حرمان غير معلن .. غير الأردنيين في الأردن بين حق الزواج وقيود الواقع

عابر – الأردن
إسراء الأعرج
بينما يكفل القانون الأردني صحة زواج الأردنيات من غير الأردنيين، تكشف الوقائع عن مسار طويل من القيود غير المعلنة التي تبدأ من غياب الجنسية ولا تنتهي عند تعقيدات الإقامة وحرمان الأبناء من حقوق أساسية ليقابلوا بالرفض الشديد، قصص الكثيرين تعكس فجوة واضحة بين نصوص دستورية، وواقع يفرض عليهم العيش على هامش الاستقرار، حيث يتحول الزواج من حق طبيعي إلى قرار محفوف بالمخاوف القانونية والاجتماعية.
“ الإنسان بتحاسب على الأمور إلي بايده مش الأمور إلي خارج إرادته ” بهذه الجملة يختصر سامي (اسم مستعار)حكايته، قبل أن يفتح ملفا كاملا من الحرمان غير المعلن من الزواج.
يروي سامي لعابر معاناته، إذ ولد في الأردن منذ 29 عام، لأم أردنية وأب فلسطيني، وعاش ودرس كما يفعل أي شاب في البلاد، حصل على شهادة في الهندسة المعمارية، وانضم إلى نقابة المهندسين الأردنيين، وسجل في الضمان الاجتماعي أيضا، وكل ما في سيرته يقول إنه ينتمي إلى هذا المكان، إلا الورقة الوحيدة التي لا يملكها، ألا وهي الجنسية الأردنية.
ويتابع دفعت 2500 دينار لمحام على أمل الحصول على جواز أردني مؤقت، لكن دون جدوى، ثم حاول أن يبدأ حياة طبيعية تنتهي بالزواج وتأسيس الأسرة والاستقرار، لكنه اصطدم برفض متكرر، ليس لشخصه، بل لوضعه القانوني، وكل الردود كانت واحدة “المستقبل غير واضح”.
ويشرح سامي أنه حين ضاقت به الخيارات داخل المجتمع الأردني، اضطر للبحث في الخارج عن شابة من دولة عربية تقبل الزواج منه ويمكنها منح أبنائه جنسية بلدها، لكن المفارقة كانت عند سؤاله من وزارة الداخلية الأردنية لماذا لا تتزوج أردنية، إذ أنه لا يستطيع منح الأجنبية إقامة في الأردن.
في قصة سامي، لا يظهر الحرمان كقرار مباشر، بل كمسار كامل من الأبواب المغلقة، بدء من التعليم على نفقته الخاصة، إلى قيود السفر، إلى استحالة الاستقرار الأسري، تجربة تشبه حياة مكتملة من الخارج، لكنها من الداخل معلقة، بين حق لا يمنح، ومستقبل لا يمكن ضمانه.
“لا هون ولا هناك”
بعيدا عن ظروف الحياة الاقتصادية أو الاجتماعية أو ثقافة الزواج التي تزداد صعوبتها في الأردن، يعيش أبناء الأردنيات تحديدا، والمقيمين الأجانب وحملة وثائق السفر من رفض الزواج، يبدأ باشتراطات مستحيلة وينتهي عند حدود الجنسية، فبالرغم من أن الأردن لا يوجد فيه ما يمنع زواج غير الأردني بالأردنية إلا أن للمجتمع والأعباء الحياتية رأي آخر.
فيؤيد صالح (اسم مستعار) ما عاشه يوسف إذ ولد أيضا لأم أردنية ولكن من أب سوري، عاش وترعرع في الأردن ولم يعرف وطنا غيره طوال 23 عام، لكنه ورغم ما عاشه من معاناة بسبب تكاليف الحياة الباهظة لأبناء الأردنيات خاصة في التعليم، وهو ما حرمه من اكمال دراسته وعمله في الجانب الحر، حاول أن يبدأ حياة جديدة ويبني أسرة له، لكن بلا نتيجة.
