بين القانون والرقابة… عمال القطاع المختلط ضائعون بين العام والخاص

عابر – العراق

بين القطاعين العام والخاص، يبرز في العراق منذ عقود قطاع الشركات المختلطة كمشروعٍ قديمٍ متجدّد، وُلد بهدف تجاوز البيروقراطية ومواجهة التحديات الاقتصادية، سعيًا لخلق قطاعٍ موازٍ يدعم السوق المحلية، وينهض ببيئة العمل، ويوفّر فرص تشغيل إضافية.

ورغم ما واجهه هذا القطاع من عراقيل كبيرة خلال العقدين الأخيرين، وصلت به أحيانًا إلى حالة شبه شلل، فإنه يشهد في الآونة الأخيرة تحديات ومخاوف جديدة ناجمة عن تداخل السلطات الرقابية وتعدد الصلاحيات في الإشراف على نشاطه.

فقد عبّر عدد من ممثلي هذا القطاع عن وجود لبسٍ قانوني في آليات ملاحقة العاملين ومديري الشركات المختلطة من قِبل هيئة النزاهة، رغم خضوع هذه الشركات أصلاً لقوانين وجهات حكومية محدّدة.

كما يشكو القائمون على هذا القطاع من ضعف التنسيق المؤسسي بين الجهات الرقابية والسلطات القضائية من جهة، والجهات التنفيذية المسؤولة عن تطوير الاستثمار من جهة أخرى، ما أوجد بيئة غير مستقرة قانونيًا تفتقر إلى الضمانات التي يبحث عنها المستثمرون المحليون والدوليون. وقد انعكس ذلك سلبًا على قدرة العراق في جذب الاستثمارات، في وقتٍ تتزايد فيه الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليص الاعتماد على القطاع العام وحده.

تركيبة الشركات المختلطة

يوضح المحامي المختص في شؤون الشركات أحمد صباح في تصريح خاص لـ “عابر” أن الشركات المختلطة في العراق أُنشئت لتكون نموذجًا يجمع بين مرونة القطاع الخاص وسرعة حركته وسعيه لتحقيق الأرباح، وبين إمكانات الدولة وموقعها في الوصول إلى مراكز القرار، بما يتيح لهذه الشركات العمل بفاعلية أكبر من دون التقيد الكامل بالبيروقراطية والتعليمات التي يخضع لها القطاع العام.

وبيّن صباح أن هذا النموذج ساهم في نجاح نحو 80 شركة مختلطة تعمل في مختلف المجالات وتوفّر آلاف فرص العمل، مشيرًا إلى أن دعم هذا القطاع يسهم في تشجيع المستثمرين المحليين والأجانب على الدخول في السوق العراقية.

وأضاف أن شركات القطاع المختلط تُعد من الناحية القانونية شركات خاصة تخضع في ممارسة أعمالها ورقابتها إلى قانون الشركات رقم (21) لسنة 1997.

وحول تركيبة مجالس إدارتها، أوضح صباح أن تشكيلها يعتمد على نسبة مساهمة الدولة، مبينًا أنه في حال كانت مساهمة الدولة أقل من 50%، يكون لها ممثلان في مجلس الإدارة، أما إذا تجاوزت النسبة 51% فأكثر، فيرتفع عدد الممثلين الحكوميين إلى ثلاثة أعضاء، يتم اختيارهم من الوزارات أو الجهات القطاعية ذات العلاقة، كلٌّ وفق اختصاصه.

قانون العمل هو الفيصل

خلال حديثه، تساءل المحامي أحمد صباح عن أسباب تدخّل هيئة النزاهة في متابعة وتدقيق عمل الشركات المختلطة، موضحًا أن العاملين في هذه الشركات يخضعون لقانون العمل وليس لقانون الخدمة المدنية الذي ينظّم شؤون موظفي الدولة.

وقال صباح في تصريح خاص لـ “عابر” إنّه لا يوجد أي نص قانوني يمنح هيئة النزاهة صلاحية محاسبة أو مراقبة أو تدقيق أعمال العاملين في الشركات المختلطة، مشيرًا إلى أن القانون يوفر حماية واضحة لهؤلاء العاملين من هذا النوع من المساءلة، لكونهم عمّالًا وليسوا موظفين حكوميين.

وأضاف أن هذا التفريق “جوهرٌ مهمّ ينبغي على هيئة النزاهة الانتباه إليه قبل مباشرة أي إجراءات تدقيق أو مساءلة”، مؤكّدًا أن تجاوز هذا الإطار القانوني قد يؤدي إلى تداخل في الصلاحيات وتضارب في الاختصاصات بين الجهات الرقابية والتنفيذية.

بين النزاهة والعمل

من جانبها، أوضحت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية على لسان المتحدث الرسمي باسمها حسن خوّام في تصريح خاص لـ “عابر”، أن القطاع المختلط يُعد قطاعًا منظمًا بحد ذاته، مشيرًا إلى أن دور الوزارة يقتصر على إجراء زيارات ميدانية دورية ينفذها مفتشون تابعون لها، بهدف متابعة التزام الشركات بتسجيل موظفيها في دوائر الضمان الاجتماعي والتقاعد لضمان حقوقهم العمالية.

وبيّن خوّام أن الشركات التي تتخلف عن تسديد التزاماتها المالية تجاه العمال، تُعرّض نفسها إلى المساءلة القانونية وتُفرض عليها غرامات مالية قد تصل إلى خمسة ملايين دينار عراقي.

