رياضيون “رواد” بلا رعاية ولا تقديمات بسبب قانون “منقوص” التنفيذ

عابر- العراق

منير الجبوري

يعاني غالبيّة الرياضيين (الرواد) في العراق، ظروفًا معيشية صعبة للغاية، حتّى في تأمين أبسط مستلزماتهم الأساسيّة، مثل المأكل والمسكن، ويتفاقم هذا الواقع أكثر، في حال أُصيب اللاعب بمرض أو تدهورت حالته الصحيّة، في ظل غياب الدعم الرسمي والقانون الذي يعاني قصورًا في التنفيذ منذ حوالي 13 سنة.

ولا تقتصر المسألة على الجهات الرسمية، بل تمتد إلى النوادي الرياضية التي تُهمل الرياضيين بعد إصابتهم بالمرض. اللاعب السابق في نادي “القوة الجوية” حنون مشكور، واحد من هؤلاء، كان قد لمع إسمه لسنوات طويلة، كأحد الأعمدة المتصدية للخصوم في “المستطيل الأخضر”، وهو مصطلح رياضي يُطلق على ملاعب كرة القدم، لكنه متروك راهنًا في مواجهه خصمه الشرس “السرطان”.

لم ألق إلا الإهمال

يروي مشكور (72 سنة) لـ “عابر” كيف أمضى سنوات حياته السابقة، ويقول: “مثلت العراق والنادي محليًا ودوليًا من خلال المنتخب العراقي العسكري، وكان خير تمثيل،  لكن في النهاية لم ألق إلا الاهمال” ويضيف: “لم تدعمني إدارة النادي الذي كرست له حياتي في مسألة علاجي في الخارج، ولم يأتِ أحد لزيارتي، رغم ما قدمته للنادي منذ عام 1969 ولغاية 1984″، إذ بعد هذه المدة انتقل مشكور إلى العمل الإداري داخل النادي، وهذا ما يعتبره: “تاريخ من العمل الذي لا يمكن نسيانه أو تجاهله”.

يُحدثنا مشكور أكثر، فيُخبرنا عن وضعه الصحي ويقول: “قبل عامين تقريبًا، اُصبت بمرض السرطان الرئوي، وكان في مراحله الأولى ويمكن معالجته خارج العراق، لكن للأسف ظروفي المادية منعتني من السفر وتوفير العلاجات اللازمة” ويضيف: “اقترضت أموالًا وحاولت رهن منزلي بسبب تكاليف العلاج البالغة حتّى الآن 30 مليون دينار عراقي (ما يعادل 200 الف دولار) علمًا أن مشكور كان قد طالب إدارة النادي وآخرين بدعمه من أجل تأمين علاجه، لكنه لم يجد آذانًا صاغية، وقد تفاقم وضعه الصحي وبات المرض في مراحله المتقدمة.

والأسوأ أن إدارة نادي القوة الجوية قطعت عنه راتبه الشهري: “منذ 11 شهرًا توقف النادي عن دفع راتبي البالغ 500 الف دينار (335 دولار)، رغم معرفتهم أنني المعيل الأساسي لعائلتي المكونة من 10 أشخاص” يقول مشكور، ويتابع: “نعيش حاليًا على ما اتقاضاه من الراتب التقاعدي البالغ 600 الف دينار (400 دولار)” وهذا المبلغ لا يكفي حتمًا لتسديد تكاليف العلاج وشراء الطعام ودفع كلفة الفواتير الأساسيّة كالمياه والكهرباء.

ويختم في رسالة وجهها إلى المعنيين: “أفنيتُ حياتي من أجل العراق، مثلته في المحافل الدوليّة. كان يفترض أن تعتنوا جيدًا باللاعبين الرواد، لا تهملوا البقية كما فعلتم معي”. يُذكر أن مصطلح الرواد يُطلق على الرياضيين القدامى في العراق من أصحاب الانجازات المحليّة والدوليّة وبعد بلوغهم السن التقاعدي.

أقل راتب تقاعدي

وليس مشكور سوى واحد من رواد كثر، يعانون اليوم بسبب إهمالهم بعد خروجهم عن العمل، اللاعب الدولي السابق حيدر محمود، شخص آخر يروي معاناته أيضًا: “اللاعبين الرواد ضحوا بالغالي والنفيس من أجل أن يمثلوا البلد خير تمثيل في البطولات الخارجية لكن في المقابل لم يأخذوا استحقاقهم” يقول محمود.

