بين السيادة والهوية.. قانون تجريد الجنسية في الجزائر على محك الأمن والحقوق

عابر- إسراء الأعرج

أثار مصادقة البرلمان الجزائري على قانون الجنسية الرأي العام والذي بموجبه يمنح الدولة أحقية تجريد الجنسية الأصلية أو المكتسبة في حالات محددة، إذ تنص المادة 22 مكرر من القانون على إمكانية سحب الجنسية إذا ارتكب الشخص أفعالا تمس أمن الدولة أو وحدتها أو مصالحها العليا، سواء داخل البلاد أو خارجها.

التعديل القانوني والذي تم اقراره من قبل مجلس الأمة فتح باب نقاش واسع ليتجاوز النص القانوني إلى جوهر العلاقة بين المواطن والدولة، ليعبر عدد من المواطنين أن الجنسية ليست مجرد صفة إدارية، بل رابطة قانونية وهوية وانتماء يترتب عليها الشعور بالأمان والاستقرار الاجتماعي داخل البلاد، ومن هنا، فإن أي إجراء يمسها، حتى وإن كان مؤطرا بالقانون، يثير تساؤلات مشروعة حول حدود السلطة، وضمانات الحماية من التعسف، ومدى صون الحقوق الأساسية.

وفي المقابل، تؤكد الدولة أن حماية الأمن القومي ووحدة البلاد مسؤولية سيادية لا يمكن التفريط بها، خاصة في ظل تحديات داخلية وخارجية معقدة. وبين اعتبارات السيادة ومتطلبات الحقوق، يتشكل الجدل اليوم في الجزائر حول كيفية تحقيق توازن دقيق يحفظ أمن الدولة دون أن يهز ثقة مواطنيها، ويبقي الإجراء في إطاره الاستثنائي، محكوما بسيادة القانون وضماناته.

مادة عقابية 

يرى مراقبون أن المادة جاءت لتمهيد الطريق نحو أساليب عقابية غير معهودة تتمثل بتجريد المواطن الجزائري من أحد أهم حقوقه وهي الجنسية،  واتفق الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات الدولية قويدر شيشي توفيق الرأي مع المراقبون خلال حديثه لعابر، قائلا إن الجنسية الجزائرية من أصعب الجنسيات من حيث شروط الحصول عليها وإثباتها، معتبرا أن تشدد الدولة مرتبط بحماية الخصوصية الوطنية. 

ويؤكد أن التجريد من الجنسية، وفق قانون الجنسية، يعد إجراءً ذا طبيعة عقابية، وبالتالي يجب أن يستند إلى قرار قضائي مبني على أدلة واضحة، لا أن يتحول إلى قرار سياسي أو إعلامي، فالحالات التي يجيز فيها القانون ذلك ترتبط بأحكام قضائية في جنايات خطيرة، أو المساس بالمصالح الحيوية للبلاد، أو التخابر والعمل مع جهات أجنبية بما يضر بمصالح الجزائر.

ويعتبر شيشي أن توقيت طرح القانون جاء في سياق تصاعد نشاط معارضين في الخارج، خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتهم بعضهم بمحاولة التأثير على الداخل الجزائري أو تشويه صورة الدولة، لاسيما في ظل التوترات القائمة مع بعض الدول الأوروبية. 

في الاثناء أشار بعض الناشطين، خاصة مزدوجي الجنسية أو المنتمين إلى أن حركات ذات توجهات انفصالية، كانوا الأكثر إثارة للجدل في هذا الملف، لافتين إلى أن السلطات تتعامل مع الحالات التي تثبت فيها تهم التخابر أو تسريب معلومات تمس الأمن القومي بصرامة، بالاستناد إلى أدلة ووثائق وقرائن قانونية.

