حتّى القبور لم تسلَم من اعتداءاتها.. إسرائيل تُدمر مدافن الموتى

عابر- لبنان

حنان حمدان

حتّى القبور في لبنان، تضررت بفعل الاعتداءات الإسرائيليّة الوحشيّة التي طالت قرى وبلدات جنوبيّة عدّة، إذ استهدفت إسرئيل مدافن الموتى في مدينة النبطية وقرى كفر رمان وصريفا وغيرها الكثير، ما زاد من مأساة الأهالي الذين بدأوا رحلة بحث موجعة عن أحبائهم الموتى وسط الدمار الكبير. علمًا أن القوانين الدوليّة تفرض إحترام “حُرمة الموتى” لا سيّما وقت النزاعات.

في جبانة (مقبرة) كفر رمان، يقف بلال عدنان غندور عاجزًا أمام المشهد يقول لـ”عابر”: “شعور لا يمكن وصفه. ربما اختصره بكلمة وجع عميق لم اعتاده من قبل” ويضيف: “لقد تبدلت معالم المكان. بحثنا أنا وزوجتي عن قبر والديها وشقيقتها، وبصعوبة تمكنا من الوصول”.

وغندور، من أبناء النبطية، لم يتمكن من زيارة قبر والده بعد لأسباب أمنيّة، يقول: ” أخاف أن يكون قد أصاب قبر أبي مكروهًا. نشعر بالعجز، لم يسلَم حتّى الأموات من الإجرام الإسرائيلي”.

ومثل غندور، جنوبيون كثر قصدوا قبور أحبائهم وأقاربهم، ليجدوا أن إسرائيل دمّرت المقابر كما بيوتهم وأرزاقهم وتمركزت داخل قراهم.

400 ضريح متضرر

في مدينة النبطية، مشهد مماثل. أضرار كبيرة خلّفها القصف الإسرائيلي، فقد دمّر صاروخ من طائرة حربيّة مقبرة “روضة الصالحين”، الواقعة في المدينة (جنوبي لبنان)، هو استهداف مباشر  أدى إلى تضرر المبنى الرئيسي والذي يضم المصلّى والمغسل، وتضرر ما يفوق الـ400 ضريح، وفق ما يؤكد مختار حي البياض في النبطية حسن جابر لـ”عابر” ويضيف: “أصاب الضرر المكان على مساحة حوالي 400 متر مربع”.

وليست المرة الأولى التي يستهدف فيها الجيش الإسرائيلي القبور وتحديدًا في النبطية، إذ كان لها حصة كبيرة الحرب الماضيّة التي شنتها إسرائيل على لبنان واستمرت 66 يومًا (23 سبتمبر- 27 نوفمبر 2024) إذ أغار الطيران الحربي قبل وقف إطلاق النار بأيام قليلة آنذاك، على جبّانة النبطية القديمة والتي قامت أصلًا على أنقاض جبّانة أقدم منها وتعود إلى نحو 200 عام.

 المصدر: المختار حسن جابر 

تراث المدينة

وتُعتبر هذه المقبرة، من تراث النبطية حيث كان يُدفن الأجداد وأباء الأجداد من جميع أبناء المدينة مبنية على طرز هندسيّة مميزة، تسببت غارة واحدة بمحو أثرهم، فتحولت الجبّانة هناك إلى كومة ركام، وغطّى الردم عددًا من القبور. يقول جابر: “أحصينا عدد القبور المتضررة وتبين أنه فاق الـ250 ضريح”.

ويتابع: “الأضرار هناك متفاوتة، بعض القبور أزالتها الغارات من أمكنتها وأحدثت حُفرًا عميقة فيها، حتّى أن رفات الموتى قذفتها انفجارات الصواريخ الإسرائيليّة”.

 ويضيف المختار جابر أن جمعية “المواساة” في النبطية، وتُعنى بدفن الموتى، كانت قد “بدأت بإعادة ترميم هذه القبور، مستعينة بعدد من ذوي الموتى الراحلين، وقد تمّ تحديد أمكنة القبور، لا سيّما أن الشاب المسؤول عن متابعة شؤون الجبانة على دراية بتفاصيل عدّة في هذا الخصوص” كما “وضع ألواح رخاميّة جديدة وشواهد تحمل الأسماء والتواريخ”، لتأتي الحرب الإسرائيليّة الجديدة على لبنان في 2 مارس (آذار) وتدمر قبورًا جديدة.