يسرد صالح لعابر”اكتشفت أن الانتماء الذي عشته لهذا البلد لا يكفي لأن اعتبر كفؤ للزواج من أردنية” مضيفا، التجارب التي سمعها من محيطه عن رفض العائلات الأردنية لتزويج غير الأردني دفته لخطبة سورية، بعد أن سأل وبحث عن الإجراءات لدخولها الأردن والإقامة على اسمه بأن ذلك ممكن من خلال وجود عقد زواج.
ويتابع بصدمة لكن بعد إتمام الخطبة الواقع كان مختلفا، فعند مراجعته وزارة الداخلية الأردنية، تأكد بأن زوجته لن تحصل إلا على زيارة لمدة شهر، دون إمكانية إقامة مستقرة على اسمه، وهنا تحولت الخطبة من بداية لحياة جديدة إلى عبء مفتوح على احتمالات صعبة والشعور بأنه عالق، بين بلد يعيش فيه، وآخر لا يستطيع العودة إليه.

تمييز واضح وأبناء على الهامش
يعتبر حقوقيون أن واقع أبناء الأردنيات يعكس شكلا من أشكال التمييز، رغم أن الإطار الدستوري يؤكد مبدأ المساواة بشكل واضح، فقد نص الدستور الأردني في المادة (6) على أن: “الأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين”.
كما أعاد الميثاق الوطني الأردني التأكيد على هذا المبدأ، بالنص على أن “الأردنيون رجالا ونساء أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين”.
وفي السياق ذاته، جاءت التعديلات الدستورية لعام 2022، المنشورة في الجريدة الرسمية ضمن العدد (5770)، لتعزز هذا التوجه، حيث شمل التعديل الرابع عشر للدستور منذ عام 1952 (25) مادة، ومن أبرزها إدراج كلمة “الأردنيات” في عنوان الفصل الثاني ليصبح: “حقوق الأردنيين والأردنيات وواجباتهم”، بعد إقراره من مجلس الأمة الأردني بشقيه الأعيان والنواب.
ورغم هذه النصوص والتعديلات، ما يزال أبناء الأردنيات يواجهون واقعا مختلفا على الأرض، يتمثل في قيود قانونية تحد من وصولهم إلى الخدمات الأساسية والفرص، مقارنة بالأردنيين، وهو ما يفتح باب التساؤل حول الفجوة بين النص الدستوري والتطبيق الفعلي.
لا يوجد في الأردن إحصائية دقيقة ومعروفة عن عدد أبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردني، لكن وزارة الداخلية الأردنية كانت قد صرحت في 2014 بوجود أكثر من 355 ألف ابن وابنة غير أردنيين لأمهات أردنيات.
رفض متكرر
“كأنني لا أملك الحق بطلب الزواج، أو أن ما أطلبه عيب”، أما رامي (اسم مستعار) فاختزل كل معاناته بهذه الكلمات، فهو ثلاثيني يمقيم في الأردن منذ سنوات، تعرض للرفض مرات عديدة عند تقدمه لخطبة أردنية.
ويتابع لعابر أنه على الرغم من إقامته في الأردن منذ سنوات، ويعمل فيها بسهولة ويسر، ولم يواجه أي صعوبات في معاملاته أو حياته اليومية، ظل الرفض يلاحقه في كل مرة حاول فيها التقدم للزواج من أردنية. لم يكن الرفض لشخصه، بل خوفا من مستقبل الأبناء الذين سيندرجون تحت بند “أبناء الأردنيات”، وهو بند لا يمنح الأبناء استقرار في مبرر العائلة، حتى مع تقديمه كل الضمانات الممكنة، بقي الرفض شديدا ومتصاعدا، ليشعر وكأنه ليس إنسانا من حقه الزواج.
