الخميس، 22 أكتوبر 2026
صحافة لأجل الانسان
قدّم تحقيقك
في العمق مصر

سجين من “بدر” إلى أبو زعبل يكشف استمرار مستعمرة “الجذام” في مصر

في مصر، لم يعد الجذام ــ المعروف طبيًا بداء هانسن ــ المرض الذي يستوجب عزل المصابين كما كان الحال لعقود. فعلى الرغم من كونه مرض بكتيري مزمن إلا أنه يمكن الشفاء منه بالعلاج متعدد الأدوية. وهذا ما تؤكده منظمة الصحة العالمية في أكثر من مناسبة وتقول أن المريض يتوقف عن نقل العدوى بعد بدء العلاج. ولأجل ذلك تحديدًا، ومع تطور وسائل العلاج والتركيبات الدوائية، تراجعت سياسة عزل المصابين في العالم، واتجهت مصر إلى دمج المرضى في المجتمع وإنهاء النموذج القديم لمستعمرات الجذام.

لكن في أبو زعبل، بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)، لا تزال آثار ذلك النموذج قائمة. فمنذ عام 1933، كانت المستعمرة واحدة من أبرز الأماكن التي أنشأتها الدولة المصرية لعلاج مرضى الجذام، وكذلك من أجل إبعادهم عن المجتمع في الوقت نفسه، ومع مرور العقود، نشأت داخلها حياة كاملة، ولم تختف كل المنشآت التي ارتبطت بفكرة العزل؛ من بينها سجن مخصص للمحكوم عليهم المصابين بالجذام.

هنا تكمن القصة…

في 16 أبريل (نيسان) 2026، التقطت وثيقة حصلت عليها “عابر” خيطًا حديثًا يقود إلى هذا المكان وهي عبارة عن بيانات رجل مصاب بالجذام، من مدينة دشنا بمحافظة قنا جنوب مصر، تظهر إلى جوار بياناته ملاحظة مرتبطة بجهة شرطية، بينما تشير بيانات الإقامة إلى قنا، مسقط رأسه. الوثيقة لا تقول إن الرجل كان في أبو زعبل، لكنها قادت “عابر” إلى تتبع مساره، وتكشف مصادر تحدثت إل

ى مُعدة التقرير، أنه كان يقضي عقوبته في مركز إصلاح وتأهيل بدر، شرق القاهرة، قبل أن يُنقل بعد اكتشاف إصابته بالجذام إلى سجن مستعمرة أبو زعبل.

هذه الرحلة من سجن حديث إلى سجن داخل مستعمرة للجذام تفتح سؤالًا يتجاوز حالة الرجل نفسه ماذا يعني أن يظل سجن مخصص للمصابين بالجذام قائمًا في مصر عام 2026، بينما تقول السياسة الصحية الرسمية إن الجذام لم يعد يستوجب عزل المريض؟ وللإجابة، تتبع “عابر” تاريخ المكان، وما بقي من وظيفته القديمة، وحياة أشخاص عاشوا داخله لعقود، وصولًا إلى واقعة حديثة أعادت سجينًا مصابًا بالجذام إلى ما وراء البوابة.

داخل مستعمرة “الجذام”، توجد مساحة منفصلة للمحكوم عليهم المصابين بالجذام، ووفق التوثيق الميداني لمحررة “عابر”، يقع المكان على مسافة تقارب 300 متر من مدخل المستعمرة، وتحيط به الأسوار، وتفصله عن بقية المكان بوابة حديدية عليها حراسة أمنية.

وجود السجن ليس جديدًا، لكن ظهوره في حالة حديثة يضعه أمام واقع طبي تغير بصورة كبيرة. 

