بيوت بلا أمان .. كيف حول نظام الكفالة في لبنان العاملات إلى رهائن!

عابر- لبنان

لم تأت عاملات المنازل المهاجرات إلى لبنان بحثا عن حياة أفضل، بقدر ما جئن هربا من الفقر والعجز واليأس، فــوراء كل عاملة مهاجرة قصة أم تركت أطفالها، أو امرأة دفعتها الحاجة إلى القبول بشروط لم تكن لتقبل بها يوما، وبين وعود العمل الكاذبة وواقع نظام الكفالة، تتحول البيوت إلى أماكن مغلقة على الخوف، وتضيع الحقوق فيها بصمت، فيما تبقى معاناة العاملات حبيسة الجدران، لا تُسمع إلا حين يتأخر الإنصاف كثيرًا.

في هذا الواقع، لا تبدو الانتهاكات حوادث فردية بقدر ما هي نتيجة منظومة كاملة تترك العاملات بلا حماية فعلية، فحين تعامل العاملات وفق نظام يستبيح حقوقهن وحرياتهن يصبح الخروج من دائرة الاستغلال شبه مستحيل، وتتحول المعاناة اليومية إلى مسار طويل من الصمت، غالبًا ما ينتهي بالعودة القسرية من دون حقوق أو مساءلة.

العقاب بالنوم في الشرفة!

سردت جيسي (اسم مستعار) 34 عام، وهي عاملة منزلية مهاجرة من إثيوبيا قصتها منذ لحظة وصولها إلى مطار بيروت، بعدما أجبرت على السفر للعمل تاركة طفليها على أمل تأمين مصروفهما وحياة رغيدة لهما، إذ كان استقبال كفيلها لها بمصادرة جواز سفرها وإجبارها على دفع رسوم الاستقدام!

لم تتوقف أبعاد الموضوع على هذا الاستقبال فحسب بل أجبرت على النوم في غرفة الجلوس، ولم يسمح لها بالتواصل المنتظم مع عائلتها، وبعد مرور أكثر من عام على عملها، بدأت تتعرض للإهانات والضرب المتكرر، وتعرضت في إحدى المرات لاعتداء تسبب لها بجرح عميق استدعى نقلها إلى المستشفى، إضافة إلى نعتها بعبارات غير لائقة وشعورها الدائم بالخوف داخل المنزل.

تابعت جيسي أن الأمر دائما كان يتطور للأسوأ إذ توقفت العائلة الكفيلة عن إرسال أجورها إلى أسرتها، وكانت تواجه دائما بالمماطلة والصراخ كلما طالبت بحقوقها، من دون أي التزام بالدفع، ومع انتهاء مدة عقدها والذي كان لسنتين، أصبح الأمر بالنسبة لها كمحاولة نجاة من كابوس العمل، فلم يعد يهمها استرداد الأجور بقدر رغبتها في مغادرة لبنان، إلا أن الكفيل وزوجته أجّلا عودتها بحجة تجديد الأوراق، ما أبقاها شهرًا إضافيًا من دون معرفة مصيرها، وعندما أصرت على السفر واحتجت على بقائها، عوقبت بإجبارها على النوم في الشرفة لعدة أيام!

لماذا لم يعيدوني للمكتب!

“أذكر أنني عندما أتيت إلى لبنان وكنت أُسأل عن عمري، كنت أجيب بأنني لا أعرف خوفا من ترحيلي إذا علم أحدهم بأنني صغيرة في السّن” يانتي (اسم مستعار) عاملة أثيوبية وصلت إلى لبنان وهي في الخامسة عشرة من عمرها، بعد اضطرارها لترك المدرسة بسبب الفقر، وكانت أسرتها تعول على سفرها لتحسين أوضاعهم المعيشية اعتقادً بأن العمل في لبنان سيوفر لها دخلا جيدا، فجاءت على أمل إعالة عائلتها الكبيرة، بعد الاتفاق على أن تعمل لأربع سنوات وترسل أجر السنتين الأوليين لأسرتها.

