ما تزال حوادث الاستهداف المرتبطة بالهوية الطائفية حاضرة في المشهد الأمني السوري، وسط تكرار عمليات قتل لمدنيين في عدد من المحافظات، ومطالبات حقوقية بالتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وفي أحدث هذه الحوادث، تعرضت حافلة مدنية لإطلاق نار مساء 30 سبتمبر (أيلول) قرب جسر مصياف في ريف حمص الغربي، في هجوم أسفر عن مقتل سبعة مدنيين وإصابة أربعة آخرين.
ماذا حدث في مصياف؟
وقع الهجوم قرابة الساعة التاسعة والنصف مساءً، عندما تعرضت حافلة نقل صغيرة لإطلاق نار من مسلحين مجهولين أثناء مرورها على جسر مصياف، وفق توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وقالت الشبكة إن الحافلة كانت تقل عمالا وموظفين عائدين إلى منازلهم من منطقة حسياء الصناعية في ريف حمص الجنوبي، وإن بين القتلى شقيقين.
وأكدت مديرية صحة حمص مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة آخرين، وقال مدير مشفى حمص الكبير الدكتور معن الحمود إن المشفى استقبل خمس حالات، توفي أربعة منها عند وصولها جراء إصابات بالرصاص في الرأس والصدر.
وعقب الهجوم، طوقت قوى الأمن الداخلي موقع الحادث وبدأت تحقيقا جنائيا لتحديد المنفذين، بحسب وزارة الداخلية، فيما لم تعلن السلطات حتى الآن هوية المهاجمين أو دوافعهم.
أما المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقال إن القتلى والجرحى من أبناء الطائفة العلوية، وإن مسلحين ملثمين انتحلوا صفة أمنية وتحققوا من هويات الركاب قبل إطلاق النار. وتبقى هذه التفاصيل منسوبة إلى المرصد، ولم تعلن السلطات السورية تأكيدها حتى الآن.
محافظة شهدت استهدافات سابقة
تأتي الواقعة في محافظة وثقت فيها وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء خلال تقييمها الصادر في تموز (يوليو) 2026 نمطا من عمليات القتل المستهدف، قالت إن مسلحين مجهولين نفذوا كثيرا منها واستهدفت في الغالب مدنيين علويين.
وأشار التقييم إلى أن عمليات قتل مدنيين وقعت خصوصا في مدينة حمص، ومن بينها مقتل أربعة من العاملين العلويين في أحد مستشفيات المدينة في كانون الثاني (يناير) 2026.
كما أشار إلى أن قوات الأمن كانت، في بعض الحالات، غائبة أو لم تتدخل بما يكفي لاحتواء الهجمات.
لكن الصورة لا تختزل في الاستهداف الطائفي وحده. فوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء وثقت أيضا عمليات قتل انتقامية طالت أشخاصا اتهموا بالارتباط بالنظام السابق، وقالت إن الضحايا شملوا أفرادا من السنة والعلويين والشيعة، ما يجعل تحديد دوافع كل جريمة على حدة أمرا ضروريا.
وفي حمص تحديدا، قالت الوكالة إن ناشطين محليين وثقوا خلال أول شهرين من 2026 مقتل 30 مدنيا، كان معظمهم من العلويين، في هجمات نفذها مسلحون مجهولون على دراجات نارية.
وذكرت مصادر أن بعض الضحايا لم تكن لهم صلات معروفة بالنظام السابق أو بانتهاكات خلال الحرب.
الهوية نفسها موضع استهداف
لا يقتصر القلق الحقوقي على عمليات القتل المباشر، إذ رصدت هيومن رايتس ووتش في حزيران (يونيو) تصاعدا في الهجمات الجماعية والتحريض المرتبط بالهوية، بالتزامن مع احتجاجات طالبت بمحاسبة المسؤولين عن جرائم عهد الأسد.
وقالت المنظمة إن التوترات بين 13 و17 حزيران (يونيو) شملت مناطق عدة، ووثقت هجمات على أشخاص اتهموا بالارتباط بالحكومة السابقة، إضافة إلى هجمات وتحريض ضد سكان علويين في دمشق. كما تحققت من مقاطع مصورة تظهر هتافات معادية للعلويين في محيط حي عش الورور.
وقالت إن المطالبة بالعدالة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لاستهداف الأشخاص بسبب دينهم أو خلفيتهم، ودعت السلطات إلى حماية المدنيين والتحقيق في أعمال العنف، بدلا من ترك معالجة الجرائم للانتقام الجماعي.
من التحقيق إلى المحاسبة
في حادثة مصياف، أعلنت السلطات بدء تحقيق جنائي، لكن هذه الخطوة لا تجيب وحدها عن الأسئلة المتعلقة بالمسؤول عن هذا الهجوم.
وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن قتل المدنيين السبعة بإطلاق النار المباشر، في غياب مبرر قانوني أو اشتباك، يرقى إلى قتل خارج نطاق القانون. وطالبت بتحقيق مستقل وشفاف، وحماية الأدلة والشهود، وملاحقة جميع المتورطين، وتوفير جبر للضرر والرعاية للمصابين.
ما الذي يبقى مجهولا؟
في حادثة مصياف، لا تزال هوية المنفذين ودوافعهم غير معلنة رسميا. وفي الحوادث الأخرى، تظهر المصادر الحقوقية أن دوافع القتل قد تتداخل بين الانتقام السياسي والاستهداف الطائفي والجرائم الجنائية، فيما تبقى بعض الوقائع من دون تحديد علني للمسؤولين عنها.
لذلك، لا يكفي توثيق عدد الضحايا أو إعلان فتح تحقيق. فالمسار الذي يلي الجريمة هو الذي يحدد ما إذا كان بالإمكان الوصول إلى الحقيقة..
وبينما تتكرر حوادث العنف المرتبطة بالهوية في مناطق مختلفة، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع السلطات السورية تحويل التحقيقات المعلنة إلى محاسبة فعلية تمنع تكرار القتل على أساس الهوية؟