ويضيف لـ”عابر”: “لم يُنصف أيّ مسؤول رفيع على مستوى رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو النواب  حقوق هذه الفئة”.

متسائلًا عن سبب استثناء اللاعبين “الرواد” من منح الأراضي في العراق(وهذا مكرس في القانون)، في حين توجد مئات الأحياء باسم فئات عراقية مثل حي المعلمين وحي الصحفيين وحي القضاة وحي الأطباء وحتّى حي الغجر لكن لا يوجد حي الرياضيين لغاية اللحظة في أيّ منطقة عراقية.

ويبدي محمود استغرابه من الاجراءات المجحفة التي تطال الرواد وعائلاتهم اذ يقول”الراتب التقاعدي الذي يتقاضاه اللاعب الرائد هو 400 ألف دينار فقط، تقتطع منهم شركة الماستر كارد 18 ألف دينار وهذه سرقة موصوفة، يبقى 382 الف دينار (254 دولار) لا تكفي احتياجات شخص واحد من العائلة”.

ويعتبر محمود أن الأزمة الكبرى التي يتعرض لها الرواد وعائلاتهم هي عندما يتوفى اللاعب فيتمّ اقتطاع الراتب التقاعدي عن ذويه” وهنا يسأل: “من شرع هكذا قانون وعلى أيّ أساس؟ ومن ثمّ من أين ستعيش عائلات اللاعبين!”، علمًا أن الراتب التقاعدي هو الأقل مقارنة برواتب الفئات الاجتماعية الأخرى، ويختم “يتمّ تبخيس حقوقنا رغم كل ما قدمناه”.

غالبيّة بلا مأوى

وعلى المستوى القانوني، ينص قانون منح الرياضيين الابطال والرواد رقم (6) الصادر عام 2013، على صرف منحة مالية شهرية للرياضيين، تقديراً لإنجازاتهم وخدماتهم للرياضة العراقية، “لكنه للأسف لم يطبق حتّى اليوم”، يقول المحلل الرياضي سعد حافظ، إن القانون وبتوصيات من قبل رئاسة الوزراء، “وضع معايير خاصة بالرواد الرياضيين لكن مؤسف أنه لم يُفعل حتّى اليوم”.

ويضيف لـ”عابر”: “جميع الانجازات الرياضية التي تتحقق يقف خلفها الرواد الذين ينقلون خبراتهم الى اللاعبين في شتى الرياضات ومؤخرًا وصلنا إلى كأس العالم”، ويلفت إلى أنهم شريحة كبرى تستحق الدعم والرعاية الصحية والمعيشية، لا سيما أن الكثير منهم يعاني وضعًا صحيًا صعبًا للغاية، ولا يملكون مسكنًا خاصًا، وبعضهم يواجه مشكلات في دفع بدلات إيجار المنازل والبعض الآخر يعمل في مهن صعبة للغاية لتوفير قوت اليوم واحتياجات العائلة.

وإضافة إلى ذلك، يشير إلى أن “وزارة الشباب والرياضة توفر بعض الدعم المالي لكنها منخفضة جدًا لا تتجاوز 380 الف دينار (254 دولار) في ظل الغلاء المعيشي وارتفاع أسعار السلع والخدمات”.

13 عامًا مرّت

يصف مدرب حراس مرمى المنتخب السابق دكتور عبد الكريم ناعم القانون بالـ”ممتاز” لكن تمّ تشريعه مع وقف التنفيذ، وفي حديثه لـ”عابر” يقول: “لم تُنفذ الفقرات التي شُرعت في قانون الرواد باستثناء المنحة المالية المتدنية جدًا”.

إذ إن الخدمات والرعاية الطبية التي يحتاجها الرواد في كِبرهم لم تطبق وكذلك مضمون فقرات أخرى، يُعلق ناعم: “طالبنا جهات معنية وأوعز مجلس النواب العراقي بمخاطبات رسمية الى مجالس المحافظات تلزمها بتنفيذ القانون لكن مرّت 13 عام دون تطبيقه”.