عند وصولها، صادر صاحب العمل جواز سفرها مباشرة كما جيسي، وبدأت رحلتها بالعمل في منزل كانت تعتني فيه بامرأة مسنّة، ومع وفاتها نُقلت عبر مكتب استقدام إلى منزل آخر، هناك بدأت معاناتها الفعلية، إذ حُرمت من غرفة خاصة واضطرت للنوم في غرفة حطب مكسورة الباب بلا نوافذ، ومن دون مرحاض، وأُجبرت على قضاء حاجتها والاستحمام خلف الشجيرات.

لم تكن يانتي تحصل على طعام كاف، ولم يُسمح لها بتناول وجبة العشاء، في وقت كانت تكلف فيه بتنظيف المنزل، والعمل في المطبخ، ورعاية امرأة بالغة من ذوي الإعاقة الجسدية، بما في ذلك مساعدتها على الاستحمام وقضاء حاجاتها اليومية، وتعرضت للضرب بشكل متكرر بحجة البطء في العمل، بينها اعتداء بعصا حديدية، إضافة إلى شدها من شعرها وحلقه قسرا وتهديدها بالأذى.

كانت تحسب الوقت وفق دفع الأجور، التي لم تسدّد سوى ثلاث مرات. لاحقًا، أُبلغت من قبل الأمن العام بأنها عملت لفترة أطول مما كانت تعتقد، واختتمت يانتي بتساؤل يعكس حجم الاستغلال الذي تعرضت له: إذا كان أدائي سيئا كما كانوا يدّعون، فلماذا لم يعيدوني إلى مكتب الاستقدام بدل تعريضي لكل هذا العنف؟

حقوق مستباحة.. واتجار بالبشر

يقدر عدد المهاجرين والمهاجرات في لبنان في أحدث إحصائية بقرابة 176,500 شخص 70 في المئة منهم من النساء، هاجر معظمهم من دول آسيوية وإفريقية، أبرزها إثيوبيا وبنغلاديش والسودان، وتمثل عاملات المنازل قرابة نصف المهاجرين، ما يعني أنهن يعشن في بيوت أصحاب العمل وغالبا في ظروف قاسية، بحسب منظمة الهجرة الدولية.

توضح المحامية موهانا إسحق، رئيسة الشؤون القانونية والمناصرة في قسم مناهضة الاتجار بالبشر في منظمة “كفى ” لـ عابر، أن أبرز الانتهاكات التي تواجهها عاملات المنازل المهاجرات في لبنان خلال السنوات الأخيرة تشمل عدم دفع الأجور لعدة أشهر أو حتى سنوات، إضافة إلى سوء المعاملة والإجبار على الاستمرار في العمل تحت ظروف قسرية، مؤكدة على أن هذه الانتهاكات تفاقمت بعد جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية.

وتشير إلى أن نظام الكفالة يشكل السبب الأساسي لاستمرار الاستغلال، إذ يربط العاملة ارتباطا كاملا بكفيلها، ليس فقط ضمن نطاق العمل بل أيضا في حياتها الشخصية، بما يشمل حرية التنقل والتواصل مع العالم الخارجي، ومن أكثر ما يعرض العاملات للانتهاك هو عدم القدرة على فسخ العقد أو الانتقال إلى صاحب عمل آخر إلا بموافقة الكفيل الأول، والتي لا تمنح إلا رسميا عبر كاتب العدل، ما يحرم الكثيرات من حقوقهن القانونية والإنسانية.

وتلفت إسحق إلى أن كل التدابير القانونية الحالية، سواء الصادرة عن وزارة العمل أو الأمن العام، تظل غير فعالة في حماية هذه الفئة، بسبب نقص الكوادر المتخصصة، وارتفاع تكلفة المحاكمات، وطول أمدها الذي قد يمتد لسنوات ما يجعل تقديم الشكاوى شبه مستحيل، وغالبًا ما تنتهي المطالبة بالحقوق بخسارة العاملات لعملهن والعودة إلى بلدانهن دون تعويض.

وتؤكد على أن الحل يتمثل في إدخال عاملات المنازل ضمن قانون العمل اللبناني، مع تنظيم تفاصيل عملهن وحقوقهن، لتتساوى مع سائر العمال في الحقوق والحماية، مع التأكيد على غياب رؤية واضحة لدى الدولة لمعالجة إشكالية العمالة الوافدة بشكل فعّال وعادل.