أسر على المحك 

من منظور آخر يرى الكاتب الصحفي رضوان بوساق في حديثه لعابر، أن جانبا مهما من الجدل الدائر حول قانون تجريد الجنسية لا يرتبط فقط بالشق الأمني أو السياسي، بل بالمخاوف الاجتماعية والقانونية التي قد تترتب عليه، إذ أن سحب الجنسية قد ينعكس على أوضاع عائلية معقدة، خصوصًا في حالات الزواج أو الطلاق، وما قد ينشأ عنها من إشكالات تتعلق بالوضع القانوني للزوجين أو الأبناء.

ويؤكد أن المسألة قد تمتد إلى قضايا الميراث، والإقامة، والحقوق المدنية المرتبطة بالجنسية، ما قد يضع بعض الأسر أمام أوضاع قانونية جديدة وغير مستقرة وبرأيه، فإن هذه التخوفات الاجتماعية مشروعة في النقاش العام، وتستدعي توضيحا قانونيا دقيقا لكيفية معالجة مثل هذه الحالات، حتى لا تتحول المخاوف إلى قلق جماعي يتجاوز نطاق الحالات المحددة التي يستهدفها القانون.

ضمانات محدودة

أما المحامي الزاهي السعيد يرى في حديثه لعابر أن المبرر الذي قدّمته السلطة لسن قانون تجريد الجنسية، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الذي جاء فيه، فالتعديل أقر في مرحلة أعقبت الحراك الشعبي، الذي عزز قناعة واسعة لدى الجزائريين بضرورة التغيير وبناء دولة المؤسسات والقانون.

واعتبر  السعيد أن السلطة لجأت إلى مراجعة عدة نصوص قانونية بشكل مستعجل ودون استشارة معمقة، بهدف تضييق مساحة حرية التعبير والحد من أي مطالب بالتغيير.

ويشير إلى أن القانون يتعارض مع روح الدستور الجزائري الذي يؤكد احترام حرية وكرامة الإنسان، وينص في مادته الـ36 على أن الجنسية يحددها القانون، كما أن المادة 171 من دستور 2020 تلزم القاضي باحترام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المصادق عليها من قبل الجزائر، ومن بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يجرم التجريد التعسفي من الجنسية. 

ويضيف أن الضمانات تبقى محدودة، لكون قرار سحب الجنسية يصدر عن السلطة التنفيذية باعتباره قرار إداري ذا طبيعة سياسية، ما يفتح المجال لاحتمال توظيفه في مواجهة المعارضين أو للتضييق على الحريات الفردية والجماعية.

ويؤكد السعيد أن الموازنة بين حماية الأمن القومي وصون الحريات لا تكون عبر التجريد من الجنسية، بل من خلال احترام الدستور ومبدأ الفصل بين السلطات وخضوع الجميع للقانون، مشيرا إلى أن قانون العقوبات يتضمن نصوصا كافية لحماية المصالح العليا للدولة دون اللجوء إلى إجراء يحمل آثارا خطيرة على الأفراد والمجتمع، وأن تجريد مزدوجي الجنسية يجعلهم أجانب في وطنهم خاضعين لقوانين إقامة الأجانب، فيما يؤدي سحب الجنسية الأصلية إلى وضع أشد خطورة، إذ يترك الشخص بلا هوية قانونية واضحة، بما يترتب على ذلك من تبعات إنسانية وقانونية عميقة.

إشكال دستوري وحق أساسي

قانونيا تبين المحامية عائشة زميت لعابر أن التعديل الذي صادق عليه البرلمان الجزائري شكل تحولا جوهريا في فلسفة النص القانوني، إذ لم يعد سحب الجنسية مقتصرا على الحالات الضيقة المرتبطة بالغش أو الخدمة في جيش أجنبي أو المساس الاستثنائي بأمن الدولة، بل امتد ليشمل أفعالا تعد مضرة بمصالح الدولة أو وحدتها الوطنية، حتى وإن ارتكبت خارج التراب الوطني، مع شمول الحاصلين على الجنسية الأصلية، بعد أن كان الإجراء في السابق يطال أصحاب الجنسية المكتسبة.

