انتهاكات بحق العاملات تخفى خوفا من الطرد خلف أبواب المطاعم في العراق

عابر – العراق

ريا سعد النعيمي

“كان يعلم ظروفي جيدا، ويعرف أنني بحاجة إلى أي فرصة لأؤمن حياة كريمة لطفلي”، جملة تعكس واقع الاستغلال الذي تتعرض له العاملات داخل المطاعم في العراق، فـ سارة علاء شابة عمرها (23 عاما)، وهي أرملة وأم لطفل صغير وتعيش في منطقة شعبية فقيرة ببغداد، تسرد لعابر أنه لم يكن ضغط الدوام أو التعب اليومي أصعب ما واجهته في مكان العمل ، بل الاستغلال الذي تعرضت له بسبب حاجتها المادية.

بدأت سارة عملها كموظفة مبيعات إلكترونية داخل أحد المطاعم المعروفة وسط العاصمة، براتب بسيط بالكاد يكفي احتياجاتها واحتياجات طفلها، قبل أن تتلقى عرضا من مسؤول الموارد البشرية يقضي بنقلها إلى منصب إداري أفضل مقابل الدخول في علاقة خاصة معه.

وتوضح أن المسؤول استغل ظروفها الصعبة بعدما لاحظ حاجتها الشديدة للعمل والمال، وبدأ يلمح لها بإمكانية ترقيتها من موظفة مبيعات إلى موظفة موارد بشرية، وهي وظيفة تتمتع براتب أعلى وساعات عمل أقل ومكانة أفضل داخل المؤسسة.

“وافقت لأن الراتب أعلى والعمل أقل إرهاقا، شعرت بأنني مضطرة أكثر من كوني مقتنعة”، وبحسب سارة، فإن الترقية لم تمنحها شعورا بالراحة بقدر ما أدخلتها في دوامة من الضغط النفسي والخوف، خصوصا بعدما بدأت تشعر بأن بعض الموظفين ينظرون إليها بطريقة مختلفة، “أصبحت أشعر وكأن الجميع يعرف الطريقة التي وصلت بها إلى هذا المنصب”.

يشهد قطاع المطاعم والمقاهي في العراق توسعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، وتزداد مع ذلك أعداد الفتيات العاملات في هذا المجال، ولا سيما في المدن الكبرى مثل بغداد وأربيل والبصرة، إلا أن هذا التوسع لم يرافقه بحسب ناشطين وعاملات نظام واضح لحماية النساء من التجاوزات داخل بيئات العمل الخاصة في ظل ضعف الرقابة، وغياب آليات الشكوى، والخوف الاجتماعي الذي يدفع كثيرات إلى الصمت لأن الحديث “لا يسمن ولا يغني من جوع”.

ولا تقتصر معاناة بعض العاملات على ضغط العمل وساعات الدوام الطويلة، بل تمتد أحيانا إلى ما هو أبعد من ذلك من نظرات متطفلة، وتعليقات جارحة، ومحاولات تحرش باللمس والكلام أو استغلال يمارس بصمت خلف واجهات الخدمة والابتسامات المفروضة، لتجد كثير من الشابات والنساء أنفسهن عالقات داخل بيئة عمل قد تتحول من مصدر رزق إلى مساحة يومية للانتهاك النفسي والجسدي.

الخوف من فقدان الوظيفة

لا تختلف قصة زهراء سمير عدنان ذات (19 عاما) كثيرا، وهي طالبة جامعية اضطرتها ظروف عائلتها للعمل مساء داخل مطعم عائلي في بغداد، فتقول لعابر إن بعض الزبائن كانوا يطلبون رقم هاتفها بشكل مباشر، أو يحاولون لمس يدها أثناء تقديم الطلبات، فيما كانت الإدارة تتعامل مع الأمر باعتباره “أمرا عاديا”.

“في إحدى المرات اشتكيت من زبون تجاوز بالكلام، فضحك المدير وقالي يعتبرك جميلة، فلماذا تنزعجين!” تلك اللحظة اعتبرتها زهراء بأنها كانت أكثر إهانة من التحرش نفسه، لأنها شعرت أن لا أحد مستعد لحمايتها داخل مكان العمل في حال تعرضت لأي موقف مزعج.

ورغم اختلاف القصص وتنوعها واختلاف شخوصها فإن القاسم المشترك بينها هو الخوف من فقدان الوظيفة، أو من كلام المجتمع، أو حتى من اتهام الفتاة بأنها سبب المشكلة فقط.

اللوم سيقع علي بالنهاية!

“كان يحاول الاقتراب مني باستمرار، ويرسل رسائل خارج أوقات الدوام، وعندما تجاهلته بدأ يتعمد مضايقتي أثناء العمل”، تسرد مها رائد ذات (25 عاما) والتي عملت سابقا في مطعم بمنطقة الكرادة أنها تركت العمل بعد أشهر من تعرضها لمضايقات متكررة من أحد الموظفين.

وتضيف أنها فكرت أكثر من مرة في تقديم شكوى، لكنها تراجعت خوفا من خسارة عملها، خصوصا أنها كانت المعيلة الوحيدة لعائلتها بعد وفاة والدها، “كنت أعلم أن اللوم قد يقع علي في النهاية إذا تحدثت”.

