السبت، 19 سبتمبر 2026
صحافة لأجل الانسان
عابر لبنان

خطف ومداهمات.. كيف يعيش سكان لبنان تحت وطأة التوغلات الإسرائيليّة؟ 

في حلتا، يعيش السكان تحت وطأة توغلات إسرائيلية متكررة تطال منازلهم وحياتهم اليومية، من مداهمات واحتجاز وتحقيقات تترك النساء والأطفال في حالة خوف دائم، فيما لا يعرف الأهالي متى تتكرر المداهمة من جديد. يحدث ذلك، في وقت تعيش فيه البلاد وضع أمني مأزوم جراء الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان، والتي تسببت حتّى اليوم بقتل الآلاف وتهجير مئات آلاف السكان.  

ففي 16 سبتمبر (أيلول)، خرجت من البلدة استغاثة عاجلة على لسان نساء قلن:”أنقذونا مع أطفالنا”، وطلبن تدخل الدولة اللبنانية والجيش اللبناني واليونيفيل والصليب الأحمر، بينما كانت قوة إسرائيلية تدخل المنطقة وتطوق عددا من المنازل، وسط إطلاق نار واحتجاز عدد من السكان للتحقيق، بحسب مصادر محلية وأمنية نقلت عنها وسائل إعلام لبنانية. 

وداخل أحد المنازل، كانت امرأة من أبناء حلتا تعيش تفاصيل المداهمة. تقول إن القوات دخلت المنزل، وأجبرت أفراد العائلة على البقاء في أماكنهم، وفصلت النساء عن الرجال، فيما جرى استدعاء الشبان واحدًا تلو الآخر للتحقيق، وبقيت النساء لساعات قبل أن تنسحب القوات من المنطقة.

وفي شهادات وتفاعلات نشرها أبناء حلتا خلال اليوم نفسه، تكررت تفاصيل عن دخول القوات إلى المنازل وتفتيشها، واستجواب النساء والرجال، واحتجاز شبان، إضافة إلى تفكيك ألواح الطاقة الشمسية وأجزاء من شبكة الإنترنت. 

وتحدثت روايات أخرى عن أخذ مبالغ مالية وذهب وهواتف من بعض المنازل، وهي تفاصيل تبقى منسوبة إلى أصحاب هذه الشهادات.

وبعد ساعات من العملية، أفادت وسائل إعلام لبنانية بانسحاب القوة بعد تفجير منزلين واقتياد أحد سكان حلتا، مع أضرار لحقت بمنازل وممتلكات في المنطقة، لكن 16 أيلول لم يكن أول دخول إسرائيلي إلى حلتا خلال الشهر.

3 أيلول.. قبل 13 يومًا

صباح 3 سبتمبر (أيلول) 2026، توغلت دورية إسرائيلية في مزرعة حلتا، وفرضت طوقاً على المنطقة وطلبت من السكان التزام منازلهم، كما فتشت عددًا من المنازل واحتجزت ثلاثة من أبناء البلدة هم قاسم محمد عبد العال، وزعل غسان عبد العال، وحاتم عبد العال، عضو بلدية كفرشوبا.

أفرج لاحقًا عن حاتم، بينما بقي قاسم وزعل قيد الاحتجاز وتمّ اقتيادهم إلى جهة غير معلومة، بحسب الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان. وتقول الهيئة إن حاتم، باعتباره شخصًا احتجز معهما ثم أفرج عنه، يشكل شاهدًا مباشرًا يمكن أن يوثق ظروف الاحتجاز والاستجواب ومسار القوة بعد مغادرتها المنطقة.

وتوضح هذه الواقعة أن ما عاشه سكان حلتا في 16 أيلول لم يبدأ في ذلك الصباح، فقد سبقتها عملية احتجاز وتفتيش وتطويق قبل أقل من أسبوعين.

مزرعة صغيرة في منطقة شديدة الحساسية

حلتا ليست بلدة مستقلة إداريًا عن كفرشوبا، بل مزرعة تتبع بلديتها في قضاء حاصبيا. وتقع ضمن منطقة العرقوب، في نطاق جغرافي يرتبط بالنزاع حول مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. وهذه الجغرافيا تفسر حساسية المنطقة، لكنها لا تفسر وحدها ما حدث داخل منازل حلتا في أيلول.

وحتى الآن، لم يظهر في البيانات المنشورة التي أمكن الوصول إليها والخاصة بعملية 16 أيلول في حلتا أسماء الأشخاص الذين احتجزوا. وينشر جيش الاحتلال الإسرائيلي بصورة دورية بيانات عن عملياته في جنوب لبنان، ويقدمها في إطار ما يصفه بمنع التهديدات والبنى التابعة لحزب الله. 

ومنذ العام 2023 بدأت الضربات الإسرائيلية على لبنان، وقد مرّ اللبنانيين بحربين في عام 2024 و2026، وطوال تلك الفترة، قصفت إسرائيل المنازل والمحال التجارية وفجرت قرى وبلدات بأكملها وخلقت خطًا أصفر يضمّ بلدات وقرى منعت أهلها من الدخول إليها.   

ومنذ بدء الحرب الثانية في 2 مارس (آذار) الماضي وحتّى 17 سبتمبر (أيلول)، قتلت إسرائيل 4386 شخصًا وجرحت 12407 أشخاص، وفق الحصيلة التراكمية للعدوان والأرقام الصادرة عن مركز عمليات الطوارئ التابع لوزارة الصحة العامة. 

وبذلك ترتفع الحصيلة الإجمالية للعدوان الإسرائيلي منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أيّ منذ دخول “حزب الله” حرب إسناد غزة، وحتّى اليوم، إلى 8953 قتيل و30643 جريح. 

وقبل العملية بأسبوع، في 9 سبتمبر (أيلول)، قال الجيش اللبناني إن الاعتداءات الإسرائيلية وأعمال الهدم والتفجير في الجنوب تعيق جهوده لإرساء الاستقرار وتنفيذ مهامه، وتؤثر في سيادة لبنان وأمنه.

مناشدات بالجملة

لم يكن اسم اليونيفيل غائبًا عن استغاثة سكان حلتا؛ فقد طلبت النساء تدخلها إلى جانب الجيش اللبناني والصليب الأحمر.

وتتمثل ولاية اليونيفيل في جنوب لبنان في دعم تنفيذ قرار مجلس الأمن 1701، ومراقبة وقف الأعمال العدائية، ومساعدة الجيش اللبناني في بسط سلطته في منطقة عملياتها. لكن وجودها في الجنوب لا يعني تلقائيًا قدرتها على دخول أي منطقة أثناء عملية عسكرية.

وفي 17 سبتمبر (أيلول)، نشرت اليونيفيل بيانًا عن جهودها لدعم المجتمعات المحلية في جنوب لبنان وتسهيل وصول المساعدات، لكنه لم يقدم في الصفحة المنشورة تفاصيل عن حادثة حلتا في 16 أيلول.

بعد انسحاب القوة، لم تنتهِ آثار الساعات التي عاشها السكان داخل منازلهم، فقد عاشوا رعبًا وخسروا ممتلكاتهم، أما النساء اللواتي أطلقن الاستغاثة، فقد بدأت قصتهن من لحظة طلب الحماية ولكن الظروف التي تعيشها البلاد، من قتل واحتلال وتدمير ممنهج، قد يُعيد تكرار المشهد نفسه مرّات من دون وجود أيّ رادع أخلاقي أو قانوني.