سجون الابتزاز: الأسيرات الفلسطينيات يُجبرن على خوض “مقايضة الكرامة” بين فوطة صحية ومعلومات استخباراتية

عابر – فلسطين
في الوقت الذي تدفّقت فيه مئات الروايات المصوّرة والموثّقة عن مرارة الحياة في غزة تحت وطأة الحرب وارتفاع الأسعار، يبقى فصلٌ كامل من المعاناة طيَّ الكتمان: ما تتعرّض له الأسيرات داخل سجون الاحتلال. وتتضاعف المأساة عندما يتعلّق الأمر باحتياجاتهن الصحية كامرأة؛ ففي زنازين تفتقر إلى أدنى المقوّمات، تُجبر الأسيرات – خصوصًا خلال فترات الدورة الشهرية – على مواجهة الألم والبرد القارس بلا مسكنات أو مستلزمات للنظافة الشخصية.
وتكمن المفارقة المأساوية في أن الخوف من الإفصاح عن هذه المعاملة القاسية والمهينة ، خشية الوصمة المجتمعية أو التخلي الزوجي ، يتحوّل إلى قيد أشد وطأة من قيود السجن نفسها.

ووفقًا لتقرير نشره المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان – والذي وثّق واحدة من أبشع الجرائم التي يمكن أن تُرتكب بحق الإنسان – استنادًا إلى إفادات جمعها محامو المركز وباحثوه، فقد رُويت شهادات مروّعة عن حالات اغتصاب ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلية بحق مدنيين فلسطينيين، من بينهم نساء، جرى اعتقالهم من مناطق متفرقة في قطاع غزة خلال العامين الماضيين.
وتكشف هذه الشهادات أن عمليات الاعتقال نُفّذت من دون أي مبرّر قانوني، سوى أنّ الضحايا من سكان قطاع غزة، وذلك في إطار سياسة عقابٍ جماعي تستهدف إذلال الفلسطينيين وإلحاق أقصى درجات الأذى النفسي والجسدي بهم. وتأتي هذه الممارسات ضمن نهجٍ ممنهج يُعدّ أحد أوجه تنفيذ جريمة الإبادة الجماعية التي ما تزال متواصلة ضد الشعب الفلسطيني في القطاع.
رحلة لا تُمحى
“يا ليت بوسعي أن أمحو هذا الجزء من ذاكرتي… لفعلت دون تردّد. لكن هذه الذاكرة تبقى الشاهد الحي على إجرام هذا الاحتلال.” بهذه الكلمات بدأت سامية – اسم مستعار، تبلغ من العمر 39 عامًا – سرد حكايتها. اعتُقلت من بيت لاهيا شمال غزة لمدة شهرين، وانتُزعت من بين أطفالها الثلاثة، تاركةً عائلتها في قلق مضاعف لا ينتهي.
وضعت سامية راحة يدها على وجهها وهزّت رأسها، وقد اختنق صوتها بالبكاء وهي تستعيد رحلة الاعتقال منذ لحظتها الأولى. وقالت:
«منذ اللحظة الأولى التي وُضعنا فيها على طريق المعتقل، بدأ الانتهاك. لم تكن مجرد عملية اعتقال، بل كانت رحلة تعذيب متواصلة. بدأ التحرش بنا أثناء السير؛ كانت نظراتهم الوقحة تخترق أجسادنا، ترافقها كلمات خادشة للحياء لا يمكن أن ينطقها بشر».
تضيف سامية:
«قبل أن نصل إلى البوابة، كانت الإهانة تتصاعد بشكل متعمّد، حتى في أدق التفاصيل. فعندما أُجبرنا على ارتداء الزي الموحّد، تعمّدوا أن يعطوا كل أسيرة مقاسًا أصغر من مقاسها الحقيقي. لم يكن الأمر خطأ، بل كان مقصودًا بهدف التنمّر والسخرية من أجسادنا. كنا نسمع همساتهم وتعليقاتهم الوقحة: “انظروا إلى هذه السمينة” أو “تلك النحيفة”، فيما يتعرّض الجزء المكشوف من أجسادنا للمزيد من الإهانة».
وتتابع:
«لكن ذروة الإهانة والاعتداء كانت داخل الباصات. كنّا مكبّلات بالأصفاد بلا حول ولا قوة، ورغم ذلك لم يتوقفوا عن لمس أعضائنا التناسلية والمناطق الحساسة، محوّلين رحلة النقل إلى تحرّش جسدي كامل تحت ستار الحراسة».
تصمت سامية قليلًا، ثم تقول بنبرة متقطعة:
«أنا خرجت من مجزرتين، لكن لم يترك شيءٌ أثره فيّ كما تركه إجبارهم لي على المشي عارية أمام الجنود أكثر من مرة بحجّة التفتيش».

