاغات وتقارير رسمية، ما دفعها إلى نشر قصتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة لتحريك الرأي العام ودفع الجهات المعنية لتحديد مسار قانوني واضح للقضية.


المصدر:صفحة آية محمد الشخصية على فيسبوك
حين يصبح الصمت مستحيلاً
آية وبعد ما حدث معها نشرت سلسلة فيديوهات تحت وسم “أهلك_هم_جيشك_الوحيد_فماذا_لو_أصبحوا _عدوك_الأول؟”، تحكي فيه عن سنوات طويلة من المعاناة النفسية، بدأت منذ الطفولة، مرورا بمحاولات لإعادة بناء حياتها بعد الزواج، قبل أن تعود إلى نقطة الانهيار وهي محاولة الانتحار أكثر من مرة، مؤكدة أن ما تطالب به اليوم ليس تعاطفا أو تصديقا من الجمهور، بل حقها في مسار قانوني عادل وسريع.
فيما تؤكد آية أنها مستعدة للمساءلة القانونية إذا ثبت عدم صحة روايتها، لكنها تطالب في المقابل، بضمان محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن ما تعرضت له أو عن محاولات التشهير بها، معتبرة أن القضية لم تعد قضية فردية، بل قضية تمس المجتمع بأكمله.
قضية تتجاوز شخصا واحدا
تطرح هذه الشهادة، بصرف النظر عن مسارها القضائي، أسئلة عميقة حول الاعتداءات التي تقع داخل الأسرة، والتي توصف حقوقيا بأنها من أكثر أشكال العنف صمتا وصعوبة في الكشف، بسبب تشابك الروابط العاطفية والاجتماعية والخوف من الوصمة أو التفكك الأسري.
المحامي والحقوقي محمود قنديل يؤكد في حديثه لـ”عابر”، على أن لجوء الضحايا إلى الرأي العام ووسائل التواصل الاجتماعي بحثا عن العدالة لا يجب أن يقرأ كخيار طبيعي، بل كإشارة مقلقة إلى وجود خلل في منظومة الحماية القانونية والعدلية، إذ أن الأصل في أي دولة تحترم سيادة القانون هو أن تشعر الضحية بالأمان الكافي للتوجه إلى المؤسسات الرسمية، من الشرطة إلى النيابة العامة والقضاء، دون خوف من الضغط الأسري أو المجتمعي، ودون خشية من إفلات الجاني من العقاب.
ويشير قنديل إلى أن اضطرار الضحية لكشف قصتها علنا لا يعني فقط البحث عن العدالة، بل قد يكون صرخة استغاثة في وجه منظومة لم توفر لها الحماية الكافية، كما أن هذا المسار قد يعرض الضحايا لمخاطر نفسية واجتماعية وقانونية إضافية، من الوصم المجتمعي إلى إعادة إحياء الصدمة، ما يضاعف من حجم الانتهاك الذي تعرضن له أساساً.
ويضيف أن العدالة الحقيقية لا يجب أن تكون رهنا بالضغط المجتمعي أو التفاعل الإعلامي، بل بوجود منظومة مؤسساتية فعالة تضمن حماية الضحايا، وملاحقة الجناة، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، خاصة في الجرائم التي تقع داخل نطاق الأسرة، حيث تتضاعف هشاشة الضحية وتتراجع فرص الإبلاغ والمحاسبة.