في يناير (كانون الثاني) 2025، قا‘لت وزارة الصحة والسكان إن مرضى الجذام لم يعد يتم استقبالهم في المستعمرات، وإن علاج الحالات يجري في أقسام الأمراض الجلدية في المستشفيات. وقالت الوزارة إنه لا توجد توصية طبية على مستوى العالم بعزل مرضى الجذام أو حجزهم في مستعمرات، وإن المريض يصبح غير معدٍ منذ تلقي أول جرعة من العلاج. 

وفي يونيو (حزيران) 2026، قال نائب وزير الصحة عمرو قنديل إن مريض الجذام يصبح غير معدٍ بعد الجرعة الأولى، وإن العلاج متوفر مجانًا في عيادات الجلدية التخصصية بالمحافظات، ضمن خطة مصر للقضاء على المرض بحلول 2030.

إذا كان هذا هو الوضع الطبي الذي تعلنه الدولة، فلماذا توجد داخل أبو زعبل مساحة مخصصة لسجناء مصابين بالجذام؟ وما الذي يجعل السجين حالة مختلفة عن مريض الجذام الذي يتلقى علاجه في عيادات خارجية بالمستشفيات المصرية دون حجز؟ الوثيقة لا تجيب عن السؤال، لكنها تضع حالة حديثة أمامه.

سجن داخل مكان أنشئ للجذام

تقع مستعمرة أبو زعبل في نطاق مركز الخانكة بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)، ولا تزال وزارة الصحة والسكان تدرجها ضمن منشآت الجذام التابعة لها، بعنوان: الخانكة – أبو زعبل – القليوبية.

أنشأت الدولة المصرية المستعمرة عام 1933، في وقت كان الجذام يعامل صحيًا واجتماعيًا باعتباره مرضًا يستدعي فصل المصابين عن المجتمع.

لم تكن أبو زعبل مجرد مستشفى

مع مرور السنوات، تشكل داخلها مجتمع كامل يضم أماكن للعلاج والعمليات والعيادات والصيدلية والمعمل والعلاج الطبيعي، إلى جانب العنابر والمساكن والخدمات والمقابر والأراضي الزراعية.

وفي التوثيق الميداني لـ”عابر”، تظهر آثار هذا التكوين حتى اليوم؛ فالمكان لا يشبه مستشفى يعمل فيه المرضى والموظفون ثم يغادر الجميع، وإنما مساحة نشأت داخلها حياة مستقرة لأشخاص عاشوا فيها سنوات طويلة.

جاء إنشاء أبو زعبل بعد بداية إنشاء عيادات متخصصة لعلاج الجذام في القاهرة عام 1929، ضمن محاولة لبناء منظومة متخصصة لمكافحة المرض. وفي ذلك الوقت، لم يكن العلاج المتاح يشبه ما هو موجود اليوم، ولذلك ارتبطت المستعمرات بفكرة الإقامة الطويلة والعزل، وكان هذا المنطق مدعومًا أيضًا بالقانون رقم 131 لسنة 1946 بشأن مكافحة الجذام، والذي منح السلطات الصحية صلاحيات واسعة للكشف على المشتبه في إصابتهم والتحفظ على المرضى وعزلهم وفق الإجراءات التي تحددها السلطات الصحية، وفي ذلك الوقت، كان المريض يدخل منظومة لا تفصل بين العلاج والعزل، أما اليوم، فقد تغيرت هذه المعادلة.

مرض تغيّر علاجه

الجذام، أو داء هانسن، مرض بكتيري مزمن يصيب الجلد والأعصاب الطرفية، لكنه قابل للعلاج، وفق منظمة الصحة العالمية يتوقف المريض عن نقل العدوى بمجرد بدء العلاج، وإن التشخيص والعلاج المبكرين يساعدان على منع الإعاقات الناتجة عن المرض.

وبذلك لم يعد المرض، من منظور الطب الحديث، قائمًا على فكرة إبقاء المصاب بعيدًا عن المجتمع طوال فترة مرضه، هذا ما تعكسه أيضًا السياسة التي أعلنتها الجهات المصرية المعنية. ففي 2025، قالت الوزارة إن الحالات الجديدة لا يتم استقبالها في المستعمرات بغرض عزلها، وإن العلاج يتم في أقسام الأمراض الجلدية  في المستشفيات.