شهادات الموظفين

لم تقتصر الشهادات على العاملات فقط، بل أكد عدد من الموظفين داخل المطاعم والمقاهي مشاهدتهم لتجاوزات متكررة بحق الفتيات العاملات، فيقول أحمد زهير (27 عاما)، وهو موظف صندوق (كاشير) في أحد مطاعم بغداد، إن بعض الإدارات تتعامل مع الموظفات بطريقة مختلفة عن بقية العاملين، خصوصا إذا كانت العاملة صغيرة السن أو تمر بظروف مادية صعبة.

ويتابع ترى الإدارة هذه الفتيات لقمة سائغة يمكن أن تقدم تنازلات كثيرة في سبيل رزقهم، وأيضا لخوفهن من الحديث، بالتالي مهما كانت الشروط ستقبل العاملة فيها.

أما حيدر محسن (31 عاما)، وهو طباخ يعمل في مطعم شرقي، فيؤكد أنه شهد أكثر من مرة تعرض عاملات لتعليقات أو مضايقات من بعض الزبائن، فيما كانت الإدارة تطلب منهن الالتزام بالصمت وعدم افتعال المشكلات، لأجل سمعة المطعم وصورته.

ويتابع “في كثير من الأحيان تكون الموظفة منزعجة وواضح عليها الخوف، لكن الإدارة تخشى خسارة الزبون أكثر من حرصها على حماية العاملة التي يمكن استبدالها بالكثيرات ممن يعيشون ذات الظروف”.

نظرة دونية ملازمة

وبحسب ناشطات في مجال حقوق المرأة، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بحالات فردية، بل بثقافة اجتماعية تنظر أحيانا إلى النساء العاملات في المطاعم والمقاهي بنظرة دونية أو مشككة.

وتقول الناشطة المدنية هناء عبد الله اللامي إن بعض العاملات يواجهن “حكمين قاسيين” في الوقت نفسه داخل مكان العمل وخارجه، ” فالفتاة تتعرض للتحرش داخل المطعم، وإذا اشتكت قد تواجه اتهامات أو تشكيكا من المجتمع نفسه”.

وتشير إلى أن كثيرا من الفتيات يخفين طبيعة عملهن في المطاعم والمقاهي وحتى الأماكن العامة حتى عن أقاربهن، خشية الوصمة الاجتماعية التي يقابلن بها في كل مكان.

قانون محدود لقلة التبليغ

من جهتها، تؤكد المحامية إسراء خالد أن قانون العمل العراقي يتضمن مواد تجرم التحرش، إلا أن تطبيقه ما يزال محدودا بسبب ضعف التبليغ وقلة القضايا.

وتوضح أن المشكلة الأهم هي أن أغلب العاملات في القطاع الخاص لا يمتلكن عقود عمل رسمية، ما يزيد من هشاشتهن القانونية ويحرمهن حقهن في راتب كامل، وتأمين صحي وكافة حقوق العمل، وهذا ما يدفع بصاحب العمل إلى استغلالهن ويضمن سكوتهن.

وتتابع لا تبدو ما ترويه العاملات في المطاعم والمقاهي حوادث فردية معزولة بقدر ما هي مؤشرات على واقع أوسع تتداخل فيه الحاجة الاقتصادية مع هشاشة بيئة العمل وضعف أدوات الحماية، وبينما تتوسع فرص العمل في هذا القطاع داخل العراق، تبقى مسألة توفير بيئة آمنة للعاملات، قائمة على الرقابة الفعلية وآليات الشكوى الفاعلة، غير مكتملة الحضور.

الضحايا تتراجع عن الإبلاغ

يقول ضابط في الشرطة المجتمعية، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن بعض البلاغات التي تصل تتعلق بتحرش لفظي أو مضايقات داخل المطاعم والمقاهي، إلا أن عددا كبيرا من الضحايا يتراجعن عن الاستمرار بالإجراءات القانونية.

ويضيف أن الكثير من النساء يخشين تقديم الشكوى لأنهن يعتقدن أن المجتمع سيلومهن بدلا من محاسبة المتحرش، مشيرا إلى أن غياب العقود الرسمية داخل كثير من أماكن العمل يجعل العاملات أكثر عرضة للتهديد أو الضغط النفسي.

تؤكد مصادر في الشرطة المجتمعية أن كثيرا من حالات التحرش أو الابتزاز داخل أماكن العمل لا تصل إلى مراحل الشكوى الرسمية، بسبب خوف النساء من الوصمة الاجتماعية أو فقدان وظائفهن، إلا أن ضعف التبليغ لا يعني غياب الظاهرة، بل يعكس حجم الخوف الذي تعيشه كثير من العاملات.

وبين صمت تفرضه خشية فقدان الوظيفة، وضغوط اجتماعية قد تثني عن التبليغ، تستمر كثير من الانتهاكات في البقاء خارج إطار المساءلة، لتتحول تفاصيل العمل اليومية إلى مساحة غير مرئية من الانتهاك المحتمل.