الخميس، 22 أكتوبر 2026
صحافة لأجل الانسان
قدّم تحقيقك
في العمق اليمن

بزنس الـ”دلالات”.. طوق نجاة لفقراء اليمن أم سوق سوداء تستنزف جيوبهم؟

تلجأ أسر يمنية كثيرة من ذوي الدخل المحدود، إلى الاقتراض من ما يُعرف بالـ”دلالات” أيّ المقرضات غير الرسميّات اللواتي ينتشرن في الأحياء والأسواق الشعبية في اليمن، وعادة ما يكون القرض على شكل أجهزة إلكترونية أو أدوات منزلية أو مواد بناء، يحصل عليها المقترض مقابل سداد مبالغ مالية إضافية تفوق قيمة السلعة نفسها، علمًا أنه في بعض الأحيان يتمّ بيع المشتريات لطرف آخر من أجل الحصول على المال.  

منزل غير مكتمل… وديون تتراكم

لم يكن حلم أم محمد (50 عامًا) التي تسكن راهنًا أحد أحياء مديرية صيرة في محافظة عدن، يتجاوز استكمال منزلها الذي توقف بناؤه بعد اختفاء زوجها في الحرب، تاركًا خلفه أربعة أبناء؛ ولد وثلاث فتيات.

 إذ بالرغم من عملها في مهنة التدريس، والتي تتقاضى عنها أجرًا لا يتجاوز 120 ألف ريال يمني، أي ما يقارب 80 دولارًا، لم يكن أمامها خيار سوى شراء الإسمنت والحديد بنظام التقسيط، على أمل أن تتمكن يومًا من استكمال منزلها وتأمين سقف يأوي أبناءها.

تقول لـ”عابر”: “ترتفع الأسعار يومًا بعد آخر، ولو انتظرت حتى أجمع المال فلن أستطيع أن أبني شيئًا، لذلك لجأت إلى نظام الأقساط، لكني للأسف أغرقت نفسي بالديون، وأصبحت مجبرة شهريًا على دفع قسطين مختلفين لأكثر من دلالة وقد تجاوزت قيمة المبلغ الـ70 ألف ريال يمني (ما يقارب 40 دولار)”.

واليوم، تخصص أم محمد حوالي نصف دخلها الشهري لسداد الأقساط، ورغم ذلك، تفيد بأنها ستعيد تجربة الاقتراض مرات أخرى في حال احتاجت إلى شراء أجهزة إلكترونية أو أثاث للمنزل لأنها لا تستطيع دفع ثمنها نقدًا. وهي صورة تعكس حجم العبء الذي يفرضه هذا النوع من التمويل على الأسر محدودة الدخل من جهة، ويظهر مدى الحاجة لمثل هذه القروض من جهة أخرى.

أصحاب المهن أيضًا

ولم  تقتصر الاستدانة من الدلالات على الأسر الساعية لتأمين احتياجاتها الأساسية، بل امتدت كذلك إلى أصحاب المهن والحرف الذين يلجأون إليها لتوفير أدوات العمل التي تمثل مصدر رزقهم.

وما بين تكلفة استئجار المعدات وارتفاع أسعار شرائها، وجد حسين عوض (45 سنة)، ويعمل في تنظيف مكيفات التبريد الهوائية، نفسه أمام خيار صعب؛ إما أن يدفع أجرة استئجار أدوات وآلة التنظيف أو امتلاك عدته الخاصة.

لذلك اضطر للاقتراض من إحدى الدلالات لشراء آلة تنظيف المكيفات واستكمال عدته المهنية، على أن يقتطع جزءًا من أجره اليومي ويجمعه لسداد القسط في نهاية كل شهر، وأمله كبير في أن يسهم امتلاك المعدات في تخفيف تكاليف عمله وزيادة دخله واستقراره المهني.

ويقول حسين في حديثة لـ”عابر”: “أعرف أن الفوائد التي سأدفعها مرتفعة، لكن في المقابل فإن امتلاك أدواتي الخاصة سيوفر عليّ أجرة الإيجار اليومية وسيمنحني فرصة للعمل بحرية أكثر”.   

هذه القصص ليست سوى جزء من ظاهرة عامة تنتشر في مختلف المناطق اليمنية لا سيّما الشعبية منها، حتّى باتت الدلالات أشبه بقطاع قائم بحد ذاته. فكيف تعمل منظومة الإقراض غير الرسمي؟

بزنس الدلالات

بحسب ما رصدته “عابر”، تعتمد معظم عمليات الإقراض غير الرسمي على إجراءات متشابهه؛ إذ يتقدم المقترض بطلب شراء سلعة، ثم تتواصل “الدلالة” مع أحد التجار لشرائها نقدًا، قبل أن تُسلَّم مباشرة للمقترض مقابل سداد قيمتها على أقساط شهرية تتضمن فائدة متفقًا عليها.