وعود تنتفي فور الوصول!

أما جويس (إسم مستعار) 30 عام، عاملة من غانا عرض عليها فرصة عمل كطاهية في مطعم في لبنان، رأت فيها مخرجا وحيدا من الظروف المعيشية الصعبة، فسافرت وهي تعد عائلتها بالعمل لسنتين ثم العودة لتأسيس مشروع يؤمن لهم حياة أفضل.

لكن فور وصولها إلى لبنان، تبيّن أن العرض كان خداعا، نقلت من المطار إلى منزل عائلة، وأُجبرت على العمل في خدمة المنازل من دون أي شرح أو خيار للرفض، عملت لساعات طويلة في ظروف قاسية، قبل أن يتطور الاستغلال إلى تهديد مباشر، إذ طلب صاحب المنزل منها “ممارسة الجنس” معه، ومع رفضها امتنع عن دفع راتبها وهددها بالقتل، ما دفعها إلى تسجيل تهديداته سرا على هاتفها.

تفاقم وضع جويس ودخلت في حالة انهيار نفسي مع مرور الأيام، فعملت من دون أجر ولم تتمكن من إرسال أي مال لعائلتها، لتتجرأ وتقدم بلاغا لدى الشرطة مدعما بالتسجيل الصوتي بمساعدة منظمة حقوقية، ما أجبر صاحب العمل على دفع أجورها المتراكمة، من دون أن تتقدم بشكوى تحرش، مكتفية بالمطالبة بحقها المالي والعودة إلى بلدها.

غير أن الصدمة الأخيرة تمثّلت بدفع الأجور على أساس سعر صرف المصارف، فبدلاً من 2400 دولار لم تحصل سوى على نحو ألف دولار!

العبودية الحديثة!

تؤكد تقارير متعددة من منظمات حقوقية ونقابية محلية لبنانية ودولية إلى أن عاملات المنازل المهاجرات في لبنان يواجهن ظروف عمل قاسية وانتهاكات متكررة نتيجة نظام الكفالة، الذي يشكّل الخيار القانوني الوحيد للعمال المهاجرين.

الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان شدد في وقت سابق على أن نظام الكفالة يعد أحد أبرز أشكال العمل الجبري في المنطقة العربية، وينتهك حقوق الإنسان وكرامة العمال المهاجرين، ويترك غياب الحماية القانونية العاملات عرضة للاستغلال والعنف والاتجار بالبشر، بينما تعتمد الدول المرسلة للعمال على التحويلات المالية لهؤلاء، ما يدفعها أحيانًا للتغاضي عن الانتهاكات.

ويطالب الاتحاد بإلغاء نظام الكفالة واستبداله بعقود عمل عادلة تحترم الحقوق الأساسية، وضمان المساواة في الأجر والحماية الاجتماعية لجميع العمال دون أي تمييز، وتعزيز آليات الرقابة الوطنية والدولية لمكافحة العمل الجبري والاتجار بالبشر، وإطلاق حوار إقليمي ودولي لوضع سياسات عادلة تحمي العمال المهاجرين وتضمن تنمية إنسانية شاملة.

وبحسب تقرير لهيومن رايتس ووتش فإن المادة 7 من قانون العمل اللبناني تستثني عاملات المنازل، ما يحرمهن من الحقوق العمالية المكفولة بالقانون والمنظمة للعمل من ساعات العمل والحد الأدنى للأجور، وحتى حرية تكوين الجمعيات.

وكما ذكر التقرير أن غياب الحماية القضائية وصعوبة تقديم الشكاوى، وعدم اعتراف السلطات ببعض الانتهاكات كجرائم، تعتبر دائرة إضافية من العنف والعزلة المفروضة على العاملات. ورغم سنوات من النضال لإلغاء النظام، يستمر كونه مصدر أرباح كبير، حيث تُقدّر عائدات نظام الكفالة السنوية بأكثر من 100 مليون دولار، فيما تحقق مكاتب الاستقدام، المتورطة في أعمال استغلال واتجار بالبشر، إيرادات ضخمة.