ربيع جديد يطرق أبواب المغرب… بتوقيع “جيل Z” : من هم وما هي مطالبهم؟
عابر – المغرب

لليوم السابع على التوالي، يشهد المغرب احتجاجات متواصلة في مختلف مناطق البلاد. انطلقت هذه الاحتجاجات يوم السبت 27 سبتمبر/أيلول 2025، بدعوة رقمية أطلقتها مجموعة شبابية تُعرّف نفسها باسم “جيل زد 212”.
ورفع المحتجون شعارات تطالب بالتنمية وتوفير فرص العمل، ومكافحة الفساد، وتحسين الرعاية الصحية، وإصلاح نظام التعليم، إلى جانب مطالب أخرى. وقد واجهت قوات الأمن المغربي هذه التحركات بتدخلات أسفرت حتى الآن عن سقوط ثلاثة قتلى، ومئات الجرحى، إضافة إلى عدد من الموقوفين

شرارة الاحتجاجات
شهد المغرب صيفًا حافلًا بالأحداث المتسارعة، تخللته احتجاجات متفرقة رفع المشاركون فيها شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية. غير أن الشرارة الحقيقية لانطلاق التحركات جاءت عقب تجاهل السلطات المغربية لمطالب أهالي قرية “أيت بوكماز” في إقليم أزيلال (وسط البلاد)، حيث طالب السكان بإدماج منطقتهم في خطط التنمية، وفك العزلة عنها بتمديد شبكة الهاتف، وتعزيز المركز الصحي بطبيب مقيم.

وقد ساهم هذا التجاهل في تسريع نسق الغضب الشعبي، خصوصًا بعد وفاة ثماني نساء حوامل داخل قسم الولادة في مستشفى الحسن الثاني بمدينة أغادير (أحد المستشفيات الحكومية المغربية)، نتيجة ما وُصف بالإهمال الطبي. عندها تصاعدت وتيرة الاحتجاجات التي دعت إليها المجموعة الشبابية “جيل زد 212″، لتندلع التحركات في كبريات المدن المغربية مثل الرباط والدار البيضاء وأغادير وطنجة، قبل أن تتوسع وتشمل إحدى عشرة مدينة عبر البلاد.
تصاعد المواجهات: ثلاثة قتلى ومئات الجرحى

شهدت التحركات الاحتجاجية التي دعت إليها مجموعة “جيل زد 212 ” مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، أعلنت بعدها وزارة الداخلية المغربية عن سقوط ثلاثة قتلى في منطقة القليعة بإقليم إنزكان، إثر إصابتهم بأعيرة نارية خلال تصدي قوات الدرك لمحاولة اقتحام مسلح استهدف مركزًا أمنيًا.
وقالت سلطات عمالة إنزكان – آيت ملول، مساء الأربعاء، إن عناصر الدرك الملكي في القليعة “اضطرت” إلى استخدام السلاح في إطار ” الدفاع الشرعي عن النفس”، بعد محاولة محتجين اقتحام المركز والاستيلاء على الذخيرة والأسلحة الوظيفية. وأوضحت السلطات أن شخصين لقيا حتفهما على الفور متأثرين بإصابات نارية، فيما أصيب آخرون، قبل أن يُعلن لاحقًا عن وفاة ثالثة في صفوف المحتجين.

وفي تصريح رسمي، أكد الناطق باسم وزارة الداخلية رشيد الخلفي أن تدخلات الأمن جاءت “لحفظ النظام العام”، مضيفًا أن “بعض الأشكال الاحتجاجية شهدت تصعيدًا خطيرًا مسّ بالأمن والنظام العام، بعدما تحولت إلى تجمهرات عنيفة استُعملت فيها أسلحة بيضاء وزجاجات حارقة ورشق بالحجارة”.
وأشار الخلفي إلى أن هذه المواجهات تسببت في إصابة 263 عنصرًا من القوات العمومية بجروح متفاوتة، إضافة إلى 23 شخصًا من المتظاهرين، فضلًا عن إضرام النار وإلحاق أضرار جسيمة بـ 142 عربة تابعة للقوات العمومية و 20 سيارة مدنية.
مطالب “الجيل Z”
بعد أيام من انطلاق احتجاجات “جيل زد 212″، نشرت وسائل إعلام مغربية تقارير عن رسالة وجهتها الحركة مباشرة إلى الملك محمد السادس، تضمنت ثمانية مطالب إصلاحية عاجلة على المستويات السياسية والاجتماعية.
وجاء في المطلب الأول إقالة رئيس الحكومة وأعضائها، محمّلة إياهم مسؤولية فشل حماية القدرة الشرائية وضمان العدالة الاجتماعية. أما المطلبان الثاني والثالث فتركّزا على فتح مسار قضائي لمحاسبة الفاسدين عبر آليات الرقابة، وحل الأحزاب المتورطة في الفساد.