وتوضح إحدى المقرضات، وهي معروفة محليًا بـ”الدلالة” (45 سنة)، فضلت عدم ذكر اسمها، لـ”عابر”: أنها دخلت هذا المجال قبل نحو أربع سنوات، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب فرص العمل، مشيرة إلى أن العائد من الإقراض أصبح مصدر دخلها الرئيسي ولأسرتها.

وتقول: “أكثر الفئات التي تلجأ إلى الاقتراض هي النساء، والموظفون، والأسر، والطلاب، لافتة إلى أن العسكريين كانوا في السابق من أكثر المقترضين، إلا أن معظم المقرضات توقفن عن التعامل معهم بسبب التأخر المستمر في صرف الرواتب”.

وتؤكد أن وجود راتب شهري ثابت أصبح شرطًا أساسيًا للحصول على القرض، بينما يُرفض طلب أي شخص لا يمتلك مصدر دخل منتظم.

وترى أن الدافع الرئيسي للاقتراض هو تدهور الأوضاع المعيشية، وعدم قدرة كثير من الأسر على شراء احتياجاتها نقدًا، إلى جانب احتياج بعض الأشخاص إلى رأس مال بسيط لشراء بضائع وإعادة بيعها بهدف توفير مصدر دخل.

وتشير إلى أن قيمة القروض تتراوح بين مئات الآلاف وتصل في بعض الحالات إلى 700 ألف أو 800 ألف ريال يمني (حوالي 400 دولار) وفقًا لقدرة المقترض على السداد. أما مدة السداد فتُحدد بحسب قيمة القرض، وبعد أن كانت تمتد إلى عام كامل أصبحت حاليًا ثمانية أشهر، حيث يُقسَّم أصل المبلغ مع الفائدة إلى أقساط شهرية متساوية.

وأفادت بأن بعض المقرضات اتجهن خلال الفترة الماضية إلى الإقراض بالريال السعودي، بحيث يُستلَم القرض ويُسدد بالعملة نفسها، إلا أن تقلبات سعر الصرف تسببت في خسائر مالية لعدد منهن.

وفيما يتعلق بالإجراءات، تؤكد أن عملية الإقراض لا تتمّ بصورة عشوائية، بل تُوثق بعقود يوقع عليها جميع الأطراف، مع إصدار سند شهري يثبت سداد كل قسط.

وتصف أكثر التحديات التي تواجهها بأنها تتمثل في تعثر المقترضين في السداد، إذ يتأخر بعضهم عن دفع قسطين أو ثلاثة، ما يؤدي إلى تراكم الالتزامات ويؤثر في استمرار عمليات الإقراض، مشيرة إلى أن الوسيط غالبًا ما يتحمل مسؤولية السداد إذا امتنع المقترض عن الوفاء بالتزاماته، وفقًا للاتفاق المسبق.

وتروي إحدى أصعب التجارب التي مرت بها، موضحة أنها أقرضت إحدى زميلاتها مبلغًا يقارب مليون ريال   يمني (500 دولار)، إلا أن المقترضة لم تتمكن من السداد، ما اضطر الوسيط إلى تحمل قيمة المبلغ كاملة وفقًا للاتفاق المسبق.

كما تشير إلى أنه في حال وفاة المقترض قبل سداد كامل القرض، فإن الالتزام المالي ينتقل إلى ورثته أو أسرته، بحسب ما ينص عليه العقد الموقع بين الطرفين.

ورغم أن هذه العقود تُحرر بين المقرض والمقترض والوسيط، فإنها تتضمن عادةً بيانات الطرفين وقيمة الدين وآلية السداد، ما يجعلها وثيقة يمكن الاستناد إليها في إثبات المديونية والمطالبة بالحقوق أمام الجهات المختصة، وفقًا للقواعد والإجراءات القانونية النافذة.

الواقع المأزوم

من جهته، يرى الباحث الاجتماعي صلاح الحقب أن الإقراض غير الرسمي وانتشاره بهذا الشكل داخل الأحياء اليمنية؛ يعكس عمق الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية مثل البنوك المانحة والمؤسسات الضامنة، لذلك تلجأ كثير من الأسر، وخاصة النساء، إلى الاقتراض لتلبية احتياجاتها الأساسية والعاجلة بشكل اضطراري”.