وتشير إلى أن الإشكال الدستوري المحتمل يكمن في كون الدستور الجزائري يقر بأن الجنسية حق أساسي للمواطن، من دون أن ينص صراحة على إمكانية سحب الجنسية الأصلية، ما يفتح باب النقاش حول مدى انسجام التعديل مع المبادئ الدستورية، ويبقي الكلمة الفصل للمحكمة الدستورية في حال الطعن، لافتة إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمنع التجريد التعسفي من الجنسية، ما يفرض ضرورة توفير ضمانات حقيقية تحول دون إساءة استعمال النص، خصوصا في ظل التخوفات من إمكانية توظيفه سياسيا أو التسبب في حالات انعدام الجنسية.

وتؤكد زميت أن سحب الجنسية يتم بمرسوم رئاسي بعد إنذار رسمي وجمع أدلة كافية، غير أن فعالية الضمانات ترتبط بدور القضاء في تثبيت الوقائع عبر أحكام نهائية، مع تمكين المعني من حق الدفاع والتقاضي على درجتين. 

وتضيف أن آثار سحب الجنسية لا تقف عند حدود الصفة القانونية، بل تمتد إلى فقدان امتيازات المواطنة، وحق الإقامة، وربما الملكية العقارية، داعية إلى تحديد المفاهيم الواردة في النص بدقة، وإرساء آليات قضائية واضحة للطعن، بما يحقق التوازن بين حماية أمن الدولة وصون الحقوق الأساسية للأفراد.

لا يستعمل لمعاقبة الرأي

أكدت رئيسة المنتدى الوطني للحقوقيين الجزائريين، أمينة فايزي، أن نزع الجنسية يجب أن يفهم ضمن إطاره القانوني الضيق كإجراء استثنائي يهدف إلى حماية أمن الدولة وكل ما من شأنه المساس بالكيان الوطني أو محاولة تقسيم البلاد، مشددة على أنه لا يجوز أن يُستعمل كوسيلة لمعاقبة الرأي أو الموقف السياسي السلمي.

وأضافت أن الطابع الوقائي والاستثنائي لهذا التدبير يظل مرتبطًا بمدى احترام الضمانات القانونية والدستورية، وبخضوعه للرقابة القضائية والشفافية في التطبيق، حتى لا يُؤوَّل سياسيًا أو ينحرف عن غايته الأصلية، والمتمثلة في حماية أمن الدولة دون المساس بالحقوق الأساسية.

مواجهة المكائد

عقب المصادقة على التعديل، أوضح وزير العدل حافظ الأختام أن النص الجديد يهدف إلى “التصدي لبعض التصرفات التي تستهدف استقرار البلاد، والحفاظ على قداسة رابطة الجنسية الجزائرية التي تربط المواطنين بدولتهم”. 

وأكد على أن الإجراء يأتي لمعالجة حالات جزائريين تنصلوا من التزاماتهم القانونية والأخلاقية تجاه وطنهم، واستغلوا وجودهم خارج التراب الوطني والحماية التي توفرها لهم دول إقامتهم، للإضرار بمصالح الجزائر.

وبين الوزير أن التعديل يستحدث نظاما يتيح تجريد الجنسية الأصلية أو المكتسبة في حالات محددة، مشددا على أن ذلك يتم وفق “إجراءات قانونية صارمة وضمانات دقيقة”، من بينها حصر الحالات على سبيل التحديد، وتبليغ المعني ومنحه حق تقديم توضيحاته، إضافة إلى دراسة الملفات من قبل لجنة خاصة تضم مختصين من قطاعات وهيئات معنية، بما يضمن خلو الإجراء من التعسف وخضوعه لمنطق سيادة القانون، معتبرا أن ذلك سيمكن الجزائر من مواجهة “المكائد ” وتعزيز حماية الدولة ومقوماتها الأساسية.