حياة المعتقل
تنقل سامية لـ(عابر) تفاصيل ما واجهته الأسيرات بعد وصولهن إلى المعتقلات، وتتحدث عن الحياة اليومية تحت سطوة جنود الاحتلال، مؤكدة أن الحرب النفسية كانت تمارس عليهن بلا توقف، وتصل ذروتها خلال أيام الدورة الشهرية. وتقول بمرارة لا توصف:
«تخيّل المشهد… كنا نترجّى الجنود أن يعطونا فوطًا صحية أثناء الدورة الشهرية. نترجّى من سلب أرضنا وقتل أهلنا أن يمنحنا قطعة قماش صغيرة. وبعد كل هذا التوسّل والمعاناة، كانوا يعطوننا واحدة فقط في اليوم، وهي كمية لا تكفي إطلاقًا».
وتتابع:
«كانت النتيجة أننا نغرق بالدماء أمام أعين السجّانات، وفي خجل من بعضنا البعض. هذا الحرمان المتعمّد دفعنا إلى فعلٍ مؤلم يختصر قسوتهم: لم يكن أمامنا حلّ آخر… كنا نقصّ الجيوب الخاصة بسراويل الزيّ الموحد لنستخدمها كبديل بائس عن الفوط الصحية. كنا نمزّق جزءًا من لباسنا لنستر به عورتنا، بعدما تهالكت ملابسنا الداخلية. وبسبب هذه الإجراءات غير الصحية، بدأنا نعاني من الحكة في المناطق الحساسة، وتورّم الجلد… ومع ذلك لم يكترث أحد لآلامنا».
وتختتم سامية حديثها قائلة:
«لا أدري كيف أنسى ما عشته… كل يوم أستيقظ على حلم يعيدني إلى أيام الأسر، وكأنني ما زلت هناك».
ما عاشته سامية ليس استثناءً فرديًا ولا حادثًا معزولًا، بل جزء من سياسة ممنهجة يواجهها عدد كبير من الأسيرات الفلسطينيات. فبعد الإفراج الذي أعقب وقف إطلاق النار، لا تزال في سجون الاحتلال 52 أسيرة من أصل 9100 أسير، وجميعهن يعشن ظروف اعتقال شديدة القسوة.
هذه الأرقام تُجسّد استمرار المأساة التي روتها سامية بكل تفاصيلها؛ إذ تتعرض الأسيرات لحرمانٍ ممنهج ومضاعف، حيث تُنتهك خصوصيتهن ولا تُصان أجسادهن، ويُحرمن من أبسط حقوقهن اليومية في النظافة الشخصية والرعاية الصحية، خصوصًا خلال فترة الدورة الشهرية. وإلى جانب ذلك، تبقى الأسيرات عرضة للتحرش بأشكاله المختلفة طوال فترة الاعتقال، تمامًا كما حدث معهن أثناء النقل وفرض ارتداء الزي الموحد.

المرضعات داخل المعتقل
اعتُقلت تالا، البالغة من العمر 26 عامًا من مدينة غزة، في ديسمبر/كانون الأول 2023، وأُفرج عنها بعد شهر ونصف من الاعتقال. ومن سوء حظها أن فترة اعتقالها تزامنت مع كونها مُرضعًا. تقول:
«في لحظة الاعتقال كان صغيري نائمًا بين يدي. انتُزع مني بالقوة… سُحب بعنف من حضني ورُمي بعيدًا. رأيته يصرخ بينما كنت أتوسّل دون وعي: أنا مُرضع… أنا مُرضع. أُلقوا بي داخل مركبة الاعتقال، وكنت أكرر: قولوا لهم إنني مُرضع».
لم تقتصر معاناة تالا على لحظة الاعتقال أو فقدان رضيعها، بل عاشت قلقًا مضاعفًا، وهي تعلم أن عدداً من قريباتها قد استُشهدن في القصف، وأن معظمهن ما زلن تحت الأنقاض. تقول:
«كان همّي الأكبر: من سيهتم برضيعي وأطفالي؟ كنت أتساءل بوجع قاتل: هل تناولوا طعامهم؟»
كان وجع الروح على أطفالها، والموت الذي حصد أفراد عائلتها، يطغى على أي ألم جسدي آخر.
وتشير تالا إلى أن جسدها لم ينسَ رضيعها:
«بعد أيام قليلة، بدأ صدري ينتفخ بالحليب، وتحول الألم إلى عذاب لا يُحتمل. كنت أئنّ طوال الوقت، حتى دفعت معاناتي الأسيرات للتوسل من أجلي، فسمحوا لي بالذهاب إلى الطبيبة لسحب الحليب».
