جمال قاتل… ضحايا مراكز التجميل في العراق

تشهد المدن العراقية في السنوات الأخيرة تصاعداً خطيراً في الحوادث الناجمة عن عمليات تجميلية تُجرى في مراكز غير مرخصة أو في مستشفيات خاصة بلا رقابة صارمة، ما يحوّل حلم الجمال إلى كابوس ينتهي أحياناً بالموت أو التشوه، وسط تحذيرات رسمية وثغرات قانونية يستغلها أصحاب تلك المراكز.
اخر الضحايا.. ام لطلفلين
تداولت وسائل إعلام عراقية خبراً صادماً عن وفاة امرأة عراقية (41 عاماً)، أم لطفلين، بشكل مفاجئ في مدينة السليمانية شمال العراق أثناء إجرائها عملية جراحية تجميلية تتعلق بالسمنة.
المرأة، التي خضعت للعملية الجراحية بهدف “استخراج الشحوم من بطنها”، لم تستفق من التخدير، قبل أن يُعلن عن وفاتها في مستشفى خاص بالمدينة التابعة لإقليم كردستان العراقي، بحسب وسائل إعلام محلية في الاقليم.
هذه الواقعة لم تكن سوى حلقة في مسلسل حوادث مشابهة تنتهي بوفاة الضحايا أو تشويههن في مراكز تجميل غير مرخصة تنتشر في طول البلاد وعرضها، ما يفتح ملف المراكز العشوائية التي تعيث بأرواح الفتيات الباحثات عن الجمال.
خرجت جثة هامدة
لم تكن والدة مريم ووالدها يعلمان أن ابنتهما ذات الثلاثين عاماً ستخرج جثة هامدة من صالة العمليات التي دخلتها لإجراء عملية تجميلية لشفط الذقن فقط.
في أحد مراكز التجميل الأهلية بالعاصمة بغداد، خسر الأبوان ابنتهما نتيجة جرعة زائدة من المخدر المسبق للعملية. أمام صورها في المنزل، يعيش الوالدان بحسرة وألم يوميّاً، فيما يحمّلان الجهات الصحية في البلاد مسؤولية انتشار الكثير من المراكز التي تعبث بأرواح فتيات العراق.

بحثاً عن الجمال… خسرت نفسها وزوجها
وبينما خسرت مريم حياتها في مركز تجميل، خسرت شيماء (اسم مستعار، 25 عاماً) شكلها وعائلتها. تقول شيماء إنها خسرت نفسها وزوجها عندما فكرت في إجراء عمليات تجميل لتكون أجمل في عيني زوجها والآخرين.
جذبتها إعلانات بعض مراكز التجميل على مواقع التواصل بأسعارها الزهيدة مقارنة بمراكز أخرى مرتفعة أو بخيار السفر إلى خارج العراق. بالفعل أجرت أكثر من عملية في الوجه، وصلت كلفتها النهائية إلى 15 مليون دينار عراقي (نحو 10 آلاف دولار)، لكن الأمر انتهى بتشوه كبير لحق بوجهها، خسرت معه نفسها وزوجها الذي انفصل عنها بعد التشوه الكبير الذي أصاب ملامحها.
خطر المراكز غيرالمرخصة

وزارة الصحة العراقية بيّنت في أكثر من مناسبة أن فوضى انتشار المراكز غير المرخصة تهدد الأمن الصحي في البلاد، مؤكدة إغلاقها المئات من تلك المراكز ضمن حملاتها التفتيشية.
وقال سيف البدر، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، في تصريحات رسمية، إن خطر انتشار المراكز غير المرخصة كبير ويهدد حياة الناس والأمن الصحي في العراق، لكنه أوضح أن وزارته فنية وتحتاج إلى الجهات الأمنية والنقابات الطبية من أجل تنفيذ الملاحقات وقرارات الغلق.
البدر أشار إلى غلق المئات من تلك المراكز خلال الفترة الماضية، منوهاً إلى غلق أكثر من 180 مركزاً في بغداد وحدها العام الماضي.
ثغرات القوانين
من جانبها تؤكد نقابة الأطباء العراقيين أن صلاحياتها تتمثل بمراقبة المنتمين لها والكوادر الطبية. ورغم ذلك، تعمل النقابة على رفع تقارير مستمرة إلى الجهات المسؤولة في وزارة الصحة والداخلية عن أماكن المراكز غير المرخصة.
وأشار أعضاء في النقابة ا إلى أن ملف مراكز التجميل غير المرخصة يُعد من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، إذ تتوسع هذه المراكز بوتيرة سريعة مستغلةً الظروف العامة التي تمر بها البلاد، فضلاً عن استغلال رغبة الفتيات في الحصول على خدمات تجميل بأسعار منخفضة تجذبهن عبر حملات دعائية وإعلانات مغرية.
موضحين أن قانون الاستثمار العراقي يحتوي على ثغرة تتيح لتلك المراكز العمل لحين الحصول على رخصة، وهو ما يجعل الكثير من تلك المراكز تستغل هذا الجانب وتفتح أبوابها بحجة انتظار الرخصة أو السير بمعاملاتها.

