براءة مسروقة.. شهادة طفل وأم تكشفان جريمة تحرش داخل “روضة” في تونس

عابر- تونس
هزت حادثة إعتداء جنسي لطفل الرأي العام في تونس، بعد نشر صفحة تونسية شهيرة على مواقع التواصل الإجتماعي، ليلة الخميس 11 فبراير 2026، شهادة لأم تروي تفاصيل تعرض إبنها صاحب الثلاث سنوات لإعتداء جنسي داخل روضته بالعاصمة تونس، على يد أحد العاملين فيها.
وخلال ساعات قليلة، تحولت شهادة الأم، إلى قضية رأي عام وموجة غضب واسعة، بعدما خرجت كلماتها محملة بالانكسار، ما دفع منظمات حقوقية ومواطنين إلى المطالبة بالتدخل الفوري للسلطات، ومحاسبة المعتدي وكل من يثبت تواطؤه، وإغلاق الروضة لحماية بقية الأطفال.
حين يتكلم الضحايا
تسرد الأم تفاصيل الواقعة “إصطحبت إبني يوم الجمعة 30 يناير إلى روضته كالعادة على الساعة الثامنة صباحا ثم عدت لأخذه على الساعة الرابعة مساء، يومها نظمت الروضة حفلا، وبحكم أن الصفحة الخاصة بالروضة نشطة جدا على مواقع التواصل، فقد نشرت ذلك اليوم عدد من مقاطع الفيديو للحفل لكنني لم أر إبني بين الأطفال، ولم أهتم في بداية الأمر، لكن عندما ذهبت لإحضاره مساء، شعرت بإرتباكه وأن شيئا غير طبيعي حدث له، سألته واكتفى بقول “أمي أنت لا تحبينني، لو كنت تحبينني لما أخذتني للروضة”، لم أفهم قصده حينها”.
وتتابع أنه بعد وصولهما للمنزل، وعند نزع معطف طفلها الطويل لاحظت أنه يمشي بطريقة غير طبيعية وأن ساقيه كانتا متباعدتان عن بعضهما، ما أثار خوفها مبادرة بسؤال طفلها عما حدث، لتفاجأ برد طفلها بأن “العم فعل هذا بي لقد ألمني اليوم في الروضة”، ما اضطرها لنزع ثيابه لتجد أثار واضحة و”بشعة” في جسده وعلى مؤخرته”.
وتضيف الأم أنها توجهت مباشرة لمركز الشرطة وقدمت بلاغا في الواقعة، والطلب بتحويل إبنها بشكل فوري لمستشفى “شارل نيكول” بالعاصمة لعرضه على الطب الشرعي، لتؤكد التقارير الطبية مخاوفها بعد أيام بأن طفلها قد تعرض للإعتداء الجنسي، وبمحاولات متكررة كان من الممكن أن تفضي للموت بسبب صغر جسد الطفل وعمره.
وأوضحت الأم أن طفلها تمكن خلال المتابعة النفسية، من الإدلاء بشهادة حول ما تعرض له، حيث أخبر الطبيبة النفسية أن الشخص الذي اعتدى عليه هو “العم صاحب الشعر الطويل” والذي أغلق فمه بغطاء لمنعه من الصراخ أو طلب المساعدة، ولم يكتف بذلك، فبحسب ما نقلته الأم الاعتداء لم يقتصر عليه وحده، وإنما كان معه ثلاثة من أصدقائه.
وخلال الجلسات النفسية، تمكن الطفل من إعادة تمثيل تفاصيل الواقعة وتجسيدها، في مشهد وصفته الأم بالمؤلم، إذ قال للطبيبة: “الروضة سيئة جداً… لأن العم فيها”.
ابني يعيش في خوف مستمر، يرى كوابيس كل ليلة، ويستيقظ وهو يصرخ :اتركني يا عمي… أرجوك لا تؤذيني” تقول الأم مؤكدة على أنه لم يتم اتخاذ أي إجراءات حاسمة من قبل السلطات بعد مرور 13 يوما على الحادثة، مشيرة إلى أن الروضة ما تزال تواصل نشاطها بشكل طبيعي، فيما لا يزال المعتدي، حراً دون محاسبة.

إنكار رغم الأدلة
بعد نشر إسمها، كذبت الروضة الخميس ما حدث وقالت في بيان لها أن الأطفال في أمان داخل أسوارها ومراقبين طوال الوقت بكاميرات، مؤكدة إمتلاكها تسجيلا يوثق نشاط الطفل المعتدى عليه من لحظة دخوله للمؤسسة حتى مغادرته وأنه لم يتعرض لأي إعتداء داخلها وإنما “الإعتداء قد يكون من خارج المؤسسة”.