وحول القوانين التي تنظّم عمل هذا القطاع، أوضح خوّام أن هناك قانونين أساسيين يُعمل بهما، أولهما قانون العمل رقم (37) لسنة 2015، الذي يشترط توفير بيئة عمل مناسبة للعاملين، وينظم جميع تفاصيل العمل من ساعات الدوام والأجور والعمر القانوني للعامل وحتى ما يتعلق بـ المرأة العاملة وحقوقها.

أما القانون الثاني فهو قانون التقاعد والضمان الاجتماعي رقم (17) لسنة 2023، الذي ينظم كافة المسائل المتعلقة بـ التقاعد، واشتراكات الضمان، والرعاية الصحية بعد التقاعد.

الصلاحيات لمجلس الإدارة

يمنح قانون الشركات رقم (21) لسنة 1997 المعدّل بموجب قانون سنة 2004، مجالس إدارة الشركات المختلطة صلاحيات واسعة في إدارة وتخطيط أعمالها وفقًا لأحكام المادة (117) من القانون.

وتشمل هذه الصلاحيات تنفيذ الخطط الاقتصادية والفنية، ووضع الاستراتيجيات التي تهدف إلى تحقيق الأرباح وتعظيم عوائد المساهمين، بما ينسجم مع طبيعة النشاط الاقتصادي لكل شركة.

وبحسب النصوص القانونية ذاتها، فإن قانون الشركات لا يمنح هيئة النزاهة أي دور في مراقبة أو محاسبة نشاط مجالس الإدارة في الشركات المختلطة، إذ إن هذه المجالس غير ملزمة باتباع القوانين والتعليمات الحكومية التي تُطبّق على إدارات القطاع العام.

تجاوزات وتناقضات

قال يقظان نذير، عضو الهيئة العامة لإحدى شركات القطاع المختلط، في تصريح لـ “عابر”، إن “الجهات المساهمة في هذا القطاع تعاني من تجاوزات قانونية كبيرة لا تشجع المستثمرين على الدخول إلى السوق العراقية”، مضيفًا أن “ما يجري في بعض الأحيان هو مجموعة من التناقضات، إذ أصبح مصير المساهمين في الشركات بيد موظفين مفروضين من قِبل الوزارات على إدارات هذه الشركات”.

وأضاف نذير: “لا نستغرب إذا أُحيل بعضنا إلى هيئة النزاهة أو المحاكم نتيجة شكاوى يرفعها موظفون مفروضون على الشركات، إذ سبق أن حدثت مثل هذه الدعاوى بدافع العداء أو المصالح الشخصية، ما تسبب في خسائر مالية وانسحاب بعض الشركاء، وأدى ذلك إلى تراجع ثقة المستثمرين بالقطاع المختلط”.

وأشار إلى أن “الكثير من المستثمرين باتوا يفضّلون إنشاء شركات خاصة لضمان حقوقهم، وهو ما ينعكس سلبًا على الدولة نفسها التي تملك ما لا يقل عن 25% من أسهم الشركات المختلطة”.

وفي ختام حديثه، حمّل نذير دائرة تسجيل الشركات المسؤولية عن هذه الخروقات، بسبب “عدم التزامها بتطبيق بنود قانون الشركات وحماية حقوق المستثمرين”.

النزاهة ترد والمختلط يعترض

ووفقا لبيان سابق  صدر عن هيئة النزاهة العراقية، أشارت فيه إلى أن دائرة الوقاية التابعة لها أوصت، في تقريرٍ أعدّته استنادًا إلى زياراتٍ ميدانية أجراها فريقها إلى كلٍّ من هيئة الأوراق المالية، وسوق العراق للأوراق المالية، والهيئة العامة للضرائب، ودائرة مسجل الشركات، وعدد من شركات القطاع المختلط، بضرورة قيام ديوان الرقابة المالية بالإسراع في إصدار التقارير الرقابية الخاصة بشركات المساهمة المختلطة، تجنّبًا لمنح هذه الشركات ذرائع تتعلق بالإفصاح عن مواقفها المالية أمام الجمهور.

كما اقترح البيان أن تتولى الوزارات والجهات الحكومية متابعة حقوقها في الشركات التي تمتلك فيها أسهمًا، مع إلزام الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة بالتعاقد مع شركات القطاع المختلط أسوةً بشركات القطاع العام، ولا سيما الجهات التي تملك حصصًا فيها.

ونوّه التقرير أيضًا إلى ضرورة تفعيل دور دائرة مسجل الشركات عبر تشكيل لجان تفتيشية لمتابعة أداء الشركات، ومن ضمنها شركات المساهمة المختلطة، وذلك استنادًا إلى قانون الشركات رقم (21) لسنة 1997 المعدّل.

وفي تصريح خاص لـ “عابر”، أكد مدير المركز الإعلامي في هيئة النزاهة، علي الساعدي، أحقّية الهيئة في متابعة ملفات شركات القطاع المختلط، موضحًا أن ذلك يستند إلى قانون الهيئة في الحالات التي قد تتضمن شبهات رشوة بين القطاعين العام والخاص، مما يمنح الهيئة صلاحية التحقيق والإحالة إلى القضاء بوصفها قضايا جزائية.

لكن في المقابل، يرى عدد من العاملين وممثلي الشركات القانونية أن المادة (1/ثالثًا) من قانون هيئة النزاهة هي الوحيدة التي يمكن أن تُطبّق على بعض جوانب عمل الشركات المختلطة، بينما بقية المواد لا تنطبق، نظرًا لكون العاملين فيها ليسوا موظفين حكوميين ولا مكلّفين بخدمة عامة.