الأرقام الرسمية لا تعكس الواقع
لا توجد إحصاءات رسمية حديثة دقيقة عن الاعتداءات الجنسية داخل الأسرة في مصر، لكن الدراسات والاستطلاعات تشير إلى أن الانتهاكات الجنسية والتحرش منتشرة على نطاق واسع في المجتمع المصري، حتى لو لم تسجل أغلبها رسميا.
ووفقا لبيانات الباروميتر العربي، أفادت نحو 63% من النساء بتعرضهن لشكل من أشكال التحرش الجنسي خلال 12 شهراً، فيما بلغت نسبة التعرض العام للتحرش (اللفظي أو الجسدي)42% عبر الفئات العمرية.
ورغم قوانين مكافحة التحرش وتشديد العقوبات في السنوات الأخيرة، فإن العديد من الحالات لا يتم الإبلاغ عنها بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، واللوم، وعدم الثقة بالإجراءات القضائية، ما يجعل الإحصاءات الرسمية أقل بكثير من الواقع الفعلي.
الوصمة الاجتماعية وعوائق الإبلاغ
تشير منظمة العفو الدولية إلى أن الكثير من الضحايا يفضلن الصمت أو التعبير عن شهاداتهن بشكل مجهول بدل الإبلاغ الرسمي، نتيجة عدم الثقة في النظام القضائي، أو الشعور بأن الإبلاغ لن يقود إلى حماية حقيقية وأن غياب المحاسبة والتقاعس الرسمي يشجع استمرار العنف الجنسي، إذ تتعرض النساء أحيانا لجدار من اللامبالاة أو اللوم أو الإزدراء عند محاولة التقدم بالشكوى.
أما على المستوى العالمي، تؤكد ناشطات ومنظمات أممية أن العنف الجنسي داخل الأسرة أو الدوائر القريبة من الضحية من أكثر الجرائم صمتا وتعقيدا، بسبب الوصمة الاجتماعية والخوف من التفكك الأسري أو الانتقام.
وتوضح مراجعات هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الناجيات كثيرا ما يتعرضن لإعادة الإيذاء عبر اللوم والوصم أو التعامل غير الحساس داخل منظومة العدالة، وأن الخطابات الإعلامية أحيانا تعيد إنتاج التصورات التي تساعد على استمرار العنف ضد النساء والفتيات.
بدورها، ترى الناشطة جين فوندا أن أحد أهم إنجازات الحركة النسوية كان مساعدة الناجيات على إدراك أن الاعتداء الجنسي ليس خطأهن، في ظل ثقافة تربط الضحية باللوم الاجتماعي، وهو ما يزيد من الصمت والمعاناة النفسية، خصوصا في الاعتداءات التي تحدث داخل الأسرة.

بين الصدمة والتشكل النفسي
على الصعيد النفسي، يوضح الدكتور جمال فرويز استشاري الطب النفسي في حديثه لـ”عابر“، أن الاعتداء الجنسي عندما يقع داخل الأسرة يختلف جذريا عن الاعتداء خارجها، لأن الضحية تفقد في هذه الحالة ثلاث ركائز أساسية لتكوين الشخصية، الشعور بالأمان، والثقة بالنفس، والارتباط العاطفي مشيرا إلى أن فقدان هذه العناصر يضع الضحية في دائرة الاضطرابات النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب، الذي يصبح شبه حتمي في مثل هذه الصدمات العميقة.
ويلفت فرويز إلى أن الاعتداءات داخل الأسرة موجودة بشكل واسع، لكنها من أكثر الجرائم صعوبة في الكشف أو الإبلاغ، لأن الضحية تكون في مواجهة أشخاص يفترض أن يكونوا مصدر الأمان لها، مستذكرا أنه خلال عمله واجه حالات متعددة لضحايا تعرضوا لانتهاكات داخل الأسرة، من بينها حالات كان فيها الجاني تحت تأثير مواد مخدرة، أو حالات فضلت فيها الضحايا الصمت لسنوات طويلة خوفاً من تفكك الأسرة أو الأذى الذي قد يلحق بالإخوة أو الأم.
ويحذر من الاعتقاد بأن هذه الجرائم ترتبط بطبقة اجتماعية أو مظهر خارجي معين، مؤكدا على أن الاعتداءات قد تحدث في بيئات مختلفة وخلف أبواب مغلقة، وأن كثيرا من الضحايا يعيشون آثار الصدمة لسنوات طويلة قبل القدرة على الإفصاح أو طلب المساعدة، وغالبا بعد ظهور اضطرابات نفسية أو سلوكية أو علاقات مرتبطة بالصدمة الأصلية.
وفيما يتعلق بمشاركة الضحايا لقصصهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يرى فرويز أن اللجوء إليها قد يكون في بعض الحالات محاولة لطلب الحماية أو كسر الصمت، لكنه يحذر من أن التفاعل العاطفي والانفعالي غير المتخصص قد يضاعف الضغط النفسي على الضحية أو يعرّضها وبيئتها لمزيد من الأذى.
ويؤكد أن التعافي ممكن، لكنه يعتمد بشكل أساسي على التدخل العلاجي النفسي المتخصص والدعم الأسري والمجتمعي، مشددا على ضرورة التعامل الإعلامي مع هذه القضايا بحساسية عالية، عبر حماية هوية الضحايا وعدم كشف أي تفاصيل قد تعيد إيذاءهم نفسيا أو اجتماعيا.


المصدر: الصفحة الشخصية لآية محمد على فيسبوك