فيما أشارت لاستعدادها للتعاون مع الشرطة لتسهيل الأبحاث، لكن بعد ساعات من نشر البيان قامت المؤسسة بفسخه قبل أن تغلق صفحتها نهائيا.
وتزامنا مع تكشف تفاصيل الحادثة، نشر العديد من أولياء الأمور شهادات سلبية تخص المؤسسة دفعت بعضهم لإخراج أبنائهم منها كما إعتبروها مؤسسة “سيئة السمعة” رغم تكاليفها الباهضة التي تصل ل 600 دينار تونسي شهريا (أكثر من 200 دولار شهريا للطفل الواحد).
وفي مفارقة مؤلمة يظهر في فيديو قديم نشرته الروضة نفسها قبل الحادثة، أن المعلمة كانت توجه الأطفال وتحذرهم من التحرش وتعلمهم الانتباه لمخاطر الغير، لكن هذه التحذيرات التي كان من المفترض أن تحمي الأطفال، لم تمنع وقوع الاعتداء داخل أسوار الروضة نفسها، ما يضاعف وقع الصدمة، بأن المكان الذي كان يفترض أن يكون نموذجا للأمان والحماية، أصبح مسرحا لجرم ضد براءة طفل لم يتجاوز الثالثة من عمره، ما يسلط الضوء على هشاشة الإجراءات الأمنية والإشرافية داخلها.
أرقام متزايدة.. والسلطات تتحرك
وفق إحصائيات حديثة حول العنف ضد الأطفال لعام 2025، أشارت الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني إلى أن تونس تسجل نحو 25,000 بلاغ سنويا عن أطفال معرضين للعنف أو الخطر، يشمل ذلك الاعتداء الجسدي والنفسي والجنسي، وهو رقم يعكس اتساع المشكلة وارتفاع معدل التبليغ عن الانتهاكات ضد الأطفال.
النائبة في البرلمان التونسي سيرين مرابط أشارت خلال الجلسة العامة للبرلمان يوم الخميس 12 فبراير، أنها تواصلت مع وزيرة المرأة بشأن شبهة تعرض الطفل إلى إعتداء جنسي و”محاولة إغتصاب” داخل روضتة بحي النصر، كما أكدت النائبة أنّ الوزيرة تعهدت بالتعامل مع الملف “كأم” قبل كل شيء.
من جهتها قالت النيابة العمومية في بيان لها يوم 13 فبراير، أنه تبعا لما تم تداوله حول الإعتداء الجنسي الذي تعرض له طفل في إحدى رياض الأطفال في منطقة حي النصر بأريانة وعلى إثر تقدم والدة الطفل المتضرر بشكوى، تم التعامل مع البلاغ بشكل فوري وجدي حيث تم سماع المشتكية والطفل المتضرر بحضور اخصائي نفسي ثم عرضه مباشرة على الطب الشرعي.
وتابعت تم إجراء الإختبارات الجينية والفنية اللازمة إلى جانب معاينة مكان الواقعة ومحتوى كاميرات المراقبة وسماع جميع العاملين في الروضة، وحصر الشبهة في مجموعة من الأشخاص وعلى إثرها اتخذت فيهم قرارا بالإحتفاظ إلى حين إستكمال الأبحاث والإنتهاء من نتائج التقارير الطبية والفنية.
من جهتها، أعلنت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في بيان لها اليوم الجمعة، إغلاق إحدى روضات الأطفال بحي النصر 2 والتي تعرض فيها طفل يبلغ من العمر 3 سنوات للإعتداء الجنسي.
دعوة لحماية الأطفال
نشرت جمعية “براءة لحماية الطفولة المهددة” مساء الخميس الماضي بيانا حول وضع الاعتداء الجنسي على طفل في روضة خاصة، عبرت فيه عن “مساندتها المطلقة للطفل ضحية الإعتداء الجنسي بفضاء من المفترض أن يكون نموذجًا للحماية من المخاطر والتهديدات”.
وذكرت الجمعية بأن هذه الحادثة التي حركت الرأي العام هي جزء من واقع متكرر ومؤسف، وهو ما تؤكده الأرقام الرسمية والنشرات الإحصائية السنوية لمندوبي حماية الطفولة من تعهدات أُحيلت إلى أنظار القضاء.
وقالت الجمعية أن كسر حاجز الصمت وعدم لوم الضحايا هو مبدأ أساسي لمجابهة مثل هذه الظواهر والآفات الخطيرة”، مشددة على ضرورة الحذر الإعلامي من تداول المعطيات الخاصة بالطفل ضحية الإعتداء الجنسي (الصورة أو الاسم)، لما قد يساهم في تعقيد الوضع النفسي للطفل والمس من كرامته”.
كما دعت الجمعية “جميع الأولياء إلى الإنخراط في التوعية الجنسية ومحاولة تثقيف أبنائهم منذ سن مبكرة حول الجسد وحدود الآخرين”.