وتتابع، في ذروة ما عاشته من إهانة:
«عندما كنت أسحب الحليب، لم يُسمح لي بأي خصوصية؛ كل شيء كان يحدث أمام أعين الجنود».
وتختم شهادتها المؤلمة قائلة:
«كنت أبكي بشكل هستيري… لم أعرف على أي المصائب أبكي؛ على الحليب الذي حُرم منه رضيعي؟ أم على عائلتي تحت الركام؟ أم على ستري الذي هُتك؟».
تستمر تالا في رسم صورة العذاب اليومي، كاشفةً عن تفاصيل دقيقة:
«جزء مما أُجبرنا عليه كان بقاء الكلبشات (الأصفاد) على أيدينا حتى داخل الزنازين. هذا القيد المستمر شلّ قدرتنا على القيام بأبسط أمورنا بأنفسنا».
هنا يتجلى أن لا أحد في المعتقل يتمتع بالخصوصية:
«هذا الواقع المُرّ دفع الأسيرات إلى مساعدة بعضهن البعض في الدخول إلى دورة المياه، لأنه لم يكن بإمكاننا تلبية أبسط احتياجاتنا الشخصية ونحن مقيدات».
وتُعلق تالا بمرارة، ملخّصةً حالة انعدام الكرامة:
«في الحقيقة، جميعنا تم هتك سترنا أمام الجميع؛ أمام السجينات اللواتي رأين ضعفنا، وأمام الجنود والسجانين الذين كانوا يراقبون كل حركة. لقد فقدنا كل ذرة خصوصية؛ تحوّلت حياتنا إلى مسرح مكشوف، حيث لا يوجد جدار يستر امرأة في تلك الزنازين».
الانتهاك أمام القانون الدولي: دليل الإدانة
ما كشفت عنه شهادات الأسيرات من إذلال وتنكيل يومي لا يُمثّل كارثة إنسانية فحسب، بل يشكّل خرقًا مباشرًا وممنهجًا لأهم القوانين الدولية التي وقّعت عليها سلطة الاحتلال. فبحسب اتفاقية جنيف الرابعة ، وفقًا للاتفاقية التي صادقت عليها إسرائيل، يُعد كل ما يمارس ضد الأسيرات اعتداءً سافرًا على نصوص الاتفاقية؛ إذ تثبت المادة (97) أن ممارسات التفتيش العاري والإذلال المتعمّد أمام الجنود الرجال تشكّل جريمة دولية، حيث تنص بوضوح على أنه: “لا يجوز أن تُفتش المرأة المعتقلة إلا بواسطة امرأة.”
كما أن الحرمان المأساوي من الفوط الصحية والإجبار على استخدام الملابس كبديل يُعد إخلالًا صريحًا بـ المادة (87)، التي تنص على ضرورة توفير “المستلزمات اليومية الأساسية”. هذه الانتهاكات تحوّل أبسط الحقوق إلى أدوات للتعذيب، فتجعل شهادات الأسيرات أدلة دامغة على أن الإذلال المنهجي سياسة رسمية، وليس استثناءً.
وصفت المحامية المتخصّصة في ملف الأسيرات، وفاء جواد، واقعهن داخل سجون الاحتلال بأنه مأساوي محض، نتيجة الاعتداءات والانتهاكات الممنهجة التي لا تفرّق بين الجنسين. وأكدت أن الأسيرات يواجهن سياسة سجان لا يتردد في جعلهن عرضة للتحرش والاغتصاب، وهي أفعال وحشية يتعرّض لها أيضًا الأسرى والأطفال داخل السجون.
وبصفتها شاهدة عيان قانونية، فجّرت جواد صدمة مدوية بتأكيدها أنها رصدت حالة اغتصاب لإحدى الأسيرات داخل السجون، ما أدى إلى حملها. وقد تم التعامل مع هذه الكارثة الإنسانية بمنتهى القسوة، إذ عُزلت الأسيرة في إحدى غرف المستشفى إلى أن وضعت حملها، ثم نُزع الجنين منها قسراً، ما أدى إلى انهيارها نفسيًا وصحيًا بشكل كامل.
وأوضحت جواد أن أكثر الحالات المسجّلة والتي تم رصدها كانت اعتداء لفظي وجنسي، إضافةً للتحرش، ما يجعل جميع هذه الممارسات انتهاكًا صريحًا لكل القوانين الدولية ولحقوق المرأة الفلسطينية، مؤكدة أن مخالفة الاحتلال للقوانين المصادق عليها تمثل سياسة ثابتة وممنهجة.