ويبين أن “أعضاء نقابة الرياضيين التقوا مؤخرًا بوزير الصحة وطالبوا برعاية الرواد، ووعدنا خيرًا بإصدار بطاقات صحيّة خاصة لمراعاتهم عند تلقي الخدمات الطبية والاستشفائية”.

وفي سياق متصل، يستذكر الصحفي الرياضي إياد الصالحي خلال حديثه مع “عابر” كيف تمّ إقرار القانون، ويقول “هناك امتيازات كثيرة يمنحها القانون، وفق تصنيفات معينة تتعلق بالجوائز ومستوى البطولات، لكنه كان يحتاج إلى التنظيم الفعلي من الجهات ذات العلاقة كالاتحادات”.

ويعتبر أن ظهور الرياضي الرائد أمام شاشة التلفاز وهو يستغيث ويطلب من سياسيين ورجال أعمال الدعم تعتبر اساءة؛ على الدولة أن تقوم بواجبها وكذلك الاتحادات الرياضية” على اعتبار أن الأخيرة لا بد أن تعمل على تفعيل القوانين الخاصة بالرياضيين الرواد ووضع الأسماء المشمولة ودفعها باتجاه الجهة المسؤولة من أجل تفعيل الفقرات المنسية.

3750 رائد في بغداد  

وتعليقًا على هذا الواقع، قال مدير دائرة التربية البدنية والرياضة في وزارة الشباب والرياضة العراقية الدكتور موفق عبد الوهاب في حديث لـ”عابر”: “وفقًا لقانون الرواد (6) المادة (4) لسنة 2013 لكل رائد او بطل قطعة أرض سكنية بمساحة 200 متر مربع في مسقط رأسه اذا لم يكن مستفيدًا سابقًا”.

وأضاف: “يبلغ عدد المستحقين من الرواد والابطال 3750 في بغداد وحدها، لم يتسلم منهم سوى نسبة 2  في المئة، أما بجهود شخصية أو عن طريق الواسطة، على خلاف الرواد في المحافظات العراقية الأخرى أغلبهم تسلموا استحقاقهم في الأراضي” وبالتالي بقي الرواد ممن ليس لهم حول ولا قوة، وهم الأغلبية التي لم تحصل على قطعة الأرض التي نص عليها القانون.

وتابع: “بلّغنا الجهات المعنية في وزارة الاسكان والبلديات وأمانة بغداد ومحافظة بغداد ومنحنا الرواد التأييدات (كتاب يُعرف بأحقية الرياضيين الرواد من الجهات المعنية) اللازمة بهذا الخصوص ويبقى الأمر مرهون بتخصيص الأراضي من الجهات المذكورة”.

وفيما يتعلق بالجانب الصحي “وفق المادة (5) من القانون نفسه، فإن لديهم الحق في العلاج مجانًا وبضمان صحي” لكن هذا الأمر مقيد بطلب منح الرواد “تأييد” من قِبل دائرة الطب الرياضي التي بدورها تقرر حاجة الرائد الدخول الى المستشفى من عدمه بعد فحصه والاطلاع على حالته.  

الوزارة أتمت التزاماتها

من جهته، قال مدير اعلام وزارة الشباب والرياضة أحمد رحيم: “الوزارة أتمت كل ما عليها من التزامات تجاه اللاعبين الرواد و وفق القوانين التي شرعت من ناحية المنح المالية وحتى موضوع الرعاية الصحية وتم تسيير جميع المعاملات الخاصة بقطع الأراضي، لكن عملية توزيعها يقع على عاتق أمانة بغداد التي بدورها هي من تخصص عملية التوزيع. لافتًا إلى أن الوزارة رفعت كتب مرفقة بباركود لكل الرياضيين الرواد المستحقين لقطعة الارض. وهذا ما يتناقض مع ما يقوله الرواد على أرض الواقع.

وهكذا رحل عدد كبير من اللاعبين والمدربين الرواد بعد حياة مأساوية عاشوها في اخر سنوات حياتهم، بسبب سوء الوضع الصحي والمادي والمعيشي، ودائمًا ما يتم ذكر أسمائهم ومنهم: ناطق هاشم وعلي حسين وناظم شاكر وعلي هادي وغيرهم الكثير، على أمل أن يتبدل واقع الرواد والرياضيين في وقت قريب وأن يتحمل من هم في موقع السلطة مسؤولياتهم تجاه هذه الفئة.