ويضيف لـ”عابر”: “بالرغم من الفوائد المرتفعة، فإن سهولة الحصول على المال وسرعة توفيره تجعلان هذا الخيار ملاذًا مناسبًا، كونه الخيار المتاح ليمنيين كثر، وهو أمر في غاية الخطورة من حيث تكريسه لحالة الوقوع الحتمي في دوامة المديونية والضعف الاقتصادي الدائم للأسر المحتاجة، وصعوبة الخروج -حينها- من بوتقة الفقر”.

في التعريف

يُعرف الخبير الاقتصادي عبد السلام  الأثوري ظاهرة الإقراض غير الرسمي أو التمويل خارج القطاع المصرفي بأنها: “مجموعة الأنشطة التمويلية التي تتمّ خارج القنوات المصرفية والمؤسسات المالية الخاضعة للرقابة الرسمية، وتشمل القروض الشخصية، والتمويل عبر شبكات التجار والصرافين، والجمعيات الادخارية، والائتمان التجاري، والتمويل القائم على العلاقات الاجتماعية أو القبلية، إضافة إلى شبكات الإقراض الخاصة التي توسعت خلال سنوات الحرب”.

ويقول لـ”عابر”: “شهدت اليمن خلال السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا لهذه الظاهرة، حتّى أصبحت في بعض المناطق بديلًا فعليًا عن الخدمات المصرفية التقليدية”.

وأضاف: “في الحالة اليمنية اكتسب هذا النوع من التمويل أهمية متزايدة بسبب عدة عوامل، أبرزها: انقسام الجهاز المصرفي وضعف دور البنوك التجارية، وتراجع الثقة بالمؤسسات المالية الرسمية، وشح السيولة النقدية، وصعوبة الحصول على التمويل المصرفي، وزيادة احتياجات الأفراد والتجار للتمويل السريع في ظروف الحرب والأزمات”.

ويؤكد الأثوري في حديثه أن الإقراض غير الرسمي يصبح جزءًا من الاقتصاد غير المنظم أو اقتصاد الظل عندما يتم خارج الإطار القانوني والرقابي، ولا تظهر معاملاته في البيانات الرسمية أو لا تخضع للضرائب والإفصاح.

ويشير إلى أن التمويل خارج القطاع المصرفي في اليمن يمثل أحد مظاهر التكيف الاقتصادي مع ظروف الحرب والانقسام المؤسسي، لكنه في الوقت نفسه يعكس ضعف الوساطة المالية الرسمية واتساع حجم الاقتصاد غير المنظم، وما يترتب على ذلك من مخاطر تتعلق بالشفافية، والرقابة، والاستقرار النقدي، وحماية حقوق المتعاملين.

بديل عن الدلالات؟

يُعد تعزيز الشمول المالي أحد الحلول المطروحة للحد من توسع هذه الظاهرة، عن طريق  تمكين  فئات المجتمع من الوصول إلى الخدمات المالية الآمنه والميسرة والتي تشمل الحسابات المصرفية، والتمويل، وخدمات الادخار، ووسائل الدفع الرقمية.

ويرى الخبير الاقتصادي عبد السلام  الاثوري أن تعزيز الشمول المالي  يتطلب إعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتوسيع الخدمات المالية الرقمية، وتبسيط إجراءات فتح الحسابات، وتطوير خدمات ومنتجات تناسب أصحاب الدخل المحدود والمشروعات الصغيرة، بالاضافة إلى تنظيم أنشطة التمويل غير المصرفي وإدماجها تدريجياً في المنظومة المالية الرسمية. مؤكدًا على أن نجاح هذه الجهود مرتبط باستقرار الأوضاع الاقتصادية وتوحيد السياسات النقدية في اليمن.

وبينما تظل “الدلالات” حلًا سريعًا تفرضه الظروف الاقتصادية، فإن الحد من توسع هذه الظاهرة مرتبطًا بقدرة النظام المالي الرسمي على تقديم بدائل أكثر أمانًا وعدالة، تتيح للمواطنين الحصول على التمويل الرسمي، لتأمين ما يحتاجونه دون الوقوع في دائرة الديون.

رد رسمي غائب

خلال إنجاز التقرير، حاولت “عابر” التواصل مع الجهات الرسمية ومنها البنك المركزي اليمني وهو الجهة المالية الرسمية المعنية بهذا الموضوع، ولكن حتّى تاريخ نشرالتقرير لم يصلنا أي رد من المعنيين.