“لم يكن يبدو سجينًا”

قبل أن تظهر حالة 2026 في الوثائق، كان سجن المستعمرة حاضرًا في ذاكرة من عاشوا داخلها، يوسف أحمد، أحد مرضى المستعمرة، كان في الثانية عشرة من عمره عندما رأى أحد السجناء للمرة الأولى، كان يلعب مع أطفال آخرين بالقرب من الطريق المؤدي إلى السجن، عندما خرج رجل من البوابة بصحبة حارس، الرجل لم يكن يرتدي ملابس السجن كما تخيل يوسف، اقترب من السور، وتوقف عند مجموعة من الأطفال، قبل أن يناديه أحدهم باسمه ويرد عليه، عندها عرف يوسف أن الرجل ليس شخصًا غريبًا عن المكان، كان واحدًا من المرضى الذين يعرفهم سكان المستعمرة، لكنه يعيش خلف البوابة لأنه محكوم عليه.

المشهد بقي في ذاكرة يوسف لأن الرجل لم يكن يبدو بالنسبة إليه سجينًا” بالمعنى التقليدي للكلمة، كان مريضًا مثل الآخرين، يعرفه أهل المكان، ويتعاملون معه، لكنه يعود في نهاية اليوم إلى مساحة يغلق بابها خلفه الحراس.

مع مرور السنوات، عرف يوسف بعض الموجودين في السجن، ومواعيد الزيارات وحركة الحراس، وكان يلاحظ أن المحكوم عليه يعيش في جوانب كثيرة من حياته مثل بقية المرضى يأكل مثلهم، ويتلقى العلاج مثلهم، ويسأل عن أهله مثلهم. ظل هذا المشهد حاضرًا في ذاكرته حتى بعد مرور نحو ستة عقود. هذا آخر ما يتذكره يوسف، عن سجن مستعمرة الجذام وهو يتحدث لـ”عابر”. 

السجن الذي لم يعد يستقبل سجناء

رواية يوسف تتعلق بمرحلة قديمة، لكن مصدرًا طبيًا من داخل المستعمرة رفض ذكر اسمه  تحدث إلى “عابر” عن وضع السجن في السنوات الأخيرة، وقال: إن السجن كان يستقبل الحالات التي ترحل من وزارة الداخلية، وإن السجين كان يظل فيه طوال فترة العقوبة، لكن المصدر يؤكد أن السجن، منذ عام 2023، لم يستقبل أي مسجون مريض بالجذام.

المعلومة تبدو مهمة لأن حالة 2026، إذا صحت رواية المصادر بشأنها، جاءت بعد فترة توقف فيها استقبال السجناء المصابين بالمرض، لحوالي 3 سنوات، بحسب المصدر الطبي.

سيارة ترحيلات في المستعمرة

وفي هذا السياق، يتذكر المصدر دخول سيارة ترحيلات إلى المستعمرة، نزل منها سجين جاء لإجراء كشف طبي، بينما ظلت إجراءات الحراسة قائمة حوله، لم يكن واضحًا في البداية أن الرجل سيبقى في المكان، كان الكشف الطبي هو الخطوة التي ستحدد ما سيحدث بعد ذلك، لكن بعد ظهور إصابته بالجذام، تغير مسار الحالة، بحسب المصدر أصبح أمام العاملين شخص يحتاج إلى العلاج، وفي الوقت نفسه ملزمًا باستكمال عقوبته السجنية.

يقول المصدر إن ذلك أدى إلى حالة من الارتباك بشأن مكان وجوده، وطريقة التعامل معه، والجهة التي ستتولى متابعته، وكيفية الجمع بين الإجراءات الطبية والأمنية، وفي اليوم التالي، دخل الرجل إلى السجن الموجود داخل المستعمرة ولم يخرج منها حتّى نشر هذه المادة.