الفوطة الصحية مقابل معلومة
لم تقتصر الانتهاكات على القسوة اللحظية، بل اتخذت شكلاً ممنهجًا من الابتزاز والإذلال. وتشير مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان إلى أن الاحتلال كان، قبل 7 أكتوبر، يبتز الأسيرات خلال فترة دورتهن الشهرية، ويقايضهن الحصول على الفوط الصحية واستخدام المراحيض مقابل تقديم معلومات.
وتدهور الوضع إلى كارثة بعد 7 أكتوبر، إذ أصبحت الفوط الصحية نادرة، وإن توفرت كانت ذات جودة منخفضة، ولا تُمنح الأسيرات بشكل دوري. كما أشارت المؤسسة إلى أن مستويات القمع والتعذيب وحرمان الأسيرات من المستلزمات الصحية والنظافة الشخصية قد ارتفعت، والأخطر هو منعهن من الاستحمام خلال فترة الحيض، مما يعرضهن مباشرة للأمراض.

التفتيش القسري كأداة عقاب: تؤكد المؤسسة أن الأسيرة التي ترفض التفتيش العاري تُعاقب بالعزل الانفرادي، ويُجبرن على خضوع تفتيش يشمل حركات استفزازية مثل مسك الأماكن الحساسة بقوة وعنف، إضافة إلى التحرش الجنسي واللفظي.
في الختام، تُدرج مؤسسة الضمير جميع هذه الأفعال ضمن “المعاملة المهينة للكرامة” والمخالفة لكل الاتفاقيات الحقوقية والقانونية، لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاق روما، إضافة إلى قواعد مانديلا التي تؤكد على حماية الأسيرات والأسرى، ومنع التعذيب، وعدم التعامل مع النساء على نحو ينطوي على الانحطاط الأخلاقي.
الصمت على الاغتصاب..اغتصاب
إن أشد ما يعقد المأساة هو الحاجز الاجتماعي الصامت الذي يخدم مرتكب الجريمة. يشير إسلام عبدو، مدير الإعلام في وزارة شؤون الأسرى والمحررين، إلى أن عدداً من التقارير الإسرائيلية تناولت بالفعل حالات اغتصاب بحق الأسيرات، لكنها لا تزال غير موثّقة رسميًا لدى الجهات الفلسطينية المعنية.
ويضيف أن السبب يكمن في الخوف والوصمة الاجتماعية؛ فالأسيرات يخشين التحدث عن هذه الانتهاكات المروعة، خشية الملاحقة أو فقدان مكانتهن، ليتحوّل المجتمع بذلك إلى سجان آخر لهن.
ويؤكد عبدو أن ثمن الصمت هو ضياع الحق، إذ يُحرم الأسيرات من العدالة، ولا يمكنهن الحصول على أي تعويض أو تعويض عن الأضرار، لأن ضحايا هذه الجرائم لا يتحدثن عمّا حصل داخل السجون، خوفًا على صورتهن ومكانتهن في الخارج.
ويختتم عبدو بالإشارة إلى أن جميع القوانين الدولية وحقوق الإنسان التي يُفترض أن يلتزم بها الاحتلال تُعدّ قوانين شكلية، إذ لم تنصف 2.5 مليون فلسطيني تعرضوا لحرب إبادة، فكيف لها أن تنصف الأسيرات اللواتي يضطررن للتضحية بحقهن في الشكوى خوفًا من المجتمع؟
الرضوض النفسية واثارها على المعتقلات
وفي هذا الصدد، تؤكد الدكتورة نورهان سالم، الطبيبة النسائية والنفسية، بحسب متابعتها واهتمامها بمواضيع حقوق الإنسان، أن صحة النساء النفسية تتأثر بشكل كبير، خصوصاً بعد تعرضهن لأشهر تحت ضغط نفسي هائل يرافقه الحرمان الجسدي من الجوع والعطش والبرد. وتشدد الدكتورة نورهان على أن هذا الضغط النفسي الحاد لا يقتصر تأثيره على العقل، بل يتجاوزه ليؤثر على صحة النساء الإنجابية بشكل مباشر، حيث يخل بالتوازن الهرموني ويترك بصماته على الخصوبة وجودة البيوض.
إن الخطورة الأكبر تكمن في أن الموضوع لا يقتصر على خروجهن من الأسر، إذ أن هذه الآثار النفسية العميقة تستمر مع الأسيرة المحررة، لا سيما أن المجتمعات في الوطن العربي لا تهتم بمعالجة الآثار النفسية وتفضل الكبت، ما يحول دون حصولهن على الدعم النفسي المتخصص اللازم للتعافي من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) وبصمات التعذيب الذي عاشته الروح داخل تلك الزنازين.