دورات غير مؤهلة
لم تكتفِ مراكز التجميل في العراق بإجراء عمليات التجميل، بل اتجهت لإقامة دورات سريعة مقابل مبالغ مالية لتدريب الشباب على إجراء العمليات التجميلية غير الجراحية، مما يؤدي إلى تخريج العشرات من الشباب العراقي ، حتى من غير أصحاب الشهادات ، للعمل في مجال التجميل.
فاطمة علي (20 عاماً) كانت إحدى تلك الطالبات الباحثات عن حلم العمل في مجال التجميل. بعد مشاهدتها إعلاناً عن دورة تجميل في الكرخ ببغداد، دخلت الدورة لمدة شهر مقابل 1000 دولار.
تقول فاطمة إن أكثر من فتاة جاءت مع أهلها للشكوى بعد تشوه وجهها وتحدثت مشكلة داخل المركز، مما دفعهن للقلق، ليكتشفن أن صاحبة المركز التي تدّعي أنها طبيبة لم تكن كذلك، بل تم إغلاق مراكز سابقة لها مرتين بأسماء مختلفة. وما إن تصل الجهات الأمنية إليها وتغلق المركز حتى تفتح مركزاً آخر باسم جديد في منطقة ثانية. وقبل نهاية الدورة تم إغلاق المركز من قبل الصحة، ولم تحصل فاطمة على شهادة التخرج.
مواد منتهية الصلاحية

المخاوف من تلك المراكز لا تقتصر على عدم ترخيصها والأشخاص غير المؤهلين العاملين فيها، بل تصل إلى حد استخدام مواد منتهية الصلاحية. وقد تم تأكيد ذلك بالفعل عندما تمكنت قوات الأمن العراقية العام الماضي من ضبط 1300 كرتون من مواد تجميل منتهية الصلاحية في أحد المنازل بالكرخ كانت جاهزة للتوزيع على مراكز التجميل في بغداد.
خلال العملية تم القبض على شخص ينتحل صفة صاحب مذخر ومعه ثلاث فتيات يقمن بتوزيع المواد على تلك المراكز.
فوضى متزايدة

ويؤكد مختصون أنه رغم التحركات الحكومية، فإن فوضى المراكز غير المرخصة ما زالت تنتشر في عموم البلاد وتثير المخاوف من نتائجها السلبية على حياة العراقيين ومظهرهم. ويرى هؤلاء أن القطاع يعاني فوضى عارمة، حيث تم تحويل الخدمات الطبية إلى سوق استثماري يدر أرباحاً طائلة، وسط اعتلال واضح وصريح في الرقابة واستغلال واسع للفضاء الإعلاني لجذب المرضى. ويشير المختصون إلى أن ما يرافق ذلك من قصور في الإجراءات القانونية حيال هذه المراكز والعاملين فيها يخالف السياقات والمعايير الطبية والمهنية، ما يشجع على ارتكاب مزيد من الخروق، ويحوّل كثيراً من التدخلات التجميلية من عمل طبي إلى ما يشبه الأعمال الجنائية في الواقع. كما يقر هؤلاء بأن الأجهزة الرقابية أحياناً غير قادرة على إحصاء كل المخالفات، وأحياناً تتعرض لضغوط، وأن الوضع يحتاج حالياً إلى إجراءات استثنائية تشبه “حالة الطوارئ” لمواجهة ما يحصل.