بالنسبة إلى العاملين في المستعمرة، لم تعد المسألة مجرد كشف طبي لسجين؛ فقد عاد المكان المخصص للمحكوم عليهم المصابين بالجذام إلى العمل، لكن هذه الواقعة تطرح سؤالًا مختلفًا عن سؤال وجود السجن في الماضي، إذا كان السجن لم يستقبل، بحسب المصدر، أي مسجون مصاب بالجذام منذ 2023، فما الذي أعاد استخدامه في 2026؟ ولماذا يذهب السجين إلى مكان مختلف؟

يرى المصدر الطبي من داخل المستعمرة أن هناك تناقضًا يحتاج إلى تفسير. ويقول لـ”عابر” إن وزارة الصحة لا تحجز مرضى الجذام، وإنما تحولهم إلى عيادات خارجية، متسائلًا عن المعايير التي يتم على أساسها التعامل مع السجين المصاب بالمرض.

وهو بدوره أيضًا يطرح سؤالًا مباشرًا: لماذا يُحجز مريض الجذام إذا كان سجينًا، بينما لا يتم حجز المرضى الآخرين وتُقدم لهم الرعاية من خلال العيادات الخارجية؟ ويصف المصدر طريقة التعامل مع الحالات بأنها تتسم بـ”التخبط”.
وفي فبراير شباط 2025، وضعت مصر أمام المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية مسارًا مختلفًا في التعامل مع الجذام، معلنةً أن قانون العزل الإجباري لمرضى الجذام يجري إلغاؤه، وأن خططًا يجري إعدادها للتخلص تدريجيًا من مستعمرات الجذام، في خطوة قالت إنها تستهدف الحد من الوصمة والتمييز المرتبطين بالمرض، ولم تطرح المداخلة العزل باعتباره جزءًا من مستقبل مكافحة الجذام، بل تحدثت عن إجراءات وقائية للمخالطين والكشف المبكر والمتابعة للحد من الإعاقات؛ أي الانتقال من عزل المصاب إلى اكتشاف الحالات ومتابعتها وعلاجها داخل منظومة صحية. 

لم يكن الجدل حول مستعمرة أبو زعبل متعلقًا بالسجن وحده، في مايو (أيار) 2023، ناقشت لجنة الشؤون الصحية في مجلس النواب أوضاع مرضى الجذام، وأوصت بإلغاء استخدام كلمة “مستعمرة” من اسم المنشأة، بسبب الدلالة المرتبطة بالعزل والوصمة، التوصية جاءت في وقت أصبح فيه الجذام مرضًا يمكن علاجه، ولم تعد الإقامة في مستعمرة هي المسار المعلن للحالات الجديدة، لكن المنشأة نفسها استمرت، والوزارة لا تزال تدرج أبو زعبل ضمن منشآت الجذام التابعة لها، فيما بقيت داخل المكان مبانٍ وخدمات ومقيمون ارتبطوا بالمستعمرة على مدى عقود، وبقي أيضًا السجن.

وبالتالي، فإن استمرار مكان مخصص للمحكوم عليهم المصابين بالجذام يحتاج إلى تحديد واضح لوظيفته. وإذا كان السجين المصاب يتلقى العلاج مثل بقية المرضى، فما السبب الذي يجعل مكان احتجازه مختلفًا؟

وتواصلت “عابر” مع المتحدث الإعلامي باسم وزارة الصحة المصرية دكتور حسام عبد الغفار، لمعرفة تفاصيل أكثر حول هذا الموضوع خصوصًا لجهة استقبال المستعمرة لسجين بعد توقفها عن ذلك لأكثر من 3 سنوات، ولكن لم تلق أي رد على الأسئلة المطروحة حتّى نشر هذا التقرير.