وطالبت الحركة في المطلب الرابع بـ تفعيل مبدأ المساواة وضمان فرص متكافئة للشباب في التعليم والصحة والعمل بعيدًا عن الزبونية والمحسوبية. فيما نص المطلب الخامس على تعزيز حرية التعبير والحق في الاحتجاج السلمي، ووقف التضييق على الشباب والطلبة والنشطاء باعتبارها حقوقًا دستورية.
وشدد المطلبان السادس والسابع على الإفراج عن جميع المعتقلين المرتبطين بالاحتجاجات السلمية والحركات الطلابية، مع التمييز بين من مارس حقه في التظاهر السلمي ومن لجأ إلى العنف.
أما المطلب الثامن فدعا إلى جلسة وطنية علنية للمساءلة برئاسة الملك، لمحاسبة الحكومة أمام الشعب على ما وصفته الرسالة بـ “التدبير الكارثي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية”.

وختمت الحركة رسالتها بمخاطبة الملك مباشرة: “لقد فقدنا الثقة في كل الوسائط السياسية القائمة؛ الحكومة، البرلمان، والأحزاب، بعدما تحولت من أدوات للتنمية والديمقراطية إلى سبب رئيسي في تفاقم الأزمة”.
وأضافت: “رسالتنا تعبير عن إرادة جيل جديد يرفض الاستمرار في دوامة الفساد والفشل، ويؤمن بأن مستقبل المغرب يمر عبر إعادة بناء الثقة بين الشعب والدولة على أساس المحاسبة، العدالة الاجتماعية وضمان الحقوق والحريات”.
انتقادات للسلطة في المغرب

بالتزامن مع انطلاق التحركات الاحتجاجية، نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية سلسلة تقارير وجهت فيها انتقادات مباشرة للملك محمد السادس، معتبرة أنه يعزز علاقاته القديمة مع المقربين داخل القصر الملكي لضمان استمرار حكمه. وأثارت الصحيفة جدلًا واسعًا بعد أن تصدرت صفحاتها بعنوان: “أجواء نهاية عهد الملك محمد السادس”، حيث طرحت تساؤلات حول الوضع الصحي للملك وترتيبات الخلافة، مشيرة إلى تزايد ظهور ولي العهد في مناسبات رسمية.
يُذكر أن الملك محمد السادس تولى الحكم يوم 23 يوليو/تموز 1999 في القصر الملكي بالرباط، عقب وفاة والده الملك الحسن الثاني.
من هم “الجيل Z ” ؟

تُعرَّف حركة “جيل زد 212” بأنها حركة شبابية مغربية مستقلة لا تحمل توجهات سياسية، اعتمدت في تنظيمها على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة تطبيق “ديسكورد” الذي يضم أكثر من 120 ألف عضو، إضافة إلى منصات أخرى. ويرى مراقبون أن هذه الحركة امتداد لاحتجاجات شبابية مشابهة في دول عدة، إذ برزت بعد نجاح شباب “جيل زد” في نيبال في الإطاحة بحكومتهم.

ويمثل “جيل زد” في المغرب الفئة العمرية بين 15 و30 عامًا، أي ما يقارب ربع السكان، في ظل معدل بطالة يصل إلى نحو 50 في المئة.
وفي بيان نشرته الحركة عبر منصتها الرقمية، دعت إلى بناء “مغرب يخدم الفقراء والمرضى والعاطلين، لا النخب السياسية”.
ويرى متابعون أن احتجاجات “جيل زد” التي تتصاعد في بلدان مختلفة تشبه من حيث الدينامية البدايات التي سبقت الثورات العربية عام 2011، لكنهم يؤكدون أن الفارق الجوهري يكمن في استقلالية هذا الحراك عن أي إيديولوجيا سياسية.