ويضيف رامي أنه لا يريد الخروج من الأردن، فعمله ومصدر رزقه وحياته كلها فيها، لكنه يأمل أن يكمل حياته مع زوجة وبيت واستقرار بعيدا عن هذا الخوف، بينما المستقبل لا يمكن التنبؤ به، والقرارات تتغير وتتبدل، والعودة إلى بلده تعني البدء من الصفر، مع تكاليف عالية ومعاناة كبيرة، وهو ما يجعله عالقا بين حياته المستقرة وخياراته المستقبلية غير المضمونة.

عقد صحيح وتحديات ممتده
تؤكد الدكتورة المحامية دجانة الحلي لعابر، أن زواج الأردنيات من غير الأردنيين هو زواج صحيح قانونا، ولا يوجد أي نص قانوني يمنع هذا النوع من الزواج، كما أن صحة العقد لا تتأثر بالجنسية متى استوفى أركانه وشروطه القانونية.
وتوضح إلا أن الإشكالية لا تكمن في مشروعية الزواج، بل فيما يترتب عليه من آثار قانونية معقدة، فزوج الأردنية يعامل كأجنبي، ولا يمنح إقامة دائمة تلقائيا، بل يخضع لإقامة مؤقتة غالبا ما تكون سنوية، تتطلب موافقات أمنية، وترتبط بشروط مثل الكفالة أو العمل أو الاستثمار، وتزداد هذه القيود تعقيدا في حالات حاملي وثائق السفر أو عديمي الجنسية.
وتضيف الحلي أما الأبناء فيعتبرون أجانب أيضا، ويخضعون لقوانين الإقامة، ما يفرض عليهم قيودا في مجالات العمل والتملك، وحتى في مسائل الحضانة، يبقون تابعين قانونيا لجنسية الأب، ما يتيح له إمكانية مغادرتهم خارج البلاد، وهو ما يشكل تهديدا لاستقرار حضانة الأم.
وتشير إلى أن الأعباء لا تقتصر على الوضع القانوني، بل تمتد إلى الجانب المعيشي، حيث يتحمل أبناء الأردنيات رسوما مضاعفة في التعليم والصحة وإصدار الوثائق الرسمية وتجديدها، إلى جانب صعوبات الحصول على تصاريح العمل والإقامة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار الأسرة.
ورغم صدور قرارات حكومية عام 2014 من قبل الحكومة الأردنية، منحت بعض المزايا في مجالات التعليم والصحة والعمل والاستثمار ورخص القيادة، إلا أن هذه الامتيازات، بحسب الحلي، لا ترقى إلى مستوى الحقوق الأصيلة، كما أن تطبيقها ما يزال يواجه تعقيدات على أرض الواقع.
وتطالب الحلي بضرورة معالجة هذا الخلل من خلال إصلاحات جوهرية، تبدأ بمنح الجنسية لزوج الأردنية وأبنائها، تحقيقا لمبدأ المساواة، أسوة بما يمنحه الرجل الأردني لزوجته غير الأردنية، استنادا إلى قانون الجنسية الأردنية، الذي ينص في مادته الثالثة على أن الأردني هو من ولد لأب أردني، دون وجود نص مقابل يمنح الأم الحق ذاته.
وتؤكد أن هذا الواقع يشكل في الوقت نفسه نوعا من التشجيع غير المباشر للزواج بالأردني، لأن القانون يوفر للزوج الأردني وأبنائه حقوقا كاملة، بينما يظل أبناء الأردنية وزوجها الأجنبي خارج هذه الحماية، ليتحول الاختيار بين الزواج بحرية أو ضمان الحقوق إلى معادلة صعبة، تجعل الزواج خارج نطاق المواطنة الكاملة خيارا محفوفا بالتحديات.
وتختم الحلي بضرورة إصدار قرارات تضمن لأبناء الأردنيات إقامة دائمة تلقائية دون الحاجة إلى تصاريح عمل، وتمكينهم من الحصول على تعليم مجاني وتأمين صحي، بما يعزز استقرارهم ويحد من التحديات التي تواجههم.