ويُعلق: من قدِم من الأهالي لم يتمكن من زيارة الجبانة بسبب الوضع الأمني المأزوم هنا، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، كما أن عائلات كثيرة عادت أدراجها إلى حيث أماكن النزوح”.

100 يوم وأكثر  

وطوال أكثر من مئة يوم، تعرضت مدينة النبطية لقصف عنيف خلف دمارًا واسعًا حيث تحولت أحياء بكاملها إلى أنقاض بعد استهداف إسرائيل للمنازل والمحال التجاريّة محاولة التقدم أكثر نحو قرى وبلدات عدّة هناك بعد أن أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات إخلاء متكررة. علمًا أن القصف الإسرائيلي المتقطع ما زال مستمرًا على كافة أحياء المدينة راهنًا، رغم دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ إثر الإعلان عن مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران والتي تشمل وقف الحرب على كافة الجبهات.

وحتّى قبل وضوح معالم اتفاق وقف اطلاق النار في لبنان، عاد آلاف الجنوبيين لتفقد منازلهم وأرزاقهم وبلداتهم، ولو بزيارة خاطفة ثمّ انتقلوا من بعدها إلى أماكن النزوح أكان في منازل مستأجرة أم في مراكز إيواء تكاد تنعدم فيها مستلزمات الحياة الأساسيّة، لكن لا خيارات كثيرة متاحة أمامهم، بسبب الدمار الذي طال منازلهم بشكل كلي أو جزئي.

وما زال المشهد في الجنوب ضبابيًا لأن إسرائيل متمركزة في قرى حدوديّة عدّة ولم تنسحب بعد، والاستهدافات هناك شبه يوميّة كما أصوات الانفجارات والقذائف، علمًا أن المسيرات لم تغادر سماء القرى والبلدات بعد.  

 المصدر: المختار حسن جابر 

مراسم عزاء مفتوحة  

وطوال فترة الحرب، تلقى نازحون خبر قتل إسرائيل لأفراد من عائلاتهم، وبسبب غيابهم عن قراهم ومدنهم الجنوبيّة، تمّ دفن كثير من الموتى في قبور مؤقتة في قرى قضاء صيدا، ريثما تنتهي الحرب وبانتظار عودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم كي يقيموا العزاء ومراسم الدفن مجددًا، علمًا أن الضربات الإسرائيليّة شوّهت غالبيّة الجثث، فجُمعت على شكل أشلاء أو تفحمت وتسببت بذوبانها أحيانًا كثيرة.   

ومنذ بدء الحرب الإسرائيليّة على لبنان في 2 مارس (آذار) الماضي وحتّى 16 يونيو (حزيران) الحالي، قتلت إسرائيل 3826 شخصًا من بينهم أطفال ونساء وشيوخ، وأصابت أكثر من 11 ألف شخصًا بجروح مختلفة، وفق احصاءات وزارة الصحة اللبنانيّة. وقد تمعنت إسرائيل في قتل المدنيين اللبنانيين لمجرد أنهم لم يغادروا منازلهم في قرى جنوبية عدّة، في غارات استهدفتهم بشكل مباشر.

لصون كرامة الموتى

وفي لبنان، يُجرم القانون اللبناني أيّ اعتداء على المدافن، وفق ما ينص عليه قانون العقوبات اللبناني، في المادة 481، إذ يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين، من هتك أو دنس حرمة القبور أو أقدم قصدًا على هدمها أو تحطيمها أو تشويهها. وكذلك نص القانون الدولي الإنساني على ضرورة صون كرامة رفات الموتى أثناء النزاعات المسلحة.

وطوال الفترة السابقة، أثبتت إسرائيل في حروبها على غزة ولبنان، أنها لا تلتزم بالقوانين الدوليّة ضاربة عرض الحائط كل المواثيق والاتفاقات الدوليّة، لذلك فهي لم ولن تتوانى مرّة عن تفجير وترميد وكذلك تدمير أيّ هدف لها، حتّى ولو كانت المدافن.